أَسوَأُ مِنَ النُّزوح

أَذكُر ذلك اليوم جيدًا، ولا أتخيّل أنّي سأنساه للحظةٍ في حياتي. كنت عائدًا من السوق في اليوم السابع والسّبعين من حرب الإبادة على غزة، وقد اشتريت القليل من اللحم الذي كان يختفي من الأسواق رويدًا رويدًا بفعل إغلاق المَعابر وإبادة إسرائيلَ المواشي، كانت أَكْلَةُ الفطائر هي التي سنودّع فيها اللحم لأَجَل غير مسمّى، هكذا كانت النيّة لدينا، لكنّها أيضًا أصبحت الأَكْلَة التي نودّع فيها البيت ونحن لا ندري.

في تلك اللحظة، كنت قد وصلتُ للتوّ إلى باب البيت، إذْ بأَحَد الجيران يصرخ ليخبرنا بالتجهّز لإخلاء المنطقة بناءً على إنذار سمعَه من المِذياع. لم يصدِّق أحدٌ ما قاله ذلك الشاب الثلاثيني الذي كان يعاني من أمراضٍ عقلية، والذي فُقد لاحقًا خلال محاولته الحُصول على المساعدات من "مصائد الموت" الأمريكية، لكنّ ما نَقَله كان حقيقة.

كما كلّ غزّي عاشَ لحظَة الإنذار بالإخلاء، لم أُصدّق، أو بالأَحرى لم أُرد التصديق. فالنزوح فعليًا كان بمثابة كابوسٍ يلاحِق الغزيّين طوال حرب الإبادة. كيف لا، وأنت تُجبر على مغادرة بيتك، ويُمهِلك الاحتلال ساعة أو ساعتين، وفي أحسن الأحوال يومًا أو يومين، وخلال هذه الفترة القَصيرة يكثّف من ضرباته على منطقتك حتى لا يَترك أمامك خيارًا إلّا النزوح.

بَدَأَت العائلة بحَزْم أمتعتها والتجهّز للنزوح، وفي الوقت نفسه بدَأنا نبحث عن وجهةٍ تؤوينا. في اليوم نفسه، غادَرَت العائلة البيت بعدما حَمَلت ما استطاعَت على عربة يجرّها حصان إلى بيت قيد الإنشاء في مكان آخرَ بعيد. لكني لَم أرافقهم حينها، وبقيت ليوم آخر أنا وزوجتي وطفلي في البيت، لا أَدري لماذا وكيف؟ ربما هو التعلُّق بالبيت الذي جَعلني أريد البقاء فيه أطولَ وقت ممكن.

ليلةٌ لا أنساها. احتمينا في إحدى زوايا البيت الوسطيّة، وافترشنا الأرض لعلّ الصباح يأتي ويحمل معه تهدئة أو خبرًا يُخرجنا من هذا الكابوس. كانت ليلةً طويلة، فيها من الخَوف ما لا يوصف. فقد ضاعف الاحتلال قصفهُ المنطقةَ، وكان البيت يهتز طوال الليل، والشّظايا تتساقط حولنا. فسياسة الجيش تقوم على الإخلاء المتزامِن مع الأحزمة النارية التي تَهدم البيوت على رؤوس ساكنيها. وما أن جاء الصباح حتى غادرْنا البيت.

قَطَعتُ أنا وعائلتي نحو 4 كيلومترات مشيًا على الأقدام، فلا وسائل نقل في المنطقة المنكوبة، وأيّ وسائل نقل تَكفي آلاف الناس الهاربين من الموت، وقلوبُهم مثقَلة بحسرة البُعد عن البيت وخَوفِ المجهول؟ فالغالبية كانت تسير وهي لا تعرف إلى أين تذهب أو أَين ستأوي: هل تجِد متّسعًا في بيت أحد الأقارب أو الأصدقاء؟ وإن لم تَجِد، هل ستجدُ خيمة تؤويها؟

