خارِجَ الخَريطَة: كَيفَ نَنْزَح ونَحْن في بُيوتِنا!

ليس كلّ نزوح يُرى، ولا كلّ من بقي في مكانه نَجا منه. في فلسطين، لا يبدأ النّزوحُ عندَ لحظَة الرّحيل، بل قبْلها بكثير، حين يتآكَل الإِحساسُ بالأَمان، وتتراجَع القُدرَة على العَيش بكرامة، ويصبح البقاء نفسه عبئًا يوميًا. كإعلامية، لطالما نقلتُ صوَر النزوح كما اعتدناها: حقائب على عَجَل، وجوه منهَكَة، وطُرق مفتوحة على المَجهول. لكن، ماذا عن تلك القصص التي لا تصل إلى الكاميرا أو تبثّ عَبر أثير الراديو؟ ماذا عن أولئك الذين لم يغادِروا، لكنّهم نزحوا بصَمتٍ داخل حياتهم؟ هنا، لا يَعود النزوح حدثًا طارئًا، بل حالة مستمرة، تتجاوَز الجَغرافيا لتطال مَعنى المكان ذاته.

الإعلام بين اللحظة… وما بعدها

في غُرف الأخبار، نُدرّب أنفسنا على التقاط اللحظة: بدايةُ الحدَث، ذروته، ثم الانتقال السريع إلى خبرٍ عاجل يتصدّر النشرات. لكن في سياقٍ مثل فلسطين، لا ينتهي الحدَث أصلًا. تتناول التقارير الإخبارية واقعةً ما، بينما تَفيض تداعياتها خارج النَصّ، وتتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية. وهنا، يصبِح العمل الإعلامي كأنّه يتحرّك بين طَرَفي مقصّ: أحدهما أسلوب التناوُل والعرْض، والآخر حدود الواقع القاسي الذي لا يُقدّم حلولًا ولا يوفّر مأوى. 

السؤال الذي يَفرض نفسه: هل نجحنا فعلًا في توسيع العدَسة؟ هل وضعنا مجهرًا حقيقيًا على التّجربة الإنسانية للنزوح، أم اكتفينا بإعادة إنتاج صورته الأكثر وضوحًا؟

غزة: حين يتحوّل البقاء إلى معركة

في غزة، حيث تتكثّف المأساة إلى حدّها الأقصى، لا يتوقّف النزوح عند حدود الخَيمة أو نقطة اللجوء. يصِفُ لي زميلي الصحافي في قطاع غزة محمد الأسطل عَبر أثير الإذاعة مشهدًا يتجاوَز صورة النزوح التقليديّة، حين يقول إنّ "ازدياد أعداد الآفات والقوارض أدّى إلى أزمة صحيّة عامة خطيرة للنازحين، ترتبط بظهور أمراض جديدة ناجمة عن نقصِ النظافة الشخصية والعامة". هُنا، نحن لا نتحدّث فقط عن فُقدان منزلٍ، بل عن فُقدان شروط الحياة الأساسية.

تنتشر الجرذان والحشرات في كلّ زاوية، سواء في مخيمات النزوح أو في المناطق التي عاد إليها الناجون من الإبادة رغم دَمارها. تَحكي إحدى الأمّهات أنها شَعَرت وكأنّ "مقطورة مليئة بالفئران" أُفرغت في خيمتها، فيما أفاد أحد النازحين بأنّه اصطاد 26 فأرًا خلال أسبوع واحد فقط. ليست هذه تَفاصيل هامشيّة، بل مؤشِّرات على واقع صحّي وإنساني مُنهار. القَوارض، كما يصِفها الناجون من الإبادة، أصبحَت أكثر قوّة ومقاومَة، قادرة على النّجاة من السموم وجرّ الفخاخ. أمّا محاولات المواجهة، فتوصف بأنّها محدودة وخجولة، لا تواكِب حجم الكارثة.

تكشف هذه الصورة، بكلّ قسوتها، بُعدًا آخر للنّزوح: أن تبقى في المكان، لكنك تَفقِد السيطرة عليه. أن تتحوّل الخيمة من ملاذ، ولَو بشكل مؤقَّت، من قصف قوات الاحتلال المتواصل واستهدافها البشرَ والحجر، إلى بيئة طاردة للحياة. أن تصبح تفاصيل يومك؛ النظافة، والنوم، والأمان، معركة بحدّ ذاتها. هذا هو النزوح الصامِت؛ نُزوح لا ترصدُه الكاميرا بسهولة، لكنّه يُعاش في كلّ لحظَة.

المخيّمات: عَودة بلا مَكان

بعيدًا عن غزة، وفي الضفة، تتّخذ هذه الحالة أشكالًا مختلفة. عائلات لم تُجبَر على مغادرة منازلِها، لكنّها فَقَدت مصادر دخلِها، أو تعيش تحت تهديد دائم لاقتحامات الجيش الإسرائيلي، أو اعتداءات المستوطنين، أو على شَكلِ عزلة اقتصادية واجتماعية متزايِدة. هنا، لا توجَد خيام ولا طرًق نزوح واضحة، لكن هناك تآكل مستمّر لشروط الحياة. يُصبح البقاء في المكان أشبه بإقامة قسريّة داخل واقع يتقلّص يومًا بعد يوم.

