الذّاكِرَة الفِلِسطينيّة VS ذَكاءُ المَحوِ الرَّقَمي

ثَمّة مبحثٌ مُهمّ في الدّراسات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية والتاريخيّة المعاصِرة، تَلتَفِتُ له بعنايةٍ شديدة، يتعلّق بماهيّة أَدوات التّوثيق التاريخي ومَنهجيّاته للأحداث التي لم تُحكَ ولم توثّق بالكاميرا، هذه المنهجيّة هي منهجيّة البحث السرديّ التي تَستخدم أسلوب تَجميع السرديّات والقصص وتتبُّعها حتى يَصل البحث إلى صورة مكتمِلة الإجابة تغطّي فترة زمنيّة ومساحة مكانيّة وقعَ فيها الحدَثَ. في هذه المنهجيّة هناك قصّة توصِلنا إلى قصّة، وسرديّة شفويّة توصِلنا إلى موقع مكانيّ أو أَشخاصٍ شُهود على الحَدَث، أو ناقلي سرديّات، لكنّها منهجيّة تَقتَصِر في ممارساتها على فئة الخُبراء والمتخصّصين، حيث يتّبعون منهجيّة التّحليل الهيكلي (على شكل قصّة لها بداية وأَحداث ونتيجة)، أو التّحليل المَوضوعي (من خلال استخراج موضوع مشترَك من سرديّات متعدّدة) على نحو مناوئ للذكاء الاصطناعي الذي يتّبع خوارزميّات تتأثّر بانحياز مخترِعيها، كما أنّها لا تتّبع الموضوعّية والدّقَة التي يَتّصف بها منهج البَحث السّردي.
إنّ فكرة وُجود تَطبيقات الذكاء الصّناعي الفائِقَة، فكرةٌ منافِسَة للاستدلال العِلمي، مَعَ أن التّطبيقات بَنات العلم، لكنّها لا تهتم بدقّة المعلومات في ظلّ الانفجار المعلوماتيّ الهائل الذي لا يمكِن السيطرة عليه، لذا لم يَعُد العلم كافيًا للسيطَرة المعلوماتية، بل أصبحَت العلومَ حلبةَ منافَسة لمن يقدّم معلومات بغزارة في أَسرع مدّة فائقة.
قَبل حوالي ثلاثة شهور حضرْت محاضرة وجاهية للدكتورة منى ضميدي في حاضنة مكاني التابعة لبلدية رام الله. كانت المحاضَرة حول دور الذكاء الاصطناعي في عالَم ريادة الأعمال، كانت محاضَرة مُثرِِيَة للغاية، وقد ذهلتُ من تخصّص التّطبيقات العالي، فمنها ما هو متخصّص بالأعمال والتّخطيط، ومنها ما هو متخصّص في المجال الأكاديمي أصبَحَت معتمَدَة لدى جامعات أجنبية للأكاديميين والطلاب، والمُبهِر هو مشاركة طلاب فلسطينيين وطالبات بأفكارهم عن تطبيقات ذكيّة في مجالات مهنيّة مِثل التّشخيص الطّبي.
إذا كانت البشريّة مُقبِلة على تحوّل نحو المطلَق في الشّكل العلائِقي المعلوماتي، بحيث يتمّ تَمرير السيطرة المعلوماتية إلى تطبيقات جاهزة من تَصميم الإنسان تدريجيًا، فإنّ هذا يشير إلى تحولات عدّة مهمّة:
أولًا: انتقال العمليات الذهنيّة إلى ما سأُطلق عليه في هذه المقالة مسمّى "رفاهية الاعتمادية الذهنيّة"، فقد تُصبح الكثير من العمليات الذهنيّة، مثل استعادَة المعلومات من الذاكرة بعيدة الأَمَد، منتميةً إلى رفاهية الوصول السريع.
ثانيًا: تعدّد مستويات مَصادر المعلومات من الضعيف جدًا حتى المستوى العلمي، فبعض التّطبيقات تَعتمد الوصول للمعلومات دون تصنيفها، لأنّ الأساس الذي صُممت عليه تلك التّطبيقات هو المَنفعة المتبادَلة بين العَميل والشركة مالكة التطبيق الذي يتلقّى أرباحًا.
ثالثًا: رَبط العمل المؤسّساتي والأرشَفة بشبكات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يشكّل تحسينًا نوعيًا، يجعل كميّة المعلومات تتدفّق عَبر قنوات راشحة لها بوجود محدّدات شَرطيّة تلعب دورًا في هذا التّرشيح.
