هَل سَيُنْقِذُ الفَنّ العَالَم؟

أَكتُب هذا النَّص وأنا أتَمنى، للحظة، لو أنّه كُتب في عالمٍ موازٍ، أو في واقعٍ مختلف، أو على خطٍّ زمنيٍّ آخر. أتمنى لو أنّ السؤال عن دور الفن في تشكيل المستقبَل الفلسطيني كان سؤالًا نظريًا، يُناقَش في قاعة جامعة، أو في نَدوة ثقافية، لا في ظلّ الإبادة، والنزوح، وانهيار البيوت والأجساد معًا. في بيئة نمتلك فيها المسافة والخبرة الكافيتين للإجابة بهدوء عن سؤال: كيف يُمكن للفن حقًا أن يغيّر العالم؟ وهل يَستطيع الفن، في مجتمعنا الفلسطيني، أن يُحدث تغييرًا جازمًا يُعيد تَشكيل حياتنا لا رمزيًا فحسب، بل فعليًا؟

في واقعٍ تتآكَل فيه الثقة بإمكانية الحلّ، وتتحوّل الحياة اليومية إلى حالة انتظار ثقيلة، مع ذلك، وربما بسبب ذلك تحديدًا، ما زال يحقّ لنا أن نَطرح السّؤال: ماذا لَو؟ ماذا لو استطعنا تخيّل مستقبَل آخر؟ في الحَقل الفنّي الفلسطيني، لم يتوقّف هذا الفعل عند حدود السّؤال النظري. بل تحوّل إلى ممارَسة. مؤسسات مستقلة، فنانون، وناشطون ثقافيّون، يستخدمون الفنّ كأداة للتدخّل في الواقع، ولابتكار مَسارات بديلة نحو مستقبَل مُختلف. يحاول الفنّ هنا إعادة صياغة علاقتنا بالزمن، وبالمجتمع، وبأنفسنا.

استخدم كثير من الفنانين الفلسطينيين مفاهيم مرتبطَة بإعادة صياغة المستقبَل، كتنبّؤ، وكفعل نقدي. من أبرز هذه التجارب أعمال الفنانة لاريسا صنصور، وعلى سبيل المثال عَمَلُها "هجرة إلى الفَضاء"، نرى فيه تجسيدًا للفنانة كرائدة فَضاء تخطو على سطح القمر وتغرِز علم فلسطين هناك. تتعامَل صنصور مع المستقبَل بوصفه امتدادًا لحاضر تَخلو منه التقييدات تارة، وتارة أخرى مستقبَلًا بَلَغت فيه التقييدات أَوجَها. الفنّ هنا لا يقدّم حلًا، لكنه يوسّع أفق التخيّل، ويكسر الإطار الذي يُراد لنا أن نفكّر داخله.
A Space Exodus, film, 5’, Larissa Sansour, 2009

في تجربتي الفنية الأخيرة "شارع 65"، صِغتُ عملًا فنيًا يتناول موضوع التّهجير الممنهَج لقرى وبلدات في منطقة المثلّث، ليسَ من زاوية التّوثيق وحدها، بل عَبر بناء رؤية مستقبليَّة تخيّلية. في العمل، تَظهر الروبوتات ككيانات تَحمي البيوت في لحظة التهجير القسري، تؤجّل سُقوطها، وتُبقيها قائمة إلى حين عودة أصحابها. هنا، أتعامَل مع المستقبَل كمساحة اختبار: كيف يُمكن للفنّ البصَري أن يقترح سيناريوهات بديلة لما عاشَه شعبنا في الماضي، وكيف نُعيد التفكير في مَفاهيم الحماية، والبقاء، والحقّ في المكان؟

الفَن هنا لا يغيّر الواقع دَفعة واحدة، لكنّه يمنع الواقع من أن يكون قدرًا مغلقًا. تتناوَل العديد من الأعمال الفنية الفلسطينية موضوعات المستقبَل والتّغيير والتأثير، وأنصحُكم بالبحث والتعمّق بها. لكن حاليًا، نظرًا للظروف التي نعيشها، أَرغَب في الحديث عن المبادرات التي استخدَمَت الفنّ كأداة للتّغيير المجتمعي.

