مَن يَملِك الحَقيقَة؟ السَّردِيّة الرَّسمِيّة بَين العَدالة والتَّحَرُّر

يصعُب في الواقع الفلسطيني عمومًا، ولا سيّما داخل "الخط الأخضر"، العثور على مَجال من مجالات الحياة بعيدًا عن تأثير السياسة وتَداعياتها. فالقانون والتّعليم والإعلام والاقتصاد، وحتى تَفاصيل الحياة اليومية، تتقاطَع جميعها مع أسئلة الهُوية والحُقوق والعدالة والحريّة. في خِضَم هذا التّشابك، لا يَقتصر الخلاف غالبًا على الوَقائع والأحداث ذاتها، بل يمتدّ إلى تفسيرها وفَهم معناها وتحديد الإطار الذي تُقرأ مِن خلاله.
ففي القضايا السياسيّة على وجهِ الخصوص، قد يُنظر إلى الكلمة أو الموقِف أو النشاط على أنه تعبيرٌ مشروع عن الرأي، أو موقف سياسي، أو دفاع عن حقّ جَماعي، بينما يُقدّم في المقابل باعتباره تحريضًا أو تهديدًا أو خروجًا على النّظام العام. هُنا لا تَعود الحقيقة مجرّد مسألةِ أدلّة ووثائق، بل تتحوّل إلى ساحَة تتنافس فيها روايات متعدّدة، لكلّ منها لغتُها ومفاهيمها والمؤسَّسات العاملة على ترسيخها ومنحِها الشرعيّة.
مِن هذا المنطلَق تَبرُز العلاقة بين السرديّات الكبرى للتحرّر والعدالة وبين إنتاجِ الحقيقة في السّياق الفلسطيني. فالرواية الرسميّة الإسرائيلية لا تتشكّل داخل مؤسَّسة واحدة، بل هي نتاج منظومة متكاملة تَضمّ الأجهزة الأمنية والإعلام والأكاديميا والقضاء، حيث تتفاعَل هذه المؤسّسات وتتبادل التأثير فيما بينها لإنتاج تفسيرٍ معين للأحداث والوقائع ومنحِها المشروعيّة والقبول العام. في المقابل، تَطرَح السردية الفلسطينية قراءات أُخرى تَنطلق من مفاهيم الحقوق والحرّيات والعدالة وحرّية التعبير، وتقدم تفسيرًا مختلفًا للوقائع ذاتها.
ولعلّ الحالة الفلسطينية تقدّم مثالًا واضحًا على أن السرديّات الكُبرى ما زالت حاضرةً بقوة في الصراع على تفسير الواقِع وتحديد مَعانيه، إذ إنّ الكثير من القضايا المرتبطة بالحقوق والهُوية والحرّية لا تُفهم من خلال وقائعَ معزولة، وإنّما ضمن سياق أوسَع يتّصل بالعدالة والتحرّر.
في ظلّ هذا التّبايُن، لا يَبقى الخلاف محصورًا في تفاصيل الأحداث أو في صحّة الوقائع من عَدَمِه، بل يمتدّ إلى طريقة فهمِها وتَحديد معناها السياسيّ والقانوني. فالنّزاع هنا لا يَدور حوَل ما حدَث فقط، وإنّما حول الكيفيّة التي يُفهم بها الحدَثْ والجهة التي تَملك سُلطة تفسيره. عند هذه النقطَة يَبرز موقع القضاء باعتباره أَحَد الفاعلين في هذا المشهد؛ فهل يظلّ حَكَمًا بين الروايات المتنافسَة، أَم يتحوّل في بعض القضايا إلى جزء من السّياق الذي يرجّح إحدى هذه الروايات ويمنحُها مزيدًا من القوّة والشرعيّة؟
فعلى امتداد عُقود، شهِدَت قاعات المَحاكم عشرات القضايا التي تمكَّن فيها الدّفاع من تفكيك الأدلّة المقدَّمة، وكشف التناقُضات في لوائح الاتّهام، وإبراز ثغَرات جوهريّة في الروايات الأمنيّة. كما برَزَت في العديد من الملفّات معطَيات وقَرائن دعمَت روايات المعتقلين والمتّهمين، أو أثارَت تساؤلات جدّية حول دقّة الرواية الرسمية ومصداقيّتها، سواء في قضايا الاعتقال الإداري والملاحَقات السياسية، أو في الملفّات المرتبطة بحرية التّعبير والنشاط السياسي والطلابي، أو حتى في قضايا قتلِ المواطنين العرب الفلسطينيين على يَدِ أفراد من الأجهزة الأمنية.
