قطعة قماش

لا نَعلم ما الذي يجعلُ أيّ شخصٍ في العالَم، وهذا حريٌّ به إن كان عربيًا، أن يحمل قطعةَ القماش هذه في مناسبةٍ كبرى، لا قطعة القماش التي تمثّل بلاده. كما أننا لا نعلم أصلًا إن كان حاملُها على درايةٍ بتفاصيل حياة الفلسطيني؛ فكيف يمكن شرحُ ساعات الانتظار على حاجزٍ في الضفة؟ أو معاناة مسنٍ في الناصرة لم تُسعفه لغته العبرية في حديثه إلى شرطيٍ أوقفَه في الطريق؟ أو انتظارك ساعاتٍ في طابورٍ في غزة لتحصل على ماء سرعان ما تكتشف أنه مالح!
لا نعتقد أنّ هذه التفاصيل هي التي تدفع إنسانًا لم يعِشها إلى رفع قطعة القماش هذه، لكنّها سيكولوجيا المقهور، فهناك رموز تتجاوَز أصحابها، وتُغادر حدود المكان الذي وُلدت فيه، لتصبح تعبيرًا عن معنى أكبر، وهذه القطعة، بألوانها الخضراء والحمراء والبيضاء والسوداء، تحوّلت إلى رمزٍ للقهر، ورمزٍ للإنسان الذي يَشعر أن صوته لا يصل، والمظلوم الذي يبحث عن إشارة تقول إن معاناته لم تُمحَ من ذاكرة العالَم... فهل أصبحت هذه القطعة إشارةً عالميةً لتجسيد الظلم والقهر والمعاناة؟
الجواب نعم، ولهذا، فإن من يرفعها قد لا يَعرف كلّ التفاصيل، وقد لا يكون عاش لحظةً واحدة من اللحظات التي يعيشها الفلسطيني يوميًا، لكنّه يرى فيها معنى القهر الذي يمكن أن يفهمه كل إنسان، فالقهر، وإن اختلفت أشكاله، يحمل لغةً واحدة!
وبالتالي، إن رفَعتَها لتقول إن الفلسطينيين يقبعون تحت القهر، فشكرًا لك... وإن رفعتها لتقول إنها أصبحت رمزًا للقهر في كلّ مكان، فتحياتنا لك.... وإن رفعتها كي تستدعي استعطاف أحرار العالم، فهنيئًا لك... وإن رفعتها كي تدخل التاريخ، فمبروكٌ عليك...
أمّا أنت يا حسام، يا من كنتَ حسنَ القول والفعل، فلا يهمّ لماذا رفعتَها، ولا يهمّ أيّ رسالة أردت إيصالها، لكن المهم أن قطعة القماش هذه، في قلب المونديال، في مناسبةٍ يُشاهدها العالم كلّه، سبّبت صداعًا للعمّ سام، وغثيانًا لأصدقائه.
![]() |
|---|
من صفحة حسام حسن - مدرب منتخب مصر الوطني لكرة القدم في منصة فيسبوك





