"صُمودُ" فِلِسطين.. وخَيبَةِ "العالَم"

"كأنّنا عشرون مستَحيل
في الّلد، والرّملة، والجليل
هُنا.. على صُدوركم
باقون كالجِدار
وفي حُلوقِكُم
كقطعة الزّجاج، كالصّبار
وفي عُيونكم
زوبَعة من نار…"
"هنا باقون"، للشاعر الفلسطيني توفيق زياد
يُطلب من الضحيّة الواقعة تحت وطأة الاحتلال والحصار أن تَلتزم "الصمت"، وأعلى معايير السلميّة وضبط النّفس، في الوقت الذي تُعفى فيه قوّة الاحتلال والاستيطان من أيّ مساءَلة أو محاسَبة قانونية وأخلاقية. على الفلسطيني أَن يقابِل موتَهُ بالسّكون التّام، حيث أنّه سيحاسَب على الكلمة.
تَعكس هذه السّياسة عملية "تجريدٍ من الإنسانية" (Dehumanization) تُمارَس بحقّ المواطن العربي والفلسطيني، وكأنّ دمه أقلّ قيمة، أو كأنّه كائِن اعتاد على الحرب والموت فلا يستدعي الأمر الحزنَ أو التحرّك الدولي لإنقاذه.
يواجِهُ الشعب الفلسطيني منذ أكثرَ من سبعة عقود، واحدة من أعقَدِ الأزمات الإنسانية والسياسية في التاريخ الحديث. في قلبِ هذه المواجَهة، تَبرز ثنائيّة صارخة تجمَع بين صمود الفلسطينيين "الأسطوري" على أرضهم، و"مَرجعيّة مشوَّهَة" يتبنّاها المجتمع الدولي الرّسمي في تقييمه هذا الشعب وتصنيفه له وإصدار أَحكامَه بحقّه.
أولًا: البَقاء على الأرض صُمود
يتجاوَز هذا الارتباط الوجوديّ بالتراب، في عُمقِه، كلّ الحسابات الماديّة للرّبح والخَسارة. إرثٌ كَبير وعَريق توارثته الأجيال يتضمّن احتِمال الواقع كقوّة ستغادِر بخفيّ حنين ولَو بعدَ حين. وما بَين قوّة هذا الصُّمود وعَيش الحياة اليوميّة بكلّ ثِقَلها وصعوبَتها ومَرارها، وقوّة تنفيذ الاستبدال القهريّ الذي تُسرَق به المناطق الفلسطينية، تَخور قُوى المواطن، وتفتك به كلّ أشكال اليأس.
بالرّغم من ترسانة الأسلحة المتطوّرة والحصار الخانق، يُثبت المواطن الفلسطيني يوميًا، وإن تَذَبذَب بين الأمل واليأس، أنّ مجرَّد بقائه على قيد الحياة فوق أرضه هو خطّ الدفاع الأول والأقوى لإبقاء قضيّته حيّة ونابضة، وبالتالي إفشال هدف الاستعمار الاستيطاني الأساسي، المتمثّل بمَحو الهويّة، وإجبار أصحاب الأرض على الرّحيل.
لا يُمكن فَهمُ القضية الفلسطينية دون الاستدلال بمصطلح "الصّمود" على الشعب المتمسّك بجذوره وتراث أجداده، والذي لم يتوقّف نزفُ دمائه وتضحياته في سبيل وقفِ شَبَح هذا الاستعمار وإيقاف رغبته الاستيطانية المستبدّة.
لم يَعُد الصمود مجرّد شِعار سياسي، بل تحوّل إلى فلسفة بقاء ونمطَ حياة يومياً يمارسه الصغير والكبير. يعني الصمود الفلسطيني أنّ الذهاب إلى العمَل عبر الحواجز العسكرية هو تحدٍ للاحتلال الذي يتعمّد الإغلاقات والأزمات، وأنّ لعب الأطفال أمام آليات الاحتلال وجنوده قوّة خفيةّ ستجعل الطفل يكبُر بلا خوف، وأن إعادة بناء منزل هدَمَته الجرّافات هو تمسّك بالجذور، وأن تَعمير الأرض بعد تخريبها رسالة أَمل للمستقبل.
ثانيًا: غياب الدّعم العربي وتوحُّش المستعمِر
أدّى غياب الشّوارع والميادين العامة الحرّة في العالَم العربي-مقارنة بالدول الغربية- إلى إضعاف الضغط الشعبي اللازم لكبحِ التوحّش الاستعماري ضدّ الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه، ساهَم في إحكام قبضة الحكومات العربيّة الأَمنية في تعامُلها مع شعوبها؛ فعندما يَغيب "الشارع" بمفهومه السياسي والاجتماعي كفَضاء آمن ومستقلّ للتعبير، تنكشف القضية الفلسطينية أمام عدوان الاحتلال، وتتراجَع حقوق المواطن العربي في وطنه.
