عَقيدَة إسبارطَة وحُروبُ إِسرائيل التي لا تَنتَهي

ثمّة مَقولة شائعة في إسرائيل مفادها أنّ إسرائيل دائمًا في حالة حرب، فهي إمّا منخرطة فعليًا في المواجهات المباشِرة على الجبهة وفي العمليّات القتالية، أو أنّها تَستعد للحرب المقبِلَة من خِلال التّدريبات والمناوَرات والتّسلُّح والتعبئة وما شابَه ذلك. هذا التّشخيص تُسنده الوقائع وتاريخ هذه الدولة، إلى درجة يَصعب معها إحصاء عدد الحروب التي شنّتها، وتَعريف من هُم خصومُها. مردّ ذلك هو تجنّب المسؤولين تَسمية الحروب باسمها، فمن بين كلّ الحروب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة صُنّفت عمليّتا "الجرف الصامد" عام 2014، و"السيوف الحديدية" بوصفهما "حربين"، بينما اعتُبرَت باقي المَعارك عمليّاتٍ عسكرية، كذلك وُصفت عملية "سلامة الجليل" (1982). بالإضافة إلى ذلك ثمّة حُروب مِن نوع مختلِف عن غيره مثل حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية بين عامي 1967 و1970، والانتفاضتين الفلسطينيتين الكُبريين عاميّ 1987 و2000، فضلًا عمّا ردّده المسؤولون الإسرائيليون مرارًا وتكرارًا بأنهم يخوضون الحرب على سبع جبهات، هي: الأراضي الفلسطينية المحتلة (غزة والضفة)، ولبنان وسورية والعراق واليمن وإيران، وهناك من تطوّع بتسمية جبهات إضافية مِثل الفلسطينيين في إسرائيل، ودولة قَطر، وجبهة الإعلام وغيرها.
ليسَ ما تقدَّم مجرَّد خلاف إحصائي، بل هو تشخيص يَعكس ثقافةً سائدة، وعقليةً تتحكّم في قيادة إسرائيل منذ إنشائها، وينسحب على كلّ تفاصيل الحياة، بما يَشمل التربية، والسيرة الذاتيّة لكلّ فرد، والتجاذُبات السياسية، ومكانة الجيش في حياة الإسرائيليين، ومَوقع الصناعات العسكرية والأمنية في الاقتصاد، كما في الدّور الوظيفي الذي تضطّلع به إسرائيل في شبكة المصالح الأميركية والغربية في المنطقة والعالَم.
وقد سَبَق لبنيامين نتنياهو أن قال في العام 2015 خلال جلسة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست: "أَنتم تسألونني إذا ما كنّا سَنعيش على حدّ السيف إلى الأبد، وأنا أقول لكم نَعم". ويَبدو أنه طَرِب لوقع هذا الكلام فردّده مرارًا بصيَغ مختلفة، وكرّره خلال حروب العامَين الماضيين، وبات كلّ من يوَدّ تملّق نتنياهو يكرّر العبارة عينها، الأمر الذي يَفعله رئيس الأركان إيال زامير وسائر قادة الجيش والأجهزة الأمنية.
تحوَّل تَمجيد القوّة إلى عقيدة ناظِمة لسياسات دولة إسرائيل ومؤسّساتها، فالمسؤولون السياسيون والعسكريون يكرّرون في كلّ مناسَبة مقولة "ما لا يأتي بالقوّة يأتي بمزيد من القوّة"، ثم تشبيه نتنياهو لوضع إسرائيل بـ "إسبارطة" العصر، وما يَستدعيه ذلك من تحوّلات في الصّناعة والمجتمع والاقتصاد.
تَلقى عَقيدة إسبارطة رواجًا واسعًا في المجتمع الإسرائيلي المُعبّأ بالتطرّف والمشحون بالعنصريّة، حيث يتنافَس أقطاب الحكومة ومعارضوها على السّواء في المزاوَدة بالخيارات العسكرية الأكثر نَجاعة في مواجهة إيران أو حزب الله أو الفلسطينيين. وكثيرًا ما نَستمع إلى مَن يقترح قصف غزة أو إيران بالسّلاح النووي، ومَن يَأخُذ على الحكومة تَراخيها في مواجَهَة الأَعداء. وتُترجِم هذه العقليّة نفسها في ابتداع سياسات ومقارَبات جديدة أَبرَزها التّرويج لنظريّة "السّلام المبني على القوّة"، والسعي لتجريد كلّ خصوم إسرائيل الحقيقيين والمحتمَلين من عناصر القوّة، فتُرجم ذلك بجَعل مَطلب تجريد "حماس" وقطاع غزة من السلاح وكأنّه البند المركزيّ في خطة ترامب، وتجريد لبنان و"حزب الله" من السلاح كذلك، وتَحديد منطقة واسِعة في سوريا كمنطقة منزوعة السلاح الثقيل والمتوسط، ومَنْع نشر قوات سورية جنوب دمشق وغَربها، وصولًا إلى محاولَة تَجريد دولة إيران من كلّ عناصر القوّة العسكرية بما في ذلك المطالبة بالحدّ مِن مَدى الصواريخ البالستية وكمّيتها بحيث لا تهدّد إسرائيل في المستقبل.