تعرّفتُ على جزء من هذه المبادَرات من خلال عملي في جمعية "شاحنة برتقال"، وهي تجربة قادَتني إلى زملاء وزميلات في مناطق مختلفة في فلسطين التاريخية، وإلى مبادَرات تتقاطَع في هدفها رغم اختلاف أدَواتها. معًا، نَجَحنا في خلق فُرص تُعيد التفكير في دور الفنّ وإمكانيّته إعادةَ تشكيل الفَهم الجَماعيّ للانتماء والواقع البَعيد.

انطلَقَت شاحنة برتقال عام 2021 كردّ فعلٍ طارئ على العدوان على غزة، في لَحظة بدا فيها العجز سيّد المشهَد، وتحوّل التضامن إلى حاجة ملحّة لا تحتمل التأجيل. خلال وقتٍ قصير، نجحَت المبادرة في تجنيد أكثر من ثمانين فنانًا وفنانة فلسطينيين، من الداخل والشّتات، للمشاركَة في حملة مبيعات فنية خُصّص ريعُها بالكامل لاقتناء معدّات وأجهزة طبيّة للمستشفيات في غزة. لم يكُن الفن هُنا فعلَ تعاطف رمزي وفكري، بل ممارسة مادّية مباشِرة، تُحوِّل العمل الفني إلى وسيلة إنقاذ.

مع مرور السنوات، لم تبقَ "شاحنة برتقال" حَبيسة اللحظة الطارئة، بل تطوّرت إلى مساحَة تفكير وعمل طويل الأَمَد. وانطلاقًا من أحد أهدافها المركزية المتمثّلة في تفكيك الحُدود الجغرافية التي فرَضَها الاحتلال، جاءت شراكَتها مع "مرسم 301" عَبر بيع مطبوعات من إنتاج فناني المرسَم، خُصّص ريعُها لإطلاق مشروع «مضافة» في مرسم. خَلَق هذا المشروع تجربة تَجاور حيّة جمعت فنانين شبابًا من الضفة الغربية ومن الدّاخل، من مدُن وسِياقات مختلفة، وعاشوا بها تَجربة فريدَة من تبادل الخبرات. هنا، تحوّل الفن إلى أَداة ثورية لتَوحيد مجتمع جَرى تفكيكه قسرًا، ولمساءَلة السرديّة التي حاولت إقناع الفلسطيني بأنّ ابن شعبه غريبٌ عنه، وبأنّ نضاله منفصل عن نضال الآخرين. في «مضافة»، لم تكُن الشَّراكة فنية فقط، بل كانت فِعل مقاومة يوميًا لمحاولات طَمس هوية فلسطينية واحدة، وممارسةً ملموسةً لإعادة تخيّل الجماعة بوصفها جَسدًا واحدًا، رغم كلّ محاولات التّقطيع.

في غَزة، حَيث يَبدو الأُفق أكثر انسدادًا، يَظهر الفنّ لا كخيار ثقافي، بل كضرورة بَقاء، وكوَسيلة لإعادة الإنسان إلى ذاته. تُمثّل مبادرة «مأوى الفنانين»، التي أطلقها غاليري غزة للفنون، محاولة جادّة لخلق مساحة آمنة وداعمة للفنانين في قطاع غزة، في وقت باتَ فيه المَكان نفسه مهدَّدًا. لا يقتصر دَور المبادرة على توفير الإقامة أو مَساحات الإنتاج الفني، بل يمتد ليشمَل بناء بيئة حاضنة لتبادل المَعرفة والخبرات، وإعادة ترميم العَلاقة بين الفنان ومحيطه عبر برامج إقامَة، وورش عمل، وتعاونات مع مؤسّسات ثقافية ومجتمعية محلية ودولية. لا يُقاس أَثَر "مأوى الفنانين" فقط على مستوى الفنّان الفَرد، بل على المجتمَع ككلّ، إذ تساهِم في تعزيز الاستقرار الإبداعي، وتؤكّد على دَور الفن كأداة للتغيير الاجتماعي في واقع يُعاني من الإنهاك، وتُسهم في بناء مَشهد ثقافي فلسطيني مستقلّ ومستَدام، رغم كلّ ما فُرض عليه من انقطاع وخسارة.

