السَّردِيّة عِندَما "يُهَذّبُها" المُمَوِّل

عِندَ الوقوف في نقطَة رَصدِ جُهد الفلسطيني في صُنع روايته الخاصّة، فإنّنا نَشهد حالة متفرّدة، ليس ذلك لأنّها جهود تمّت وِفق منهجية متطوّرة عن باقي الشعوب التي تعرّضت لاحتلالات وواجهت حروبًا واضطهادات وتطهيرًا عرقيًا، بل بسبب استمراريّة تدفّق محتوَيات الرواية الفلسطينية من شُقوق الواقع المَعيش يوميًا على مدار قَرن من الزمان.

لكن، على الرغم من هذا التفرّد، يواجَهُ صناعُ الرواية الفلسطينية بأشكالها المتنوعة، مؤخرًا، مجموعة تحدّيات مِن أبرزها تحدّي التكنولوجيا الرقمية متضخِّم الكمّ ومتعدّد النوّع ومُذهل السّرعة. لا يقتصر هذا التحدّي فقط على سياسات المنصّات الرقمية ومعاييرها وما يتخلّلها من معيقات سيبرانية تُعتبَر حربًا بحدّ ذاتها، وإنّما يتجاوزه إلى قَولبة المحتَوى الاستهلاكي، وتَقويض الانتشار الرقميّ لكلّ ما هو منافٍ لسرديّة المحتل.

إلّا أنّ تناول موضوع بالغ الأهمية، هو" الرواية الفلسطينية"، لا يَقتصر على توضيح التحدّيات الآنية التي تعوّقه. فهناكَ سلسلة حروب مناوئة وتجييش إعلاميّ وورقيّ أَلقى بثقَله منذ فترة الحكم العسكري الإسرائيلي، حيث مَنَع إصدار الكتب والصحف والمجلات الفلسطينية وأدرَجَها تحت قانون الجرائم. يَأخُذنا هذا كلّه إلى حقيقة واضحة وهي أنّ ما تمكّن الفلسطيني من حفظِه ورصده ونقله عبر الأجيال من قصص واقعيّة وأدبٍ وشعر مقاوم، وأدب سجون، إنما هو عمل نضاليّ بامتياز.  لكنّها إنتاجات بقيت في أرشيف الذاكرة الجمعيّة، ولم تنافِسها إنتاجات تواكِب الخطّ الزمنيّ للصّراع الفلسطيني المستمرّ.

 فكيف إذًا تَحوّل نتاج هذا النضال إلى فَراغ أَحاطَ بالفلسطينيين خلال تعرُّضهم لحرب الإبادة؟ وما هي الثّغرات التي غفِلنا عنها لنشهد هذا الحِياد الإقليمي إذًا؟ وهل يمكن اختزال الأسباب بالفجوة المعرفيّة الناتجة عن تَسطيح المؤسّسات الرسمية الفلسطينية وتَقزيم الجهود التي سبقَت عملية السلام إلى حدّ اختزالها في إنتاجات تَخضَع لمعايير المموِّل الخارجي؟ 

إذًا لا بدّ هنا من الحَدس بوجود مؤامرة تتوارى خلفَ الدولار، كانت المسؤول الأبرز عن استبدال تَفاصيل المعاناة بقضايا اجتماعيّة وتصديرها داخلَ أغلفة فكرية ودينية وجندريّة في سياقات معزولة تمامًا عن وجود الاحتلال. 

تصدّرت هذه القضايا الاجتماعية عناوينَ المَشاريع المسرحية والسينمائية والأعمال الأدبية، فحوَّلت تركيز الضّوء إلى أمورٍ بالرغم من أهميّتها فإنها لم تشكِّل على أرض الواقع ظَواهر عامة، ولم ترقَ إلى مُستوى المشاكل المفصليّة المُعيقة لخطّ سير تطوّر الشعب الفلسطيني. لكن هذا، على ما يبدو، ما تطلَّبه ذوق التّعاطف الخارجيّ، الذي لم يشمَل ضَحايا حرب الإبادة على غزة، وهو ذاته التّعاطف الذي ظلّ قاصرًا أَمام ما يتعرّض له الفلسطينيّ داخل السجون الإسرائيلية. فلا بد إذًا من اعتبار أنّ الحدس بوجود مؤامرة قد تحوّل إلى يَقين نَعيش صَداه داخل كلّ تفاصيل الواقع الفلسطيني.

لربّما كان هذا الاستنتاج يَستدعي شعورًا بعبثيّة جهود الفلسطيني في صُنع روايته، لكن لا يُمكن تعميمُه كحُكم مُطلَق ونافٍ لحقيقة وجود جهود وإنتاجات بارزة استطاعت أن تتخطّى سياسات التّمويل وشروط الرقابة والذائقة العامة للعالَم المُتذرّع بمحاربة معاداة السامية. 

إذًا، فنحن نُدرك هذه المسبّبات المُعيقة لتطوّر الرواية الفلسطينية لكي لا تُناسب الواقِع المَعيش على الأرض، ونُدرك مَدى خطورتها على السرديّة التاريخية والمستقبلية المبنيّة على حاضرنا الحالي، ما يَستوجب ابتكار منهجية بحثية أكثرَ تعمقًا في الواقع، وأكثرَ إثراء للتفاصيل، وأكثرَ قدرة على تشريح العناوين والرّموز، وتحريرها من المحدّدات المرسومَة بقلَم الممِّول وأُفق الذائقة الاستهلاكية. فقد أثبَت العالَم أخيرًا موقفَه من القضية الفلسطينية على نحو جليّ، كذلك أثبتَت التجارب النضاليّة على مرّ العُصور لا جدوى التعاطف المَحدود بشعارات إنسانيّة جَوفاء. وعليه، فقد بات ضروريًا توسيع المدى الذي يُمكن أن تصنَعَه الرواية الفلسطينية لسرديّة الصراع.

هنا يبدأ البَحث عن التوجّه الذي يجِب التّعويل عليه في بناء المَضامين وتركيز الأهداف، وخلقِ منهج أكثر أبداعًا في تَصدير الجانب الإنساني للفلسطيني والتحوّلات الدراماتيكية وراء الصورة العامة للضحيّة، تُوازيها الصورة الدّقيقة للممارسات الإجراميّة التي يتعرّض لها الفلسطيني.

ريتا طه

كاتبة فلسطينية.

رأيك يهمنا

مقالات متعلقة