كَيفَ تُنْضِجُ حِراكًا جَمعِيًّا في حَاضِر مَأزوم؟: "يَومُ الأَرض" نموذجًا

كثيرًا ما يَحضُر يوم الأرض في هذه الأيّام عند مناقَشَة سُبل مواجَهة التحدّيات والأَزمات التي نعيشها. فلا تزال هذه المحطّة، في نظرِ كثيرين، اللحظة الأهمّ في التطوّر السياسي للفلسطينيين في إسرائيل. فما الذي يَجعل يوم الأرض مهمًا إلى هذا الحدّ عند التفكير في مَخارج أزماتِنا الراهنة؟ لعلّ الجواب يَكمُن في أنّ يوم الأرض لا يقدّم لنا نموذجًا في الاحتجاج فقَط، بل يقدّم لنا فهمًا أَعمَق في كيفيّة تشكّل الفِعل الجَماعي نفسِه: كيف تَنضُج الظّروف، وكيف تتبلوَر القضية الجامِعة، وكيف يتحوّل الشّعور بالخطَر إلى وعي سياسيّ وتنظيم ومبادَرة ومواجَهَة مدروسة. مِن هنا، فإنّ العودة إلى يوم الأرض تأتي بوصفِها محاولَة لاستخلاص دروس عمليّة لحاضر مأزوم يبحَث عن أُفق.

تَكفي نظرَة إلى واقعنا الراهن لفَهم سبب عَودة يوم الأرض إلى الواجِهة. فقد تعاظَمَت التحدّيات التي يواجهها مجتمُعنا، بدءًا من مصادَرة ما تبقّى من أراضٍ لم تُسلب بَعد، والتضييق على مُدننا وقرانا العربية، وعلى أَهلنا في المدن التاريخية والمختلَطة، وفي النقب، مرورًا بالتمييز العنصري البنيوي، وتعاظُم القوانين العنصرية، وتَصاعد التوجّهات الفاشية، والفقر، واتّساع الفَجوات، وأزمة التربية والتعليم، وغَير ذلك من الأزمات المتراكِمة، وصولًا إلى ظاهرة العنف والجريمة المنظَّمة التي تحوَّلت في السنوات الأخيرة إلى خَطَر استراتيجي وجوديّ يهدّد مجتمعنا ووجودنا الجَماعي، وذلك كلّه في ظلّ ما يَعيشه شعبُنا من ويلات الاحتلال والاستيطان، وحرب الإبادة والتّهجير، وانعدام أُفق سياسيّ واضح للقضية الفلسطينية.

يشكّل مجتمعُنا اليوم، من الناحية العدّدية، ما يقارب أربعةَ أَضعاف حجمه عشيّة يوم الأرض. كما أنّ وضعَه الاقتصادي يبدو أفضَل نسبيًا مما كان عليه آنذاك، من حيث اتّساع فرَص التعليم والعمل، وتحسّن أحوال فئات معيّنة، رغم الفجَوات الكبيرة التي ما زالت قائمة، ورغم التّمييز العنصري الممأسَس في نظام المواطنة الإسرائيلي. كذلك اتّسع حَجم الطبقة الوسطى، وازداد عدد المتعلّمين والأكاديميين والنُّخب داخله بدرجة كبيرة. إلى جانب ذلك، شَهِد مجتمعنا توسعًا لافتًا في عَدَد التّنظيمات المجتمعيّة والحزبية والسياسية، وفي المؤسَّسات الإعلامية والثقافية وغَيرها من الأُطر الفاعلة، وأُقيمت سلطات محليّة جديدة في عدَد من البلدات، وتحوّلت بَعض المجالس المحليّة إلى بلديات، كما تعزّز التّمثيل العربي في الكنيست، وتراكمت الخبرات والتّجارب والدّروس، إلى جانب تحوّلات أُخرى لا يُستهان بها.