على الصَّعيد الفَرديّ في غزة، محمد الحاج فنان يَعيش ظروفًا قاسية فرضتها الحروب والحصار، حيث فَقَد منزله ومرسَمه وأصدقاءَه خلال الحرب، وخاضَ تجربة نزوح استمرّت عامين بين مخيمات غزة وخيامها، معرّضًا حياته لأقصى درجات الهَشاشة وعدم الاستقرار. رغم ذلك، أنتَج الحاج خلال هذه الفترة أكثر من 150 عملًا فنيًا باستخدام المَواد المُتاحة، محولًا تجاربه اليومية وواقع النزوح إلى أعمال تَعكس معاناة الفلسطينيين، مِثل سلسِلة «يوميات نازح فلسطيني». لا يكتفي الفنان الحاج في عَمَله بتوثيق الواقِع بل يَستكشف العلاقة بين الإنسان والمَكان، ويحوّل الجسَد المهاجِر والهشّ إلى حامِل للذّكريات والمُعاناة، مستخدمًا اللون والأَشكال التعبيريّة لإعادة بناء الهوية الفلسطينية ضمن ظروف قاهِرة.

لم تَبقَ أَعمال الحاج مَحصورة في غزة، بل انتقلَت إلى عواصم عالميّة، لتطرَح الرواية الفلسطينية خارج الإطار الاستعماري، وتُعيد تَعريف الإنسان الفلسطيني بوصفِه شخصية حيّة وليس مجرّد رقم أو ضحية. من خِلال مشاركَته في بينالي غزة الدولي، وإنتاج مَشاريع مثل «دائرة الحَياة» و«خَريطة الإخلاء»، استطاع الحاج، كالعديد من الفنانين الغزّيين، أن يستخدم الفنّ كأَداة لتغيير الوعي العالمي، ومحوّلًا الفن إلى أَداة تُعيد تَشكيل فَهْم قضية ظنّها العالَم معقَّدة.

مبادرةُ «سينما المخيم» أطلَقَها نشطاء في غزة، من بينهم الفنان ضرغام قريقع، لتَعويض الأطفال واليافعين والكبار عن فُقدان لحظات الحياة اليوميّة خلال حرب الإبادة. استخدَمَ الفَريق أَدوات عَرض بسيطة مثل جهاز عَرض وقِماش أبيَض لإعادة طُقوس السينما: التّذاكر، الفشار، الجُلوس معًا أَمام الشاشة، ومَنْح الجمهور لحظات فرح وإنسانية وسَط الخَراب. نجَح المشروع في خَلق مساحة تَحمي الناس نفسيًا وتُعيد لهم إحساسَ الروتين والحياة الطبيعية ولو لساعات أو لحظات، مؤكدًا قُدرة الفن على العَطاء والتغيير حتى في أقسى الظروف.

استُشهد ضرغام قريقع بقصف الاحتلال، كما استُشهد كثير من الفنانين الذين استخدَموا الفن للتعبير والتوثيق والتغيير. اليوم، يتسلّل الغضب إلى عَلاقتي بالفن، لا لأنّه فَشل، بل لأنّ تغييره بطيء، ولأنّ فن ضرغام ونشاطه الاجتماعي وطيبة قلبه لم ينقذه من القَمع والطغيان! ضرغام تَرَك أثرًا، وذاكرة في كلّ من عرفَه أو شهِد إنجازه. فنّ ضرغام ونشاطُه، حتى في أقسى الظروف، يصرّ على أن يكون فِعل حياة واستمرارية.

الفنّ لا يُنقذنا دائمًا، ولا يَعِد بالخَلاص الكامل، لكنّه يَفعل شيئًا آخر لا يقلّ أهمية: يَحمي اللحظات والتّجارب، وأحيانًا أخرى يخلِق مسافة بيننا وبين الألم، فيجعلنا ننسى مصائبنا ولو ثانيةً واحدة، وأحيانًا يُعيدنا إليها، يذكّرنا بها ويوثّقها، كي لا تَضيع، وكي نَعرف في المستقبَل مَن نكون.

يارا قاسم محاجنة

فنانة فلسطينية متعدّدة التخصّصات، وعضو مؤسِّس في «شاحِنة برتقال». تستكشف أعمالُها مفهومَ الصّدمة، مع تركيز على الصّدمة السياسية وعلاقتها بـ "مقاومة الحيوانات" في فلسطين.

حصلت يارا على درجة البكالوريوس ودرجة الماجستير بمرتبة الشرف من جامعة حيفا.

عملت في مجموعة غاليريهات مهمّة، وشاركت في مَعارض وإقامات فنية فردية وجماعية في فلسطين وحول العالَم، وفازَت بجوائز عدّة.

رأيك يهمنا