تَعتمد عقيدة القوّة على امتلاك أَحدَث أنواع الأسلحة وأكبَر كميّاتها، وضمان التفوّق النوعيّ لإسرائيل في مواجَهة خصومها، وهو مبدأ تقرّه الولايات المتحدة، ويَعني التمسّك بهذه المقاربة إهمال كلّ الخيارات السياسية والتفاوضية، على الرغم مِن أنّ الملف الفلسطيني أثبَتَ عَبر عُقود طويلة من التّجارب، أنّ المقاربَة العسكرية والأمنية وحدها لَن تَجلب الأمن ولا الاستقرار، وأنّ صراعًا ضدّ شَعب وحقوقه الوطنية لا يمكن حسمها بالدّبابات والطائرات، كما أنّ هذه العقيدة تَدفع أصحابَها إلى ارتكاب أخطاء وهفوات قاتلة مِن قَبيل المقارنة التي أجراها نتنياهو بين جنكيز خان بكلّ ما يمثّله من عنف وقسوة، والسيد المسيح برسالته القائمة على المَحبة والسلام، والمشكِلة أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي أظهَر انحيازَه لجنكيز خان ما أثار عاصفة من رُدود الفعل العالَمية التي اضّطرت نتنياهو للتوضيح وتقديم نَوع من الاعتذار. ومِن أمثلة الأخطاء الفاحشة كذلك قيام نتنياهو باستفزاز السعودية بالسّخرية من دعمها قيامَ دولة فلسطينية، ودَعوته السعوديين إلى إقامتها على أَرضهم، ثمّ قيام وزير ماليته وحليفه سموتريتش بأَسخَف ما يُمكن القِيام به حين سَخر من السعوديين والصحراء والإبل، وكأنّ السلام والموافقة على شروط الإذعان لإسرائيل هو ما يَضمن للسعودية والدول العربية الالتحاق بركب الحضارة والتقدّم، ومن المؤكَّد أن الردّ السعوديّ كان جاهزًا: استبعاد أيّ فرصة للتطبيع في المدى القَريب والمنظور.
لا تَقتصر أخطاء العقيدة الإسبارطية على هَفَوات وزلّات كلاميّة، بل تَشمَل اقتراف مغالَطات سياسية وتاريخية، فالحروب لا تُحسَم دائمًا بالقوّة، والتفوّق العسكري بمعزِل عن الاعتبارات الوطنية والثقافية والسكانيّة وطُموح الدّول والشعوب إلى الحرية والسيادة على قرارها الوطني، وخَير دليل على ذلك تَجربة حركات التحرّر والقُوى المحلّية في مواجهة قوى دولية عاتية كما في فيتنام والجزائر وأفغانستان.
ثُمّ أنّ صورة إسرائيل في العالم تغيّرَت على نحو جذريّ، حيث بَنَت الحَركة الصهيونية سرديّتها على فِكرة احتكار صورة الضحيّة، وأنّ إسرائيل تواجه خطرًا وجوديًا بسبب كونها مُحاطة بالأعداء من كلّ جانب، لتنقَلب الصورة بَعد حرب الإبادة على غزة، وتَظهر إسرائيل على صورتها الحقيقية كدولة تُبادر إلى شنّ الحروب وتَفتعلها وتَعتاش عليها، وهذه الصورة كفيلة بتَنفير قطاعات آخذة في الاتّساع حتى داخل الولايات المتحدة مع انتشار القَناعة بأنّ نتنياهو هو الذي ورّط الرئيس ترامب في حرب لا ضَرورة لها ولا مصلَحة للولايات المتحدة فيها.
إلى كلّ ما سَبَق، ثمّة خَطَر داخليّ لا يقل شأنًا عن مخاطر الحروب الخارجية، فللعقيدة العسكرية وَجه داخليّ بَشِع يتمثّل في قَمع المعارِضين والمخالِفين، وتضييق هوامش الديمقراطية، والتعدّي على استقلاليّة السلطة القضائية، ومعاداة المؤسّسات والنخب الثقافية والأكاديمية، والتحوّل التدريجي إلى دولة فاشيّة وعنصرية ومنبوذة.

نهاد أبو غوش
كاتب وصحافي فلسطيني يساري من القدس مقيمٌ في رام الله، ناشط في مجال الدفاع عن حرية التعبير، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني.