هُنا يبرُز السّؤال الصَّعب: كيف استطاعَت تلك الأقلّية الصغيرة، الباقية في وطنها والناجِية من النكبة، أَن تُنتج يومًا كفاحيًا مشهودًا، وأَن تُطلِق على أَثَره حالَة من النهوض والبناء والمواجَهَة استمرّت سنوات طويلة؟ ولماذا يبدو مجتمُعنا اليوم عاجزًا عن إنتاج حالة نهضويّة مماثلة لتلك التي عاشَها في يوم الأرض الأوّل وما تلاه؟

تتطلّب الإجابة الكامِلة عن هذه الأسئلة الخَوض في قضايا كثيرة لا أَنوي تناولَها كلّها في هذا المقال: من التحوّلات العالمية والإقليمية والمحلية، إلى التغيّرات التي طَرأت على الشعب الفلسطيني عمومًا، والفلسطينيين في إسرائيل خصوصًا، فضلًا عن التحوّلات العميقة في المجتمع اليَهودي وفي بُنيَة نظام الدولة وسياساتها. كما أنّ بعضَ التطوّرات التي يُشار إليها عادة بوصفها إيجابيّة تَحمل في داخلها تناقُضات لا يُستهان بها، وقد تكون أَسهَمت في تعميق الانقسامات الداخلية، وخِدمة منظومَة الضَّبط والسيطرة، وربما في إضعاف تماسُك المجتمع وقدرته على الفِعل الجماعي. لذلك سأكتفي هنا بالتوقّف عند عدد من القضايا التي تَبدو لي أساسيّة لكلّ مَن يَسعى إلى الخروج من حالة العَجز الراهنة.

يومُ الأرض كَحالَة وسَيرورة

يَتعامَل البَعض مع يوم الأرض بوصفِه حدثًا تاريخيًا صنَعَه مجتمعُنا في الثلاثين من آذار 1976، من دون أَن يَضَعَه، بشكل كافٍ، في سياق النضال والتطوّر السياسي التراكميّ الذي مهَّد له، فيما يتعامَل آخرون معه كَهِبة تلقائيّة اندلعت ردًا على مصادَرَة الأراضي. غَير أنّ هذه النَّظرة تتجاهَل سيرورة العَمَل المنهجيّ التي غذّت روح النضال، وهيّأَت البُنى التحتيّة التنظيمية والسياسيّة لولادة هذا الحَدَث. فالإضراب العام والشّامل الذي شَهِده مجتمعُنا عام 1976 لم يكن معزولًا عمّا سَبَقه، بل جاء امتدادًا لحراك نضالي متواصل، ولروح التصدّي والتحدي التي تبلورت إبّان الحُكم العسكري، وتعزّزت بعدَه، ونَضَجَت في أواسط السبعينيات، لتُنتج حالة من الوحدة الكفاحية والنهضويّة والتنظيمية والتّعبوية، تُوّجت بإضراب يوم الأرض والاحتجاج الواسع الذي رافَقَه ضدّ مصادَرة الأراضي ومَشاريع التهويد.

كانَ الإعلان عن مشاريع المصادَرة والتّهويد الجديدة في أواسط السبعينيات الشّرارة التي سرّعت التحضيرات وأطلقَت الحِراك الذي قاد إلى يوم الأرض. فقد أصبح واضحًا أنّ بلدات عربية كثيرة ستتضرّر مباشرة من مخطَّطات المصادَرة وسلب الأراضي في مناطق مختلفة، وبَدأ سؤال: ما العمَل؟ يَفرض نفَسه بإلحاح. لكنّ الجواب عن هذا السؤال لم يتشكَّل بصورة تلقائية، بل بَدأ يتبلوَر عبر سيرورة عَمَل منظَّمة بادر إليها الحزب الشيوعي وقياداته وشركاؤه من الشَّخصيات والقوى الوطنية في تلك المرحَلة، بعدَ أن كان قد عزَّز حضورَه وقوَّته في مجتمعنا، خصوصًا إثر فَوز توفيق زياد برئاسة بلديّة الناصرة عام 1975. ليس التوقُّف عند هذا الدور مجرّد استجابة لاعتبارات الإنصاف التاريخي، بل هو ضَرورة لفهْم سياق يوم الأرض وولادَته، والاستفادة من الدّروس التي تُقدمها تلك التجربة في تنظيم الناس، وبِناء المبادَرة، وإنضاج شُروط النضال. وتَزداد أهميّة هذا الأمر اليوم في ظلّ التراجُع الذي يَشهده العمَل الحزبي المنظَّم والشعبي. 

