ترَمبْ.. في "صُورَةِ تَغييبِ الحَربْ"!

احترتُ في أمري أثناء الكتابة لهذا القسم، لذلك، أَدعوكم للنّظر للصورة مدّةَ 10 ثوانٍ، ثم استعمال ما رغِبتم من ردّات الفعل، شرط ألا تتلفظوا بألفاظٍ غيرِ مقبولةٍ مجتمعيًا، خوفًا من أن يَسمعكم أحدٌ ما بجانبكم. 

نعم إنّها صورة مستفزَّة... ليس لوجود دونالد ترمب فيها، لكن دقّقوا النظر: يَظهر ترمب، كما لو أنه خرج لتوّه من مؤتمر صحافي لم يُكتب بَعد، أو من حدثٍ لم يقرّر العالَم إن كان قد وقع فعلًا أم لا، خلفه عبارة كبيرة، مطمئنّة أكثر من اللازم: "قمة شرم الشيخ للسلام": اتفاق إنهاء الحرب على غزة... الجملةُ وحدها تبدو كأنّها تريد أن تُغلق الملف قبل أن يُفتح. وهي جملة نجحَت في أن تُشعرني بغضبٍ عارم، لا أعلم لماذا... سأستشير مختصًا نفسيًا، وأنقل لكم إجابته في العدد القادم!

يبدو المشهد كلّه كأنّه خدعة بصريّة أنيقة، ليس لأنه مزيَّف، بل لأنّه مكتمِل أكثر من اللازم. كأنّ الواقع، بكل فوضاه، تم ضغطُه داخل سطر واحد قابل للنشر. وهذا بالضبط ما يَجعل الصورة مضحكة ومقلِقة في الوقت نفسه، فإنها تتصرّف كأنّ التاريخ يمكِن أن يُختصر في خلفيّة.

في "ما بعد الحقيقة"، لا تُهزم الوقائع، بل تُستبدل إيقاعاتها... الحقيقة الثّقيلة، المعقَّدة، المتناقِضة، تُزاح جانبًا لصالح جملة سهلةِ الهضم؛ جملة يمكن رفعُها على شاشَة خلفيّة دون أن تتعرّق من كثافتها. وهكذا، يصبح السلام عنوانًا، والحرب خلفيّة، والكارثة تفصيلًا بصريًا غير مرغوب فيه في الكادِر.

ترمب هنا ليس فقط شخصيّة سياسيّة، بل جزء من آلةِ سرديةٍ تعرف كيف تحوّل اللغة إلى عرض. 

جُملٌ قصيرة، حاسمة، قابلة للاقتباس، كأنها صُممت لتفوز في مسابقَة سرعة الانتشار، لا في امتحان الدِّقة، وفي هذا السياق، لا يَعود الخطاب وسيلةً لشرح الواقع، بل وسيلة لإعادَة تصميمه بما يكفي ليبدو قابلًا للتّصديق.

والمفارقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن كلمة "إنهاء" في الخلفيّة تبدو أكبر من كلّ ما قبلها، كأنّها تحاول أن تسبق الزمن، وتغلق حربًا ما زالت، في مكان آخر خارجَ الإطار، مستمرة بكلّ ثقلها البشَري.

ربما ليست المشكلة في الصورة أنّها تقول شيئًا غير صحيح، بل أنها تقول شيئًا أكثر ترتيبًا من الحقيقَة نفسها، وكأنّ ما بعد الحقيقة ليس انهيارًا للواقع… بل مهارة في تجميله حتى يصبح صالحًا للنشر، قبْل أن يصبح صالحًا للفهم.

رأيك يهمنا