فِلِسطين في الوَعي العَربي: هَل تغيّرت الصّورَة، أَم تَغيّرت القَنَوات؟

ادعاءٌ جذاب لكنّه فَضفاض، كثيرًا ما يتكرّر في الخِطاب الإعلامي العربي: أن "الوعي العربي الجَمعي" تجاه فلسطين قد "تغيّر". يتكرّر هذا الادعاء بقوة خاصة في محطّات كبرى، كما حَدَث حين ارتفعت الأعلام الفلسطينية في مدرّجات مونديال 2026. لكنّ هذا الادعاء، رغم جاذبيّته العاطفية، يفترض مسبقًا وجود كتلة واحدة متجانسة اسمها "الرأي العام العربي"، ويَقفز إلى استنتاج تحوّل جوهري في الوجدان الجَمعي دون أن يُسند ذلك إلى بيانات فعليّة أو مقارَنة تاريخية دقيقة.
السؤال الأدقّ الذي ينبغي طرحُه، ليس "هل تغيّرت الصورة؟" بل: ما الذي تغيّر فعلًا؛ المَوقف نفسه، أم الوسيلة التي يُعبَّر بها عنه؟ للإجابة عن هذا السؤال، سأتتبع في هذا المقال ثلاثة مسارات متكاملة: استقرار التّعاطف عبر استطلاعات الرأي التاريخية، تفكُّك "الكتلة العربية" إلى تنوّعات إقليمية وجيليّة حقيقية، ثم التحوّل البنيوي في أدوات إنتاج الخطاب مِن الاحتكار المؤسّسي إلى تعدّد المنصات.
تَعاطُف ثابت، لا صورة متقلّبة
إذا عُدنا إلى ما تكشفه استطلاعات الرأي العربي على مدى العُقود الماضية، مِثل مؤشّر الباروميتر العربي الذي يغطّي عشرات الدول منذ سنوات، نَجِد أن التّعاطف مع القضية الفلسطينية كان مرتفعًا بشكل شبه ثابت في معظم المجتمَعات العربية، حتى في فترات لم تكُن فيها القضية على رأس الاهتمام الإعلامي اليومي. بمعنى آخر، ما نشهدُه اليوم من تضامن واسع في الملاعب والمنصّات الرقمية ليس "ولادة" لموقف جديد، بل تكثيفًا وتعبيرًا أعلى صوتًا عن موقف كان قائمًا أصلًا، لكنّه لم يكن دائمًا يجد له منفذًا إعلاميًا بالحجم نفسه أو الحرية نفسها.
هذا هو الفارق بين "تغيّر الموقِف" و"تحرّر التعبير عن الموقِف" جوهري، ويَقود الخَلط بينهما إلى تضخيم دور اللحظة الرّاهنة (مونديال، مَقطع فيديو، صورة) وكأنها صَنعت وعيًا من العدَم، بينما الأدقّ أنها أتاحَت قناة لتعبير كان مكبوتًا أو مقيدًا ببنية إعلامية رسمية أكثر حذرًا وتحفظًا.
التنوّع خلْف كلمة "العرب"
مشكلة أخرى تستحقّ التوقّف: الحديث عن "الوعي العربي الجَمعي" وكأنّه كتلة صماء متماثلة الملامح من المحيط إلى الخليج. يُظهر الواقع الميداني، كما تعكسه استطلاعات إقليمية مقارنة، تفاوتات ملموسة في درجة الانخراط وشكل التّعبير: ففي بعض دول المَشرق، حيث الجوار الجغرافي واللجوء الفلسطيني حاضران في النسيج الاجتماعي اليومي، يأخذ التضامن طابعًا وجدانيًا مباشرًا يكاد يكون شخصيًا. وفي المغرب العربي، حيث المسافة الجغرافية أَبعَد، يميل التعبير أحيانًا إلى الطابع الرمزي والثقافي أكثر منه إلى السياسي المباشر. أما في الخليج، فتتقاطع مشاعر التضامن الشعبي الواسع مع حسابات سياسية رسمية أكثر تعقيدًا، ما يُنتج أحيانًا فجوة بين الخطاب الشعبي في المنصّات الرقمية والخطاب الرسميّ الحذِر. لا يُلغي هذا التفاوت وُجود قاسم عاطفي مشترك وحقيقي، لكنّه يفنّد فكرة "الكتلة الواحدة" التي يَستسهل الخطاب الإعلامي افتراضها.