فوُجود حزب منظَّم، له مؤسّساته وهيكله التنظيمي، وله فروعُه في معظم القرى والمدن، وخَلاياه الناشطة في الأحياء، والنقابات العمالية، وأَوساط اجتماعية مختلفة، كالأكاديميين والتجار وغيرهم، وكَوادره الفاعِلة بين الناس، ومنظماته الشّبابية والطلابية، وصحافته التي كانت تُوزَّع مباشرة إلى بيوت الناس عبر كَوادره، وعَمله الثقافي، وفِرقه الفنيّة التي ظَهَرت في مهرجانات عدّة، وشبكة الأصدقاء والشركاء والتّحالفات التي بُنيت على مدار السنين، كلّ ذلك شكّل البُنى التحتّية لتحريك العمل الشعبي. وقد أشارَت شهادات عديدة لناشطين وقيادات كان لهم دَور مهمّ في حراك يوم الأرض إلى الكيفيّة التي ساهَمت بها هذه القوى المنظَّمة في تشكيل اللجان المحلية، وتَنظيم العرائض، وتجنيد التّواقيع، وتنظيم المهرجانات والمظاهرات، وحَشد الناس للمشاركة فيها، وإصدار البيانات، وغير ذلك، وكذلك في التّجنيد السّريع لإفشال مخطَّطات سلطويّة في بلدات عديدة وعلى صَعيد قُطري.

لَقَد أَسهَمَت هذه السيرورة في بناء مَسار عملٍ واضح ومتطوّر ومتفاعِل مع الأحداث. ويُمكن الإشارة هنا إلى الاجتماع القُطري الذي عُقد في 29.7.1975 في نادي الإخوة في حيفا، بحضور ممثّلين عن قرى ومدن عربية وقُوى يهودية متضامِنة، بوصفِه محطة مركزية في التحضيرات التنظيمية والسياسية التي قادَت إلى يوم الأرض. فقد خَلُص هذا الاجتماع إلى الدّعوة لعقد مؤتمر شعبيّ، وإلى تَشكيل لجان تحضيريّة له. مِن المهمّ فهْم دلالة هذا الأَمر في سياق تلك المرحَلة، فمجرّد التّحضير لمؤتمر من هذا النّوع لم يكُن أمرًا عاديًا، بل كان فِعلَ تحدٍّ واحتجاج واضحَين في وَجه سُلطة عَمِلَت بكلّ قوّتها على ضَبط النّاس وزَرْع الخَوف في نفوسهم.

ثُمّ تصاعَدَت التّحضيرات للمؤتَمَر الشعبي، وتفاعَلَت مع خُطوات الحكومة ومخطّطاتها، وجرى تَوسيع القاعدة الشعبية عَبر تكثيف العمل مع الجمهور، والتّحضير للمؤتمَر الشعبي الكَبير الذي عُقد في 18.10.1975 في الناصرة بحضور واسع. وقد أفرَزَ هذا المؤتَمر عمليًا لجنة الدفاع عن الأرض، التي كانت قد بدأَت تتبلوَر في خِضَم العَمل الميداني ومحطّات التّحضير السابقة، وتحوَّلت لاحقًا إلى العنوان المركزيّ لقيادة الاحتجاج ضدّ المصادرَة. وأسهمَت هذه اللجنة في تنظيم الأهالي، وتَطوير النضال ضدّ محاولات السلطة منعَهُم من الوصول إلى أراضيهم في البطوف، وضدّ هدم المنازل وغيرها من السّياسات. بهذا المَعنى، تحوّل كل حَدَثٍ مَحلي إلى قضية قُطرية، وهكذا أصبحَ الناس أكثر جاهزيّة للحديث عن إضراب شامل، ثم الإعلان عنه رسميًا، والدّفاع عنه حين حاوَلَت السّلطات إِفشالَه.

المشارَكَة الشعبيّة الواسِعة وروح يَوم الأَرض

عِند العَودَة إلى الأخبار التي نُشرت منذ بدء التّحضيرات للمؤتمر الشعبي، كما وثّقها الكتاب الأسود الذي أَصدَرته لجنة الدفاع عن الأرض بضعة أشهر بَعد أحداث يوم الأرض، وفي جريدة الاتحاد التي كان لها دور مُهم في التّعبير عن قضية الأرض وتَوثيق الأحداث والمواقف، وكذلك في الشهادات التاريخية التي نُشرت لاحقًا في إصدارات ومواقع مختلِفة وحتى في الوثائق السّلطوية، تتكشّف أَمامنا صورة مشارَكة شعبية واسعة ومتنامية. فمنذ نهاية تموز 1975، مرورًا بالجلسة التحضيرية الواسعة التي عُقدت في الناصرة في 15 آب 1975، ثم بالمؤتمَر الشعبي نفسه، وصولًا إلى عشرات، وربما مئات، التحرّكات والاجتماعات والمظاهَرات الاحتجاجيَة والمؤتمَرات الصحافية والعرائض والبيانات الداعِمة، وإقامة اللجان المحليّة، وتفاعُل الطلاب الجامعيين والثانويين، والعمال، والفلاحين، ورؤساء السّلطات المحلية، وأعضاء كنيست، إلى جانِب تَجنيد قوى ديمقراطية داعِمة، تتّضح دوائر مشارَكة أخذَت تُبنى وتتّسع تدريجيًا حتى بلغَت ذروتها في إضراب يوم الأرض. 

