حينَ تَهتَزّ الثّقَة: عَن العَيش في واقِعٍ لا يُمكِن تَوَقُّعُه

يَبدأ اليوم أحيانًا بخبرٍ يصل قَبل القهوة؛ رسالةٌ في مَجموعة العائلة، عنوان عاجل على الشاشة، تسجيل صوتيّ يَنتقل بسرعة بين الناس، ثم ساعات طويلة من المحاوَلَة: هل حدَث هذا فعلًا؟ مَن قاله؟ هل انتهى الأمر أَم بدأ الآن؟ نَفتَح أكثر من مَصدر، نَسأل أكثر من شخص، نُراقِب اللغة المستخدَمَة في الخبَر، ونَنتظر النّفي أو التأكيد كأنّنا نَنتظر شكْل اليوم الذي سنعيشَه.
لا تأْتي الحربُ كحدَث واضح له بداية ونهاية، والجَريمة لا تَترُك للناس وقتًا كافيًا كي يستوعبوا خبرًا قبلَ أن يصلَ خبرٌ آخر، والتحوّلات السياسية تتحرّك أسرعَ من قدرة النفْس على ترتيبها. شيئًا فشيئًا، لا يَعود التّعب مرتبطًا بكميّة الأخبار وحدَها، وإنما بطريقة اضطرارنا الدائم إلى فحص الواقع قَبل أن نَعيش فيه. كأنّ الإنسان يستيقظ كلّ يوم وهو مُطالب بأن يُثبت لنفسه أنّ الأرض ما زالت تحتَ قدَميه.
تقول روني جانوف-بولمان إنّ الإنسان يعيش وهو يَحمل في داخله صورة أساسيّة عن العالَم. صورةٌ تقول له إنّ ما يحدث حوله يمكن فهمُه إلى حدّ ما، وإنّ الناس يمكن توقّعهم بدرجة ما، وإنّ الحياة، رغم صعوبتها، ما زالت تَحمل معنىً يُساعده على الاستمرار. نحن لا نفكّر بهذه الصورة كلّ يوم، لكنّها تُسندنا من الدّاخل. وحين تتكرّر الصدَمات وتَطول، تبدأ هذه الصورة بالاهتزاز. يُصبح ما يَحدث أَكبرَ من قُدرتنا على فهمه بالطّريقة القديمة، وأصعبُ من أن نضعَه داخل تصوّر واضح عن العالَم والمستقبَل (Janoff-Bulman, 1992).
في واقع يَعيش فيه الناس تهديدًا مستمرًا، يُصبح هذا الاهتزاز أَعمق. فالخَطَر لا يَظهَر مرّة واحدة ثمّ ينتهي، بل يبقى حاضرًا في تفاصيل اليوم ومفتوحًا على الغد. لذلك يُصبح النوم أَخفّ، والتّرقب أَعلى، والتخطيط أَصعب، والثقة بأيّ هدوء أَقلّ تلقائيّة. يتعلّم الجسد أن يَبقى مستعّدًا، ويتعلّم العقل أن يَنتظر الاحتمال الأسوأ.
لا يَعود السؤال: أيّ رواية صحيحة؟ بل يصبح: ماذا يَحدث لنا حين لا يَمنحُنا العالَم ما يَكفي من الثّبات كي نطمئنّ إلى ما نراه ونَسمعه ونَشعر به؟
عندما تتحوّل المعرِفة إلى عبء
تَنكَشف لنا طبقَة أُخرى من التّعَب. فالإنسان حين يَعيش مدّة طويلة داخل واقع متقلّب، يُرهقه تغيّر الأحداث، ويُرهقه اضّطراره الدائم إلى فحص كلّ ما يصل إليه. الخبرٌ يحتاج إلى مصدر ثانٍ، والصورة تحتاج إلى تَدقيق، والتّصريح يَحتاج إلى قراءة ما وراءَه، وحتى الصّمت يَحتاج إلى تفسير. مع الوقت، تتحوّل المعرفة نفسها إلى جُهد نفسيّ. يَصير استقبال المعلومة مشروطًا بالاستعداد للخَيبة والقلَق.
يَستخدم بيتر فوناغي وزملاؤه مفهوم "الثّقة المعرفيّة" لوصفِ قُدرة الإنسان على استقبالِ معرِفَة تَأتيه من الآخَرين واعتبارها جَديرة بالانتباه وقابِلة لأن تساعده على فهم العالَم. لا تَعني هذه الثقة التّصديق الساذج، وإنما تعني أن يَبقى العقل قادرًا على التعلّم من الآخرين وتعديل فهمه الأشياءَ عندما تَصله معلومة موثوقة (Fonagy et al., 2019; Li et al., 2023).
