نزوحٌ لا يُرى: كَيفَ نَبْقى في الصَّفِ وَنُغادِرُهُ مِنَ الدّاخِل؟

خلال تجرُبتي في التعليم الإلكتروني لطلبة غزة خلال الإبادة، لم يكُن انقطاع صَوت الطالب أو اختفاء اسمه من قائمة الحضور أمرًا تقنيًا فقط. كان يَعني غالبًا: انقطاعًا في الكهرباء، أو ضعفًا في الإنترنت، أو نزوحًا جديدًا يتكرّر كلّ فترة. وأحيانًا… كان يَعني أكثرَ من ذلك. في بعض الأيام، كان الغياب إشارةً لإصابةٍ، أو استشهاد.

الآن ونحن ننتَقل إلى التعليم الإلكتروني أحياناً، ليس كحلٍّ بديل، بل كتأقلمٍ مؤقتٍ مع حالة طوارئ مستمرةٍ منذ سنوات. "مريم، هل تسمعينني؟"، "خالد، هل يمكنك الإجابة؟"، عبارات أكرّرها يوميًا لكن هذه المرّة، في مدرستي وقريتي، أَرى الاسم ظاهرًا في قائمة الحضور، لا انقطاع في الكهرباء، لا ضعفَ في الإنترنت… لكن لا صَوت.

أصبَحَ النزوح الآن نزوحًا مِن التعلّم. لا يَخرج الطالب من الصفّ، لكنّه ينسحب منه بهدوء. يجلِس أمام الشاشةِ، أو على المَقعد، يحمل كُتبَه، ويؤدي ما يُطلب منه… لكن دون حضور حقيقيّ. كأنّ جزءًا منه غادرَ وبقي الجسد ليكمل المهمّة فقط. كلّ صباح، يُحاول أن يُلملم ما تبقّى داخله، ليُقنع نفسه بأنه قادر على الاستمرار. يكتِم أنفاسَه، كمن يستعدّ للغوص تحت الماء، منتظرًا لحظةَ الخروج… لا ليتعلّم، بل ليتنفّس.

تحدّق "هبة" خارجَ نوافذ الصفّ. يسرقُها المشهد منّي تمامًا، رغم أنّ ما تراه لم يتغيّر: ساحة المدرسة، سورها، وشجرة الصنوبر ذاتها منذ أعوام. أُدرك أنّ بصرها هناك، أمّا بصيرتها ففي مكان لا أستطيع الوصول إليه. لم تكن وحدَها، أعلم أنّهم ينظرون إلينا، يقرأون معنا، ويكتبون خلفنا… لكنّ عوالم أُخرى تدور في رؤوسهم.

ما الذي يَشغَلُهم إلى هذا الحدّ؟ هل هو القَلَق مِن حاضر غير مستقر، أَم من مستقبل لا يبدو واضحًا؟ أَم هي كثافة هذا العالم بإيقاعه المتسارِع، الذي لا يَترُك لهم مساحة ليلتقطوا أنفاسَهم؟ 

خارجَ سور المدرسة، كلُّ شيء يتحرّك بسرعة لا تُحتمل، وداخل الصف يبدو كل شيء أبطأ مما يجب. أتساءَل إن كانت أذهانهم قادرة على التوفيق بين هذين الإيقاعَين، أَم أنهم اختاروا، بصمت، أن يغادروا أَحَدهما.

لا أُدافِع هنا عن سرعة ما يحدُث خارج الصفّ، بل أَميل للبحث عن خلطةٍ سحريّة "للتبطيء"، فأنا لا أتّهم البطء وإنّما أفتّش فيه عن شيء آخر: أن يكون للتعلّم زمنُهُ، لكنّه زمن حيّ، زمن يُشرَك فيه الطالب ولا يوضَعُ في موقع المتفرّج. يتعلّم ببطء لكن كمكتشِف، لا كمُشاهد لمقاطعَ تُعاد وتُبطّأْ، دون أن تَترك فيه أثرًا حقيقيًا.