هذا التّمازج بين العَمَل القيادي الذي بلوَر المواقِف ووَضع الخُطط انطلاقًا من الارتباط بحسّ الناس، والناس الذين انخَرَطوا فيه ومنَحوه عُمقه الشعبي وطوّروه، هو ما أَعطى القوّة لذلك التيار الذي أَخَذ ينمو ويمتدّ شيئًا فشيئًا داخل المجتمع. وهكذا أصبَح النّضال ضدّ مخطَّطات المصادَرَة الصوت الأبرَز، والقضيّة الجامعة القادِرة على تجنيد قُوى وشخصيّات وفئات مختلفة للانضمام إليه. كان ذلك، في جوهره، درسًا في بناء هيمنَة مضادة للمضطّهدين في مواجَهَة هيمنَة السلطة، وفي إنتاج زَخَم احتجاجيّ أَسهَم في تَقويض شرعيّة المتعاوِنين مع السلطة داخل مجتمعنا، وفي إحداث تحوّلات سياسيّة عميقة.

وقد تجلّت هذه التحوّلات في المشارَكة الواسعة في إضراب يوم الأرض نفسه، والاحتجاجات الصاخبة التي اندلَعت على أَثره، بدءًا من هبّة الجماهير الواسعة لحماية قرار الإضراب خلال اجتماع الرؤساء في شفاعمرو يوم 25 آذار 1976، الذي بادرَت إليه السُّلطة في محاولة لإفشال الإضراب، مرورًا بالمشارَكة الكبيرة في الإضراب العام والشّامل يوم 30 آذار 1976، وانتهاءً بالمظاهَرات الاحتجاجية الواسَعة التي واجهتها السلطة بالحَديد والنار، فسَقَط خلالها ستة شهداء، إلى جانب الجَرحى والمعتقَلين، ودفَعَ كثيرون ثَمَن هذا الالتزام من لقمة عَيشهم وأماكن عملهم.

عندما نقرَأ اليوم، بعُمق، ما كُتب ووُثّق في تلك المرحَلة، من مسافة خمسين عامًا، نَشعر أنّ للأحداث روحًا، روحًا جَماعيّة، لا مجرّد أَفعال متناثِرة أو مشارَكة تقنيّة باردة. لقد بُنيت تلك الروح من صِدق المَوقف، وزَخَم المشاركَة الواسعة، وشعور الناس بأنّ هذا العمل منهم وإليهم، وأنه يعبّر عنهم ويَحمل قضيتهم. تَشعُر بهذه الروح، وتعيش تلك الأجواء، عند وَصف دخول طلاب طمرة إلى قاعَة المؤتمَر الشعبي، وعندَ انطلاق المَسيرة في سخنين بَعد انتهاء المهرجان الشعبيّ، وفي تطوّر الأحداث، بشكل تلقائيّ أحيانًا وكردّ فعل على محاولات القمع أحيانًا أخرى، وفي شَهادات الناس، وما إلى ذلك. 

الثّقة والشَرعيّة والقِيادة

بُنيت شَرعية قرار إضراب يوم الأرض مع اتّساع الزَّخم الشعبي الاحتجاجي ضدّ مصادَرة الأراضي وهدم البيوت ومخَّططات التّهويد العنصرية. وقد بُني هذا التأييد الشعبي مع بناء الثقة مع القيادات القُطرية والمحلية التي كانت في مقدّمة المحتجين والمطالِبين بوقف المُصادَرة وإرجاع الحقوق للناس، والتي عَمِلت على تأطير المتضرّرين والناشطين، لا الاكتفاء بالتحدّث باسمهم. وقد ساهَم هذا التوجُّه في أن تتحوّل فئات واسعة من أبناء المجتمَع، من عمال وفلاحين وطلاب ومشايخ ورجال دين وغيرهم، إلى فاعِلين في هذا الحِراك النضالي.