ولا يَقتصر الأمر على الأَفراد، بل يمتدّ إلى المؤسَّسات أيضًا. فقرارات دمغِ مؤسّسات حقوقية فلسطينية بالإرهاب أو حظرِ جمعيّات تنشَط في العمل الخيري والمجتمع المدني تعكِس المنطقَ ذاته، حيث تتحوّل القراءَة الأمنيّة إلى المرجعيّة الأساسية في تَفسير الوقائع، بينما تَجد الجهات المستهدَفة نفسها مطالَبة بالدفاع عن شرعيّة وجودها وعملها.
تَزداد قوّة هذه الرواية عندما تَنتقل من تقديرٍ أمنيّ إلى قرار رسميّ يحظى بمصادَقة المستويات السياسية العليا، فتكتسب بذلك قوّة إضافية لا تَستمدها من الأدلّة وحدها، بل مِن سلطة المؤسّسات التي تتبناها وتُعيد إنتاجها. ومع مرور الوقت لا يَعود الجدَل يدور حول الوقائع فحسب، بل حول حقّ الأطراف المختلفة في تقديم روايات بديلة أصلًا. وهنا تبرز إحدى الإشكاليات المركزيّة في العلاقة بين السلطة والحقيقة؛ فكلما اتَّسع نُفوذ المؤسّسات المنتجة لرواية معيّنة، ازدادت قُدرتها على ترسيخها في الوَعي العامّ باعتبارها الحقيقة الأكثر شرعيّة، حتى عندما تَبقى محلّ جدَل أو طَعن من جهات حقوقية وقانونية مستقلة.
تَظهر هذه الإشكاليّة بوضوح في عدد من القضايا السياسيّة التي شَغَلت الرأي العام الفلسطيني داخل "الخط الأخضر"، وارتبطَت بملاحَقة قيادات سياسية ودينية واجتماعية بارزة. ففي هذه الملفّات لم يكن النزاع الحقيقيّ حول الوقائع المجرَّدة، بل حول معناها وتفسيرها. فالتّصريح الواحد أو الموقف ذاته يُمكن أن يُقرأ باعتباره تعبيرًا عن رأي سياسي أو موقفًا وطنيًا مشروعًا، كما يُمكن أن يُقدّم على أنّه تحريض أو تهديد وفق القراءَة التي تتبناها الجهات الرسميّة. ورغم ما طُرح من شِهادات وخِبرات وقِراءات بديلة، بقيت المقارَبَة الأمنية في كثير من الأحيان الأكثر تأثيرًا في تَوجيه فَهم الوقائع وتكييفها قانونيًا، بما يعكِس أن الصّراع لم يكن على النّصوص وحدَها، بل على سُلطة تفسيرها وتَحديد دلالاتها.
من هُنا تَبرز أهميّة النّظر إلى القَضاء باعتباره جزءًا من مَنظومة أوسَع، لا مؤسّسة تَعمل في فراغ. فحين تتبنّى المؤسّسات الأمنية والإعلامية والأكاديمية والقضائية إطارًا تفسيريًا متشابهًا للأحداث، تزداد قُدرة الرواية الرسمية على ترسيخ نفسها في المجال العام، وتتحوّل تدريجيًا من تفسير محتَمَل إلى مرجعيّة شبه ثابتة لفهم الواقع.
هنا لا يَعود السؤال متعلقًا بقضية أو شخص بعينه، بل بطبيعة العلاقة بين السلطَة والحقيقة. فمن يملك حقّ تعريف الواقع وتَحديد معانيه؟ وهل يقتصر دَور القضاء على الفصل بين الروايات المتنافسة استنادًا إلى الأدلّة، أَم أنه يصبح جزءًا من عملية ترجيح إحدى هذه الروايات ومنحها مزيدًا من الشرعيّة؟
إنّ هذا السؤال لا يمسّ ملفات سياسية محدَّدة فحسب، بل يَطال جَوهر العَدالة ذاتها. فالعَدالة لا تَقوم على سَماع الأدلّة فقط، وإنّما على منحِ السرديّات المتنافسة فُرصة متكافئة لتقديم تفسيرها للوقائع. وعندما تَفقد إحدى الروايات حقّها في أن تُسمع أو أن تُؤخذ بجدّية، لا يُصبح الخلاف حول الحقيقة وحدها، بل حول العدالة نفسها.
لعلّ هذا ما يَمنح النّقاش حول السرديّات الكبرى للتحرّر والعدالة أهميّته المستمرّة في الحالة الفلسطينية؛ فالصّراع لا يَدور فقط حول الوقائع، بل حول المعنى الذي يُعطى لها، ومَن يملك سلطة روايتها وتفسيرها. لذلك فإن الإنصاف لا يَبدأ من إصدار الأحكام فحسب، بل من الاعتراف بحقّ الروايات المختلفة في أن تُعرض وتُناقش على قَدم المساواة.