كذلك يستحقّ البُعد الجيلي وقفة: تَختلف الأجيال الشابة التي نشأت على منصات التواصل في أدواتها التعبيرية عن أجيال سبقتها اعتمدَت على النّشرة الرسمية والصحيفة الورقيّة. هذا لا يعني أن الشباب "أكثر وعيًا" أو "أكثر تعاطفًا" بالضرورة من آبائهم، بل أن أدواتهم في ترجمة الموقف نفسه إلى فعل مرئي (منشور، هاشتاغ، بثّ مباشر) مختلفة جذريًا، وهو فارق في الوسيلة، لا بالضرورة في جوهَر الموقف.
من احتكار الدولة إلى تعدّد المنصات
ليس التحوّل الحقيقي القابل للرصد في "الوعي" بل في البنية التي يُنتَج بها الخطاب حول فلسطين. لعقود، كانت الرواية الإعلامية العربية عن فلسطين تمّر عبر قناة شبه واحدة: التلفزيون الرسمي، الصحافة المرخَّصة، الخطاب الدبلوماسي الحذِر الذي يوازن بين التضامن الشعبي والحسابات السياسية مع واشنطن وتل أبيب. اعتادت هذه البنية فرض نوع من "التّسطيح المُدار" للقضية، يُترجَم على شكل حضور دائم لكنّه محسوب ومقنَّن.
ما تغيّر مع انتشار الهواتف الذكيّة ومنصات التواصل هو انهيار هذا الاحتكار. أصبح بإمكان أيّ شخص في غزة أو الضفة، أو الدّاخل أو الشّتات أن يَنقل صورته الخاصة مباشرة، دون وسيط مؤسّسي. هذا لا يعني بالضرورة أن "الوعي" تغيّر جوهريًا، بل أن مساحة التّعبير عنه اتّسعت، وأصبح الفَرد العادي، لا المذيع أو المحلّل الرسمي، صانعًا للسّردية.
الحذَر من السببية المتسرّعة
من المُغري، خاصةً في لحظات مشحونة عاطفيًا كمونديال يشهد تضامنًا لافتًا، الرّبط المباشر بين "قوّة الصورة" و"تغيير الوعي الجمعي" أو حتى "فشَل الرواية المضادة". هذه علاقة سببية تحتاج حذرًا شديدًا. ما تُثبته الدراسات في علم النفس الإعلامي بشكل أوضح هو أن الصور المؤثرّة تزيد من حدّة التعاطف الآني لدى من يشاهدها، لا أنّها بالضرورة تُحدِث تحوّلًا بنيويًا ودائمًا في مواقف ملايين البشَر عبر دوَل مختلفة الظروف السياسية والاجتماعية. القفز من "التّعاطف الّلحظي" إلى "الانتصار السّردي الشامل" هو استنتاج يتجاوَز ما تَسمح به الأدلّة المُتاحة.
عُمق تاريخي غائب
أيّ تحليل جادّ لصورة فلسطين في الوعي العربي لا يمكن أن يبدأ من مونديال 2026 وكأنّه نقطة الصفر. الصورة مرّت بتحوّلات فعلية عبر عقود: الزخم الكبير إبان الانتفاضة الأولى أواخر الثمانينيات، التّراجع النسبي للقضية عن صدارة الاهتمام العربي عقب اتفاقيات أوسلو في التسعينيات، ثم انشغال الرأي العام العربي بقضايا داخلية ملحّة إبان موجة الربيع العربي بعد 2011 (سوريا، ليبيا، اليمن)، وصولًا إلى عودة القضية بقوة استثنائية بعد أحداث أكتوبر 2023. يوضِح هذا المسار المتعرّج أن العلاقة بين الأحداث والاهتمام الإعلامي متغيّرة ومركّبة، لا خطّية أو تصاعديّة بسيطة كما تُصوَّر أحيانًا.
وعليه، الأصدق منهجيًا، ليس القول إن "صورة فلسطين تغيّرت" في وعي جَمعي متخيَّل وموحّد، بل الإقرار بأن ما تغيّر هو البنية التقنية والإعلامية التي تُروى من خلالها القضيّة: من احتكار مؤسسي محدود القنوات، إلى تعدّد لا مركزي يُتيح لكلّ فرد أن يصبح راويًا.
هذا التحوّل البنيوي مُهم وحقيقي وقابل للرصد، لكنه أمرٌ مختلف تمامًا عن الزعم بحدوث "تحوّل جوهري في الوعي"، وهو ادعاء يتطلّب بيانات تجريبية ومقارَنات زمنية دقيقة، لا مجرّد انطباع تولّده لحظة عاطفية عابرة أَمام شاشة مونديال.