رابعًا: إن عمليّة التّرشيح كعمليّة مجَرّدة تَنضوي عليها عملية خلقِ أَبعاد تخصّ الإنتاج المعرفي البشري، بمعنى أنّ هذا التّرشيح تستفيد منه مجالات كثيرة مثل المجالات الأكاديمية، والأَرشَفة، وتشكّل الذاكرة الآنية المعلوماتيّة في العوالم الافتراضية الفائقة بلا توقّف.
تَنقلنا التحوّلات المذكورة إلى استنتاج مَفاده أنّ المعلومات التي تتدفَّق كلّ ثانية في هذا العالَم الهائل، من كل أصقاع الأرض، تَتراكم لتتشكّل طبقةً تلو الطبقة، كما تَتشكل الكواكب عبر ملايين السنين، لكن كلّ ثانية في العالم الافتراضي تعادل زمنًا كونيًا، لأنّ عملية المراكمَة الماديّة في الكون تأخذ ملايين بل عشرات ومئات الملايين من السنين، بينما في العالَم الافتراضي نُسفت كلّ أبعاد الزمكان، فيتسارع التراكُم بصورة لا يُدركها العقل البشري.
الذّكاء الاصطناعي، والذّاكرة الفلسطينية
يَجدر بي قبلَ المباشَرة في تحليل العلاقة المذكورة في العنوان هنا، أَن أَربط بين الذكاء الاصطناعي والقضيّة الفلسطينية، حيث يَعمد الذكاء الاصطناعي إلى إخفاء معالِم الجرائم الصهيونية، كوْن الذكاء الاصطناعي ملكيّة خاصة بكُبرى الشّركات المستثمِرة في الكيان الصهيوني، وهو ما يجعَل تلك الشّركات تُحافظ على قوّة السرديّة الصهيونيّة وتفوّقها السيبراني، بل ومحاولة نسيان وإخفاء، وأحيانًا تأخير المعلومات الخاصّة بالذاكرة الفلسطينية التي تقاوِم عملية المحَو التي تجري في العالم الافتراضي، وتُريد هذه الشركات أن تصمَِم عملية "نسيان اصطناعي" عَبر إشغال الجماهير بالانبهار ومواكَبَة كلّ ما هو جديد في الخدمات الذكيّة، من ألعاب، وتصميم، وفنون، وتعليم، وتسوّق وسياحة وتسهيل معاملات الحياة اليوميّة بأسعار زهيدة ومنافسة للأسواق الحقيقية.
وعندما نَجَحت الشركات المنتجة للذكاء الاصطناعي في إغراق العالَم ورفع مستوى تعلّق البشَر بخدماته، أصبح طريق الرجوع لدى الجماهير مستحيلاً، فلا يُمكن التخلّي عن خدمات تلك الشركات التي تغَلغلت بشكل متين في تفاصيل حياة الأفراد الشخصية، فهي تتعامل مع المجتمعات البشرية بالتجزئة المايكروية (الفرديّة)، علاوة على كلّ ذلك، أصبحت الشركات تُسيطر على غرائز البشر، فكادت تكون فعليًا هي من يَحكم ويُهيمن على سائر المجتمعات البشرية. أمّا الحكومات السياسيّة فصارت خاضعة لهذه الشركات، وليس أدلّ على ذلك إلّا الحرب الإقليمية الأخيرة بين إيران واسرائيل التي تُدار بالذّكاء الاصطناعي.
لا يُمكن للذاكرة الفلسطينية ألّا تواكِب عمليات التّوثيق والمراكَمة المعلوماتية المتسارعَة في كلّ ثانية، ولا يَعني أنّنا في سباق زمنيّ مع الذكاء الاصطناعي بقدْر ما نحن في تحدٍّ كبير إذا لم نتدارَكه بإمعان، وإذا لم نتوقّف عليه فقد يدوسُنا القِطار الفائق السرعة بلا اكتراث لوجودنا.
إنّنا أمام سؤالين إشكاليين: هل نبقى جزءًا من هذه الديناميكية الكونيةّ في منظومة الذكاء الاصطناعي؟ أم نتيقّظ لمسألة حِماية مساحتنا الافتراضية التي تتعرّض لانتهاكات عديدة من تَهميش وتغييب وتضليل للمعلومات الخاصة بالذاكرة التي تُدين وتعرّي الكيان الصهيوني أمام العالَم؟

تانيا كرجة
باحثة وصحافية فلسطينية، تميل للفلسفة والنقد الماركسي الجَدَلي، وتؤمن بأن الخلاص لا يأتي بالفكر النقدي فقط، بل بممارسته حتى يتحقق التحرّر.