يُظهر تتبّع تطوُّر الأحداث، بشكل واضح، دَور القيادة التي درَست كلّ خطوة من جميع أبعادها، واهتمّت بتوسيع دائرة القِيادات، وأبرزَت ذلك في منشوراتها، كي تؤكّد أن هذا النضال هو مُلك الجماهير كلّها. كما يُبرز تَوثيق النشاطات والأخبار مشاركَة واسعة لشخصيّات ووفود من شتى المدن والقرى والمناطق والطوائف، إلى جانب الشيوعييّن وشركائهم من الشخصيّات والقُوى الوطنية. كذلك كانت أسماء أعضاء اللجان التحضيريّة ولجنة الدفاع عن الأرض مَعروفة، ونُشرت في الوثائق والأخبار المختلفة. ومن اللافت أنّه، رغم تَسارع الأحداث داخل مجتمعِنا، لم تُهمِل قيادة حِراك يوم الأرض العَمل على الشارع اليهودي، ولا السّعي إلى تجنيد قُوى ديمقراطية داعمة لنضال العرب. وقد تجلّى ذلك في المؤتمَرات الصحافية الموجَّهة إلى الصحافة العبرية، ومشارَكة متضامنين يهود في النّشاطات الاحتجاجية، وتَجنيد مثقفين داعمين لحُقوق العرب.

صحيحٌ أنّ قسمًا من القرارات المتعلّقة بيوم الأرض اتُّخذ في هيئات الحزب الشيوعي، لكنّ هذه القرارات ما كان لها أَن تمرّ لولا الرُّؤية التي سَعَت إلى بِناء تحالُفات وشَراكات وقَواعد شعبيّة، والعمَل ضمن أُطر شعبية واسعة شمِلت شخصيّات وناشِطين كثيرين كان لهُم دَور مُهِم في هذه السّيرورة. وكان دَور القيادات مهمًا على طول المَسار الذي أدّى إلى يوم الأرض، لكنّه بدا حاسمًا في بعض المَحَطات، ومن أبرزِها الموقِف الذي قادَه توفيق زياد، ومَعه عدَد من رؤساء السّلطات المحلية، للتصدّي لمحاولة إلغاء قرار الإضراب عَبر رؤساء السّلطات المحلية العربية، وهي المحاوَلة التي رافَقَها قمْع بوليسي للمظاهرة الشعبيّة خارج بلدية شفاعمرو الدّاعمة للإضراب. أظهَرَ هذا الصّدام بين شَرعيتين؛ شرعية المؤسَّسات الرسميّة والسّلطات من جهة، وشرعيّة الشعب من جهة أخرى، أَظهَرَ بوضوح أنّ الشرعيّة الشعبية كانت الأَهَم، وأنّها هي التي امتلَكَت التّأثير الحاسم.

إنضاج الظّروف لعودة الروح

لعلّ الدَّرس الأَهَم الذي يَضَعه يوم الأرض أَمامَنا اليوم هو أنّ النهوضَ مَشروط بالقُدرة على التّسييس، وعَلى تحويل الغَضَب وعَدالة القضيّة إلى فِعل جَماعي منظَّم، طويل النفَس، ومتجذّر في الناس. وما شهِدناه مؤخرًا، خلال الهبّة التي بدأَت في سخنين كمبادَرة فردية ثمّ ما لبثت أن اتّسعت، وما أطلقَته من حراك ورَغبة شعبية في العمل النضالي لمواجَهَة ظاهرة الجريمة في مجتمعنا، حَمَل شيئًا مهمًا من تلك الروح التي طالَ انتظارها: روحُ المبادَرة، والالتفاف حول الهمّ الجَمعي، واستعادة الثقة بإمكانية الفِعل والتأثير. لكن هل الظروف ناضِجَة اليوم لفعلٍ سياسي بحَجم يوم الأرض؟ وما الذي يَجب فِعله لإنضاج هذه الظروف؟

