فلسطين في "تَغريبَتها" العربيّة المؤقَّتَة

في العام 2004؛ أي قَبل نحو عقدين من الزّمن، عُرض مسلسل "التّغريبة الفلسطينية" ليكون واحدًا من أهم المسلسلات العربية، وقد تحدّث عن شعب اقتُلع من أرضه، وظلّ يحمل وطنه في ذاكرته أكثر مما يحمله على خريطته.

نجح المسلسل في تعزيز صورة تَهجير الشعب الفلسطيني في ذاكرة الشباب العربي لسنوات، إلى أن كسرت السنوات التي تَلَت الربيع العربي تلك الذاكرة، فتحوَّل ما كان يُنظر إليه بوصفه "تغريبة فلسطينية" -في إشارة إلى التهجير والنكبة- إلى "تغريبة عربية" جعلت من فلسطين شيئًا آخر في الوعي العربي.

شكّلت فلسطين منذ النكبة عام 1948 القضية الأكثر وجودًا في الوعي العربي من المحيط إلى الخليج، ومثّلت رمزًا عربيًا وإسلاميًا يجمع الشعوب ويتصدّر وجدانها بعيدًا عن سياسات الحكومات الرسمية، وتقدَّمت قضيّتها على أي أزمات داخلية، حتى أصبحت جزءًا من هوية الأجيال العربية، وصولًا إلى الربيع العربي.

مع اشتعال ثورات الربيع العربي عام 2011، بدءًا من تونس، ومرورًا بمصر وسوريا وليبيا واليمن والسودان وغيرها، عاشت المنطقة العربية مرحلة تحوّل سياسي واقتصادي، وشهدت تغييرًا جذريًا في الوعي، حتى أصبحت الأولويات، وكذلك الحاجات، مختلفة. فمع انشغال الشعوب العربية بصراعاتها الداخلية لم تَعد فلسطين تتفرّد بصدارة المشهد كما كان الحال في السنوات الماضية، بل إنّها لم تعد حتى في المرتبة الثانية، لأن الشعوب غرقت بفعل الظروف، أو بفعل فاعل، في مشاكلها الداخلية وحروبها، ولم تَعد توجه طاقتها نحو أي قضايا أخرى...

ومن هنا يتشكّل سؤال مهم: كيف أعاد الربيع العربي تشكيل علاقة العرب بفلسطين؟ وهل تخلّى الوعي العربي عنها، أَم أن طريقة حضورها هي التي تغيّرت؟

القول إن فلسطين تراجعت في الوعي العربي قد يكون تبسيطًا لا يعكس الواقع، فمكانة فلسطين لم تتغيّر، إنما تغيّرت ظروف الشعوب لا سيما في الدول التي كانت القضية الفلسطينية حاضرة فيها دائمًا مثل سوريا واليمن وليبيا، فباتت تقاتل من أجل البقاء داخل أوطانها، وتواجه تحديات تتعلّق بالأمن والاقتصاد والتهجير والانقسام السياسي، وهي تحديات جعلت القضايا الوطنية تتقدّم على القضية الأكبر.

على مدى اثني عشر عامًا -وهي السنوات الفاصلة بين الربيع العربي وأحداث السابع من أكتوبر وحرب غزة- كانت هناك فجوة حقيقية بين الأجيال العربية في النظر إلى قضية فلسطين، وكأن الربيع العربي لم يقُد تلك البلدان إلى التغيير فقط، بل قادنا إلى تناسي فلسطين، وقد يكون هناك مخطط لتحقيق هذا الهدف يستفيد منه طرف واحد يريد للقضية أن تموت. أتذكّر تمامًا في أزمة اليمن في العام 2011، قول الرئيس السابق علي عبدالله صالح إن الربيع العبري -في إشارة إلى الربيع العربي- يحرَّك من تل أبيب من أجل تناسي القضية الفلسطينية. قد يكون كلامه مجرّد حديث لحماية سلطته، لكن الأحداث تقودنا إلى الطريق ذاته، فهناك من استثمر الربيع العربي وحاجات الشعوب، لتغييب فلسطين ومركزيّتها لتصبح مجرد قضية فرعية تقرأ في الأخبار.