اعتدنا طويلًا أن يكون الكتاب المدرسيّ والمعلم هما المصدَر لما يحدُث خارج أسوار المدرسة. لكنّ ذلك تغيّر، تصل المعلومة اليومَ إلى طلابي قَبلَ أن أَشرحها، عبر هواتفهم وبضغطة واحدة. يمكنهم أن يسأَلوا، وأن يحصلوا على إجابات فورية، بل وأن يشاهدوا، ويجرّبوا، ويُحاكوا ما كنّا نحتاج وقتًا طويلًا لنصل إليه داخل الصف. حتى المهارات التي كنّا نحرص على تعليمها— في مختبرات العلوم، أو الحاسوب، أو في قواعد اللغة والعَروض— لم تَعُد حكرًا علينا. كلّ شيء هناك؛ خارج الصفّ. ربما لهذا، لم يَعُد السؤال: ماذا نعلّمهم؟ بل: كيف نكون معهم وهم يواجِهون هذا كلّه؟ كيف نساعدهم أن يختاروا، أن يُقيّموا، أن يَفهموا ما يأخُذونه… وما يتركونَه؟ كيف يجدون مكانهم، وسط هذا الفَيض الذي لا ينتهي؟ لأنّ المشكلة لم تَعُد في نقص المعرفة، بل في فَيَضانِها الذي قد يدفعُهم أكثر إلى الابتعاد، بدلاً مِن أن يقرّبهم.

"طلابي الأعزاء، اليوم لن نحلّ الدّرس كالمعتاد، سنُجيب عن سؤال واحد فقط، وبكلمة أو اثنتين". توقَّفتُ قليلًا، ثم سألت: "من هي شخصيّة الكرتون التي تشبهُك؟ أو أيّ لاعب كرة قدم ترى نفسك فيه؟".

بدأَت الإجابات تتوالى، خجولة في البداية، ثم أكثرَ جرأة. ضحكنا، اختلفنا، واتّفقنا. تحدّثوا عن أوجه الشَّبه، وعن أشياء عنهم لم أسمَعها منهم من قَبل. كيف أصبحوا يُشبهون هذه الشخصيات، وكيف يمكن أن يصبحوا أكثر شبهًا بها… أو أقلّ. إن كانت الشخصية حزينةً سألناْ: لماذا؟ وكيف يمكن أن تكون أقل حزنًا؟ لم نكن نحلّ درسًا لكننا كنّا نتعلّم. بطريقة ما، عادوا!  لم أشعُر بالوقت، ولم يَشعروا هم أيضًاْ. كانت أربعون دقيقة من الحضور الحقيقيّ، داخل الصفّ وداخل أنفسهم. ربّما لم تكن تلك عودة كاملة، لكنّها كانت كافية لنقولَ: إنّ النزوح ليس دائمًا دائمًا.

في نهاية الحصّة، لم يكن الدرس هو ما بَقي، بل كانت تلك اللحظة التي شعرتُ فيها أنهم عادوا. ليس تمامًا وليس للأبد، لكن بما يكفي لأتأكّد أن الطريق إليهم لم يُغلَق بَعد. 

ربما لا نستطيع أن نمنَع كلّ أشكال النّزوح، ولا أن نُعيد كلّ الذين غادروا. لكنّنا نستطيعُ في لحظات صغيرةٍ أن نُبطئ هذا العالم قليلًا، أن ننادي أسماءَهم مرّة أُخرى، لا لنتأكّد من حضورهم، بل لنقول لهم: نحن نَراكُم. قد لا يعودون دائمًا، لكن أحيانًا، يعودون لأربعينَ دقيقة.

ندى الأشقر

خرّيجة هندسة كهربائية من جامعة بيرزيت، ومعلمة تكنولوجيا معلومات، ومدرّبة معتمدة في مجال التعليم الإلكتروني ومنصّاته. تعمل في مجال تَقاطُع التكنولوجيا والتربية، نحوَ تجربة تعلُّم أكثر تفاعليّة وإنسانية.

رأيك يهمنا