حين تَعمل هذه القدرة بشكل صحّي، يَستطيع الإنسان أن يَسأل ويَشكّ ويقارن، ثم يسمح لمعلومة ما أن تَدخل وتُعيد ترتيب فهمِه. أمّا في ظروف الخذلان الطّويل والعنف وانهيار ثقة الناس بالمؤسَّسات، يصبح الشكّ هو وضعيّة العقل الأساسيّة. كلّ مصدر يبدو مشبوهًا، وكلّ رواية تبدو ناقصة، وكلّ دعوة إلى الاطمئنان تبدو مُبَكِّرة. يتحوّل الحذَر مِن أَداة حماية إلى إقامة دائمة داخل التوجُّس.
يَحدث ذلك لأن الناس تعلّموا من الواقع أنّ المعرفة قد تُستخدم ضدّهم، وأن الروايات قد تُصاغ فوقَ جراحهم، وأن ما يُقال اليوم قد يُنفى غدًا. يصير السؤال "من أصدق؟" سؤالًا نفسيًا عميقًا، وحين يَطول هذا السؤال، يَفقد الإنسان شيئًا من قدرته على التعلُّم من العالَم، لأنّ التعلّم يحتاج إلى حدّ أدنى من الثقة، وعندما يَطول العيش في واقعٍ مربِك، تصبح الثقة نفسها مجهودًا، ويصبح الفهم عملًا شاقًا قبل أن يكون مَعرفة.
استعادَة الواقع عبرَ العَلاقة والمَعنى
تَبدأ استعادة العَلاقة مع الواقع من مكانٍ أَبسَطَ مما نتخيّل. أحيانًا مَن شخص لا يَستعجل تَهدئتنا، ولا يَطلب منّا أن نكون متماسكين أكثرَ مما نستطيع، وإنما يَحتوينا حتى نَعود قادرين على التّفكير من جديد. نَحتاج في لحظات التشوّش فقط علاقة تساعدُنا على حَمل المعلومة وفَهم أَثَرها فينا ووضعِها في مكانها.
يُشير فوناغي وزملاؤه إلى أن الإحساس بأنّ تجربتنا مفهومة ومُعترف بها يُمكن أن يُعيد من جديد قدرتَنا على التعلّم من الآخرين ومن العالَم. حين يَشعر الإنسان أن أحدًا يَراه كصاحب تجربة، تَخفّ يَقظته ودفاعاته قليلًا، ويَستطيع من جديد أن يُصغي ويَسأل ويَستقبل المَعاني، بدَلَ أَن يَبقى محاصَرًا بين التّصديق الكامل والشكّ الكامل (Fonagy et al., 2019).
في السياق الفلسطيني، يذكّرنا علم النفس التحرّري بأن الألم الذي يَنتج عن العنف السياسي والقَهر ومَحو الذاكرة وتَفكيك الجَماعات لا يُفهم كأَلم داخليّ منفصل عن العاَلم.
استعادة الثقة بالواقع تمرّ عبر تَسمية ما يَحدث، وردّ الألم إلى سياقه، وبناء لغة جَماعيّة تساعِد الفرد على الفهم بأنّه ليس السّبب في ألمه (Martín-Baró, 1994). حين نقول إن خوفنا مفهوم، وإن استنفارَنا له جذور، وإن تَعَبنا يَحمل تاريخًا نبدأ بتحرير النّفس من العُزلة والّلوم.
هنا تَظهر أهميّة الجَماعة: حديثٌ صادق مع صديقَة، عائلة تَحفظ الذاكرة، مساحة آمنة نفكّر فيها بصوت عالٍ، حَدَثٌ ثقافي يُعيد ترتيب المَعنى، أو طقس جَماعيّ يَجعلنا نشعُر أن الواقع لم يَعُد محمولًا على كتفٍ واحد. في مقالها "الفَقد الغامض والممتدّ"، تكتب بولين بوس أنّ الأَمَل لا يأتي من إغلاقٍ كاملٍ للحكاية، وإنّما من القُدرة على العيش داخل عَدَم اليقين مع مَعنى جديد، وروابط أَوسَع، وخَيالٍ قادر على اكتشاف مَصادر أُخرى للحياة (Boss & Yeats, 2014).
ربّما يكون النّور في آخر هذا النفَق أقلّ دراميّة مما ننتظِر. قد لا يأتي كإجابة نهائية، ولا كحقيقة صافية لا يَطالها الشكّ، بل كقدرة بطيئة على العودة إلى العالَم دون أن نكون وحْدَنا تمامًا داخله. كأَن نَستعيد روابطَ مع أشخاص نستطيع التّفكير معهم، وذاكرة تمنحُنا امتدادًا، ولُغة تُسمّي ما يَحدث دون أن تَسحَقَنا، ومَعنى يجعلُنا نرى أن الواقع، رغم قَسوته، ما زال مكانًا يُمكن أن نَلتقي فيه ونَفهمه ونحاول معًا تغييره.

علا وتد
أخصائية نفسيّة. حاصلة على ماجستير في علم النّفس الإكلينيكي. تهتم بدراسة التروما وعَلاقات التّرابط في سياق المجتَمَعات العربية.