أمّا في مخيمات الضفة، في مخيم جنين، على سبيل المثال، لا يوثِّق المقطَع المرئي الدّمار فحسب، بل يكشف بوضوح عن أَحَد أوجُه النزوح القسريّ المُركّب. ترسِم شهادات المواطنين العائدين لتفقد منازلهم صورةً قاسية: أحياء كاملة فَقَدت معالِمَها بفعل الهَدم والحَرق، ونساء يقِفنَ أمام الرّكام عاجزات عن التعرّف على بيوتهن. لم تَعُد الجغرافيا مألوفة، ولم يَعُد المكان يحمِل ذاكِرتَه.

لا تنقُل الأصوات التي ترصدُها كاميرات الصحافيين هناك فقط الحُزن، بل تَرصد مسار نزوح قسريّ حتى لمن "عادوا". إجراءات تفتيش مُهينة، انتظار طويل تحت أشعة الشمس، ومحاوَلات يائسة لإلقاء نظرة على ما تبقّى من ممتلَكات تحوّلت إلى أنقاض. في حارَتيّ الحواشين والدمج، يتجلّى الصراع بين إرادة البَقاء وحجم التّدمير الممنهَج الذي طال البنية التحتيّة والبيوت. هنا، لا يكون النزوح مجرّد مغادَرَة، بل تجربة مستمرّة من الاقتلاع، حتى في لحظَة العودة.

رغم هذا كلّه، تبرز في تلك الشهادات نبرة مختلفة؛ نبرة صُمود مشوبة بمَرارة. نساء ورجال يعبّرون عن قهرهِم لفقدان "شقاء العُمر"، لكنّهم في الوقت ذاته يتمسّكون بفكرة أنّ نجاة الأبناء هي النّعمة الأَسمى. هذه المفارَقة، بين الفقد العميق والتشبّث بالحياة، هي جوهر التجربة الفلسطينية مع النزوح، وهي ما لا تستطيع الصورة السّريعة دائمًا التقاطه.

النزوح كَبيئة قَسريّة

قانونيًا، يُعدّ التهجير القسري انتهاكًا جسيمًا وفق اتفاقيات جنيف لعام 1949، التي تجرّم "النّفي أو النّقل غير المشروع" وتُلزم بمحاسبة مرتكبيه. لكنّ المفهوم لا يقتصر على الإكراه المباشر؛ إذ تَعتبر المحاكم الدولية أنّ غياب الخَيار الحقيقي، حتى عَبر خلْق ظروف معيشيّة قاهرة، يجعل النزوح قسريًا. في الحالة الفلسطينية، يتجلّى ذلك حين يصبح البَقاء غير ممكن بفعل الاستهداف المباشِر أو الخوف أو التدهور المَعيشي، فيَدخُل الإنسان في تجربةِ نزوحٍ فعليّة، وإن لم يُغادِر مكانَه. وهذا ما يغيب غالبًا عن التّغطية الإعلامية، التي تَميل إلى التقاط اللحظة الواضحة، وتُغفِل العمليات البطيئة التي تسبقها وتَليها.

ما الذي لا نُغَطّيه؟

لا يزال الإعلام الفلسطيني، رغم قُربه من التجربة، في كثير من الأحيان أسيرَ القالب الإخباري السّريع. ضغطُ اللحظة، والحاجةُ إلى الصورة المؤثّرة، يدفَعان نحو اختزال القِصة. لكنّ النزوح، كما نعيشُه، لا يُختصَر. هو ليس مجرّد انتقال من مكان إلى آخر، بل تحوّل عميق في علاقَة الإنسان بمحيطه، ونفسه، ومستقبله.

لذلك، نحن بحاجَة إلى إعادة التفكير في كيفيّة سَرد هذه القصّة. ليس فقط من خلال تغطيَة لحظة النزوح، بل عبرَ تتبّع ما قبلَها وما بعدَها. عبرَ البحثِ في التفاصيل الصغيرة التي تَعكس التحوّلات الكبرى: كيف تغيّرت أدوار العائلة؟ كيف يُعاد تعريف الأمان؟ كيف يعيش الناس يومهم في ظلّ غياب الحدّ الأدنى من الاستقرار؟

نجاح مسلّم

إعلامية ومدربة ومحاضِرة جامعية في كليّة الإعلام، متخصّصة في مهارات الاتصال والتواصل وفنون الإلقاء وصناعة المحتوى الرقمي. تعمل على تمكين الشباب والإعلاميين وتعزيز حضورهم في المنصّات التقليدية والرقمية، من خلال التدريب العملي والطرح التفاعلي. قدّمت برامج تدريبية لعدد من المؤسسات والجهات الرسمية، ومُحكّمة لعدة مسابقات عربية ودولية. 

رأيك يهمنا