عُدت إلى بيتي بعد نحو 50 يومًا، وكانت لحظة لا توصَف حين سمِعْنا أن جيش الاحتلال قد انسحب من المنطقة. هَرَعنا لتفقّد البيت أنا وإخوتي، فوجدنا المنطقة وقد طال الدّمار معظم معالِمِها، ورائحة الموت والبارود تملأ المكان، والجثث المتحلّلة على الأرصفة والطّرقات. شعورٌ لا يوصَف وأنت تمرّ من بين كلّ هذا لتصل إلى بيتك، الذي اكتشفتَ بعد النزوح فقط أنّه جنة الله في أرضه. قُمنا بتنظيفه وإزالة ما تهدّم من جدرانه، وعُدنا بعد أيام لنَسكُنه وسَط انعدام مقوّمات الحياة، وأهمّها المياه، لكنّه ظلّ البيت الذي لا تَسوى الحياة شيئًا بدونه.

إنْ كنتَ خارج غزة وتقرأ كلماتي، ستعتقدُ أنّ هذه أصعبَ تجربة. وإنْ كنت في غزة، فأنت تدرِك أنّ ما قرأتَه يكاد لا يُذكر أمام ما عاشَه آخرون. فأكثر من مليون مواطن طُلب منهم مغادرة بيوتهم في الأيام الأولى للحرب، ولم يعودوا إليها إلا بعد نحو عامين، وهناك ما يقارب المليون ما زالوا نازحين، لأنّ إسرائيل ما زالت تسيطر على نحو 53% -58% من مساحة القطاع.

أمّا عن مرّات النزوح وظروفها، فإنّ تجربتي لا تُذكر أمام آلافٍ نزحوا عشرات المرّات، وتنقّلوا من مكان إلى آخر هربًا من الموت، أو آخرين استشهدوا جميعًا أو فَقَدوا بعضهم في أماكن نزحوا إليها معتقدين أنّها آمنة. وتجربتي لا تُقارن أيضًا بأكثر من مليون ونصف مواطن يعيشون في خيام القهر، في ظروف قاسية ربّما نحتاج منصّة كاملة لوصفها، وقد لا نَنجح في ذلك.

استخدَمَت إسرائيل النزوحَ كسلاح ضدّ السكان، فهي تُدرك تمامًا المكانة التي يشكّلها البيت والأرض للإنسان الفلسطيني، فعَمِلت طوال حرب الإبادة على إجبار الناس على تركِ منازلهم، وتعمَّدت حشرَهم في مناطق محدَّدة. وهذا لم يكن صدفةً أو خطّة عشوائية، بل سياسة ممنهجة هدفها الضّغط على المقاومة من جهة، ودَفع الناس إلى الهجرة من جهة أخرى، وهو الهدف الذي ما زالت إسرائيل تسعى لتحقيقه.

حتى نيسان/ أبريل 2025، كنت أظنّ أن النزوح أسوأ تجربة يمكن أن يعيشَها الإنسان، وأسوأ حتى من الفَقد، إلى أن خُضتُ تجربَة الجوع، فاكتشفتُ أنّه أشدّ قسوةً من النزوح ومن الفَقد ومن كلّ ما عشناه في الحرب. لأنّ لا شيء أقسى من أن ترى طفلك جائعًا وتَعجَز عن توفير كسرة خبز له.

اعذروني على الإطالة، لكن وأنا أكتُب الخاتمة، دار نقاش بيني وبين أصدقائي الجالسين حولي في خيمة العمَل: أيّهما أسوأ، النزوح، أَم الجوع، أَم الفقد؟ بالطبع تباينَت الآراء، فكلّ منّا قاسها على ما ذاقَه من معاناة. لكنّ المؤكَّد أنّها كلّها نتائج سياسة إسرائيلية واحدة هدفها اقتلاع الفلسطيني من أرضه.


تصوير: المصوّر عبد الرحمن زقوت.

عبدالله مغاري

 صحافي وكاتب فلسطيني من قطاع غزة، يكتب في الشأن السياسي والإعلامي. يختص في دراسة السردية الفلسطينية وآليات تصديرها عبر الإعلام الرقمي، مع تركيز على توظيف تقنيات تحسين محركات البحث (SEO) في تعزيز حضورها في الفضاء الرقمي.

رأيك يهمنا