تُعلّمنا دروس يوم الأرض الكثير عن أهميّة العَمل النضالي المنظَّم، والشعبي، والمَدروس، والمسؤول. كما تُؤكد أهمية وجود حزب سياسي منظِّم، له رؤية واسعة، وحضور شعبي، وقُدرة على تَأطير الناس وبناء الثّقة معهم. في مجتمَعنا اليوم أحزاب كثيرة، لكنّ الحياة الحزبية والسياسية تَشهَد، في تقديري، تراجعًا ملحوظًا، حتى بات عَمل معظم الأحزاب محصورًا، إلى حدّ كبير، في الانتخابات البرلمانية، أو دور قياداتها البرلماني والسياسي، إضافةً إلى حالة الانقسام الآخذة بالاتّساع بينها حَول القَضايا الجوهرية، وتراجُع حضورها وتأثيرها في السّلطات المحلية والمجتمع عمومًا. كانَ يمكن لحالة التعدّدية الحزبية أَن تُسهم في تطوير المجتمَع وتجنيده، لو طَرَحت الأحزاب رؤيةً سياسية واسعة، وعمّقت حضورها الشعبي، واتفقَت فيما بينها على إستراتيجية نضالية تتناسَب مع حالتنا كأقليّة مقموعة في وطنها، ضِمن أوضاع محلية وإقليمية وعالميّة بالغة التّعقيد. كذلك فإنّ وجود هيئات تمثيليّة فاعِلة هو ضَرورة في حالة مجتمعنا، ومن الضّروري أن تَعمل الأحزاب، إلى جانِب سائر مركِّبات المجتمع، من سلطات محلية وجمعيات وحَركات وحِراكات متنوعة، على تعزيز مكانة هذه الهيئات وتأثيرها، وتَطوير قدرتها على القيام بدورها الجامِع والفاعِل. تزدادُ أهمية العمل المنظَّم اليوم بالذات في ظلّ الأَخطار والتّهديدات التي يَعيشها مجتمعنا وشعبنا، فكلّ خطوة يَجب أَن تكون محسوبَة. كما تزداد الحاجَة إلى الاستمرارية والمثابَرة في العمل داخل مجتمعنا، وفي مواجهَة السلطات.

تنشَط في مجتمَعنا اليوم أيضًا جمعيات عديدة، وهي ظاهِرة أخذَت تنمو في العقود الأربعة الأخيرة. ولكلّ منها أجندتها ومصالِحها، ويَلعب قسم منها دورًا مهمًا فعلًا. مع ذلك، لا تَستطيع الجمعيات أَن تَحل مكان الأحزاب، ولا مكان القيادات السياسية، ولا مكان العَمَل الشعبي، ولا مكان الهيئات التمثيليّة. كما أنّ اتّساع العمل الجمعياتي على حساب العمل السياسي والشعبي، الذي يَشهد ضعفًا واضحًا، قد يُضعف مجتمعَنا، وقد يَخدم، في بعض الحالات، مشاريعَ تُسهم في إفراغ قضايانا من بُعدها السياسي، وهو ما لا يصبّ، في نهاية الأمر، في تقويَة مجتمعنا. لذلك، يُصبِح التّفكير في كيفيّة بناء عَلاقة متكامِلَة بين الحزبي، والشعبي، والجمعياتي، والمبادرات المختلفة والتمثيليّ، على نحو يقوّي مجتمعَنا ونضالَه، مسألة ضروريّة في ظلّ ما يعيشُه مجتمعنا من ظُروف وما يحيط به من تهديدات.  

لا بد من الإشارة هنا إلى إنّ هذه القضايا تتطلّب تعمقًا ويَصعُب الخوض في كلّ حيثياتها في هذه المقالة.

لقد كانت حالَة الإجماع الكفاحي والشعبي، والشّرعية التي تمتَّعت بها القُوى التي قادت نضال يوم الأرض، وطُروحاتها التي تناسبَت مع نَبض الجماهير وجُهوزيّتها، من أهمّ مفاتيح نجاحِه. في واقعِنا اليوم، هناك حاجَة إلى دَفعَة كبيرة من العمَل بين مُركّبات المجتمع المختلفة، لبناء هذه الحالَة من جديد، وإنضاج الظروف لأيّ نضال يتناسَب مَع حجم القهْر الذي نعيشه. هذا يتطلّب مراجَعة جريئة وعميقة لفحص مواطن ضَعفنا، والعمل على معالجتها، وتطوير عملنا الجَمعي، والاستفادة بشكلٍ أفضَل من إمكانات مجتمعِنا وقدراته القائمة، وتَعزيزها، وِمن دُروس يوم الأرض الأول التي لا تزال مُهمة رغم مرور خمسين عامًا. عندها فقط يُمكن لتلك الروح التي لاحَت في سخنين أن تتحولّ من ومضَة واعدة إلى سيرورة نضاليّة متماسِكة، تُقوّي مجتمعَنا، وتعزّز تماسُكه، وتَفتح أمامَه إمكانات أوسَع للعمل داخله وفي مواجهَة المَنظومة المهيمِنة، بما يُسهم في تغيير الواقع.


تصوير: الصحفي زكي شواهنة.

د. شرف حسّان

متخصص في علم الإجتماع السياسي والتربوي وناشط إجتماعي وسياسي.

رأيك يهمنا