مع كل تلك الأحداث والحروب المتلاحقة في المنطقة العربية، ظلّ عقل الإنسان العربي الباطن مؤمنًا بتحرير فلسطين قبل كل شيء، وكانت الحرب الإسرائيلية المدعومة غربيًا على غزة دليلًا كبيرًا على إعادة إحياء قضية الأرض العربية التي عاشت تغريبة عربية مؤقتة قبل أن تعود إلى أصلها، حيث عادت فلسطين لتتصدر الرأي العام العربي والعالمي، ليس لأن الأزمات الداخلية انتهت، وإنما لأن حجم المأساة الإنسانية أعاد التذكير بأن القضية الفلسطينية ما زالت تمتلك قدرة استثنائية على تحريك الوجدان العربي، فما بُني على نتائج الربيع العربي من تغييب متعمّد وممنهَج لفلسطين لسنوات طويلة انهار وذهب أدراج الرياح. ربما تكون غزة قد دمرت بالكامل وسقط الآلاف من سكانها، لكن الحقيقة التي تأكّدت -لمن يريد أن يصيغ حقيقة أخرى أو يفرضها بأيّ أسلوب- أن العقل العربي لا يزال يرى فلسطين بقلبه، وأن أيّ حدث صغير أو كبير يعيد إلى ذهنه تلقائيًا فلسطين والهجرة والنكبة والقدس، فهي قضايا لم تغيّبها الأولويات ولم تقتلها الأزمات. 

قد تتغير الأولويات وقد تفرض الحروب على الشعوب الانشغال بجراحها، لكن فلسطين أثبتت أنها ليست قضية عابرة في الوعي العربي، بل هي جزء من الذاكرة الجماعية، وكلّما ظنّ البعض أن الزمن تجاوزها، أعاد حدثٌ كبير تذكير العرب بأن النكبة لم تنته، وأن التغريبة الفلسطينية لم تكن يومًا قصة شعب واحد، بل قصة أمة بأكملها.

تمثل اليمن، أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على هذا التحوّل العربي تجاه فلسطين، فمع اشتعال الربيع العربي هناك، ومن ثم الانزلاق إلى الحرب الأهلية التي تعيشها اليمن منذ عام 2015، وجد ملايين اليمنيين أنفسهم أمام ظرف صعب فرض عليهم أولويات جديدة تتمثل بالحصول على أساسيات الحياة اليومية من الماء والغذاء والتنقل، أو النجاة من القصف، والنزوح والانهيار الاقتصادي. تراجَع حضور فلسطين في الخطاب العام اليمني، ليس لأن مكانتها تراجعت في وجدان اليمنيين، إنما لأن الحرب فَرضت على الناس معركة يومية من أجل البقاء.

 وبعيدًا عن مزايدات الحوثيين، ومِن خلفهم إيران، أثبتت أحداث غزة أن هذا التراجع كان مجرّد تراجع سببه الانشغال، وليس تراجعًا في مستوى القناعة، وأنّ المزاج العام تجاه فلسطين لم يتغيّر ولم يمُت، وأنّ الربيع العربي أعاد فكرة التفكير تجاه فلسطين قضيتنا الأم. وإن فَرَضت علينا ظروفنا الصعبة التي عشناها فكرًا جديدًا، فإنها لم تُلغ مركزية القضية، حتى وإن كانت تعيش تغريبة عربية لكنّها مؤقتة.

أصيل سارية

صحافي استقصائي يمني مقيم في السويد. عمل محررًا في "الجزيرة نت". يركز في تحقيقاته على قضايا الفساد، وحقوق الإنسان، والهجرة. حائز على جوائز صحافية عربية ودولية بارزة، منها جائزة سمير قصير لحرية الصحافة (2024).

رأيك يهمنا