ثالثًا: سُقوط الأقنعة وفخّ المقارَنات الأخلاقية
لقد كشفَت الأَحداث الأخيرة، لا سيما في غزة والقدس، زَيفَ الإمبراطورية الأخلاقية التي طالما تبجَّح بها الغرب. وظهرَت سياسة الكَيل بمكيالين بشكل فاضح عند مقارنة التّعاطف الدولي مع أزمات أخرى حول العالَم، مِثل الحرب في أوكرانيا، بالمَوقف من فلسطين. في الحالة الأولى، احتفل العالَم الغربي بالمقاومة الشعبيّة واعتبرها رمزًا للدّفاع عن الحرية والديمقراطية، ودعمَها بالمال والسّلاح والتّسهيلات القانونية. أمّا في الحالة الفلسطينية، فإنّ المقاومة تُجرَّم، ويُنظر إلى الضحايا في وسائل الإعلام الغربية باعتبارهم "أرقامًا مجرَّدة" أو مجرّد "أضرار جانبية" لصراع يبدأ دائمًا - بحسب روايتهم — من رد ّالفعل الفلسطيني، وليس من أصل وجود الاحتلال.
في المقابِل، يقفُ النظام الدولي الرّسمي، ممثَّلًا بالدول الكبرى والمؤسّسات التي تدور في فَلَكها، ليمارِس دور "القاضي غير العادل". تَعتمد هذه "المرجعيّة الدولية" على صياغة مفاهيم مجتزأة ومفصَّلة لخِدمة موازين القوى السياسية؛ فحين يدافِع الفلسطينيون عن أنفسهم، وعن بيوتهم من المصادرة، يسارعُ العالم الرسمي إلى وضعهم في قَفَص الاتهام، مستخدمًا لغة إدانة جاهزة ومعلَّبة تَصف أفعالهم بـ "العنف" أو "الإرهاب".
تتجاهَل هذه الأحكام الظّالمة عمدًا العُقود الطّويلة من الظلم والقَهر والحصار المنظم. إنّ المنظومة الدولية تَقلبُ الحقائق؛ فتجعل من فِعل الاحتلال والاستيطان المستمرّ "حقًا مشروعًا في الدّفاع عن النفس"، بينما تجعل من حقّ الشعوب الخاضعة للاحتلال في المقاومة - وهو حقّ تكفله المواثيق الدولية نفسها - جريمة تستحقّ العقاب والخَنق الاقتصادي والسياسي.
رابعًا: ثورة الوَعي الغربيّ الشّاب
تعيشُ أجيال الشباب في الجامعات المَرموقة بأمريكا وأوروبا اليومَ انتفاضةَ وَعي غير مسبوقة. فلم يَعُد هؤلاء الشباب يثقون بالأحكام المعلَّبة التي تُصدرها حكوماتهم، بل باتوا يرَون في فلسطين امتدادًا لقضايا العدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، ومناهَضة الاستعمار حول العالَم. إنّ الشارع العالمي والحركات الطلابيّة يصيغون اليوم مرجعيّة أخلاقية وإنسانيّة جديدة وعادلة؛ مرجعيّة تُحاكم الجاني الحقيقي وتتضامَن مع الضحيّة على نحو فعّال ومؤثّر، يترجمونه على الأرض عَبر حَركات المقاطَعة والاحتجاجات العارمة.
ختامًا: الفلسطينيّ ليس إرهابيًّا
على الرغم من كلّ الصّعوبات والتّعقيدات التي يواجهها الفلسطيني بمجرّد حَملِه جوازَ سَفَره (خاصة إن كان مسقط رأسه غزة)، فإنّه أثبَت للعالَم زَيف هذه الوَصمَة. ولم يأتِ هذا الإثبات لأنّه انتصرَ أو شارف على ذلك فحسب، بل لأنّ إجرام الاحتلال المتعمَّد، ورُدود الفِعل الدوليّة المتواطئة، كَشَفَت للجميع مَن هو الإرهابيّ الحقيقيّ.
في نهاية المَطاف، وبعد حرب دامت ثلاثة أعوام ولا تزال تَحصد الأرواح، تجاوَز الفلسطيني مرحلة انتظار "شَهادَة حُسن سَير وسلوك" أو صكّ براءة من مجتمع دوليّ منافق وعاجِز. فبعد عقود من التّهجير، والنّزوح، وحرب الإبادة الجَماعية، صاغَ الفلسطيني روايته بالّدم، وتحت وطأة البارود والصّواريخ، ومن خَلفِ زنازين السجون المُعتمة.
إنّ "المَسطرة الأخلاقية الأَعلى" في هذا العصر هي المَوقف من القضيّة الفلسطينية. بهذه المسطرة، تُحاكِم الشّعوب اليوم أنظمتها السياسية -لا سيما في الدول الغربية- وتكشف زَيف ادّعاءاتها حول الديمقراطية وحقوق الإنسان.
إنّ الدماء والتّضحيات التي تُقدم على أرض فلسطين باتَت هي التي تُصدر الحُكم التّاريخي النّهائي على ضَمير العالم وتفضَح عورته الأخلاقية؛ مبرهِنة على أنّ حق الشعوب التاريخي لا يموت، وأن زَيف القرارات الدوليّة يَسقط دائمًا أمام حقيقة الصّمود الثابت على الأرض.




