الحَرْبُ وَمَنْطِقُ القَلَق

تَطرَح الحُروب علينا أسئلةً كثيرة، وتُثير عددًا كبيرًا من القضايا والمعضِلات والتحدّيات. ومُنذ ما يقارب ثَلاث سنوات، يَعيش الشعب الفلسطيني ظروفًا صَعبة وقاسية بشكلٍ خاص، ولا سيما في ظلّ ما واجَهَه في قطاع غزة مِن حرب إبادة، وتَجويع، وتَهجير، وقمع. ومَع أنّ العدوان على غزة عَرَف مراحلَ متفاوِتَة من التّصعيد والتهدئة، فإنّ الحربَ والمعاناة ما زالَتا متواصِلتين.

وكَما اتّسَم العدوان على غزة بطابَع وخصائص خاصّة، فإنّ العدوانَين الأَخيرَين على إيران يَحمِلان بدورهما ملامِح مميَّزة، ولا سيما الهجوم الذي شنّته كلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل معًا في أَوج المحادثات الدبلوماسية بين الوفدين الأمريكي والإيراني. 

ومَع أنّ هذا العدوان يُناقض المواثيق والقوانين الدولية، ويمثّل خرقًا واضحًا لمبدأ السيادة واستخفافًا بالمؤسّسات الدولية، فقد اتّسع ليشمَل دولًا عديدة في المنطقة، ولم يَعد مقصورًا على إسرائيل والولايات المتحدة وإيران.

حاولتُ في ضَوء هذا الوضع المركّب والمعقّد أن أطرَح سؤالًا: ما الشّعور المشترَك الذي يخيّم على مَن يَعيش في منطقة تتأجّج فيها الحَرب في هذه المرحَلة الراهِنة، بِصَرف النَّظر عن موقعِه الجغرافيّ، أو انتمائه أو أيديولوجيّته أو هويَّته؟ 

يبدو أنّ ثمة خيطًا حسّاسًا يربط بين هؤلاء جميعًا، على اختلاف مواقعهم ومواقفهم وطموحاتهم ورغباتهم، التي قد تكون متناقِضة في كثير من الأحيان، وهذا الخَيط، في اعتقادي، هو القَلَق. 

فالقلق، في لحظات التاريخ المضطربة، يتحوّل إلى تجربة إنسانية مشترَكة تتجاوَز الحدود والهويّات، وتَكشف عن هَشاشة الوجود الإنساني حين يَجِد الإنسان نفسَه في مواجهَة المجهول، وفي بحثٍ دائم عن الشُّروط الأساسيّة للحياة والأمان، وَسَط انحسار المَعنى، والخَوف من المستقبَل، وازدياد الشكّ، وتَضاؤُل اليَقين.

غير أنّ الحديث عن القَلق يقتَضي التّمييز بينه وبين الخوف، إذ كثيرًا ما يُستخدَم المفهومان على نحو مترادِف رغم اختلافهما. فالخوف غالبًا ما يكون موجّهًا نحو خَطَر محدّد وواضح المَعالم، كتهديد مباشر أو حَدَث متوقَّع يمكن تحديد مَصدَرِه. أمّا القلق فهو حالة أكثر اتساعًا وغموضًا؛ إذ لا يتعلّق دائمًا بخطَر محدّد بقدر ما يرتَبط بإحساسٍ عام بعدَم اليَقين، نتيجة تهديدات لا يُمكن السّيطرة عليها أو تجنُّبها.

لهذا رأى الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغور أنّ القلق هو «دُوار الحرّية»، أي الحالَة التي يشعُر فيها الإنسان بارتباك عميق أَمام اتّساع الإمكانات وغُموض المَصير. أمّا الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر فقد اعتبَر القلق تَجربة وجودية تَكشف للإنسان هَشاشَة وجودِه وانكشافه أَمام المَجهول. من هذا المَنظور يُمكن القول إنّ الحروب لا تولّد الخوف فحسب، بل تُنتج أيضًا مناخًا واسعًا من القلق، لأنّ آثارها لا تتوقّف عندَ خَطَر محدّد، بل تمتَد إلى زعزعة الشّعور بالأمان والمَعنى والاستقرار.

قَبل أن نَخوض في مَفهوم القلق: تَعريفه، وصُوَره وتجليّاته، وأَسبابُه وتَبِعاتُه، يَجدُر بنا أن ننتبه إلى أنّنا نتحدّث عن ظاهرة تتبدّى في مستويات متعدّدة: على مستوى الفَرد، والأُسرة، والحيّ، والبلدة، ثم تَمتد إلى الوطن والشعب والدولة، بل وربما إلى العالَم بِأَسرِه. يَظهَر ذلك بوضوح في أيّام الحَرب، من خِلال سُلوك الناس اليوميّ: البَحث عن أَماكن آمنة، الكلام أو الصّمت، إظهار بَعض الرّغبات والطموحات أو إخفاؤها، والانشغال الدائم بالسؤال عن متى وكيف ستنتهي الحرب، وكيفَ ستؤثّر السيناريوهات المحتَمَلة في الفَرد والجَماعة، وفي ضيق الآفاق أو اتّساعِها.

لقد قدّم العَديد من الفلاسفة وعلَماء النّفس والمحللون النفسيّون تعريفات متعدّدة للقلق، مِن بينهم سورين كيركغور، ومارتن هايدغر، وبول تيليش، وأبو حامد الغزالي، وأبو بكر الرازي، وابن سينا، وجان بول سارتر، وألبير كامو، وفريدريش نيتشه، وسيغموند فرويد، وآخرون. ويَقول رولو ماي في كتابه المُهم "مَعنى القَلَق": "القلق هو الشعور الذي يَنشأ عندما تتعرّض قيمة أساسيّة في وُجود الإنسان للتّهديد". بينما يَرى بول تيليش أنّ القلق هو الحالة التي يدرِك فيها الإنسان تهديدًا موجّهًا إلى وُجوده نفسه.

للقلق في الحرب صُوَر وتجلّيات متعدّدة. فعلى سبيل المثال، إذا تأمّلنا في تَسميات الحَرب الحاليّة لدى الأَطراف المختلفَة، نَجد أنّ لكلّ طرَف اسمًا يَمنح به حربَه دلالة رمزيّة خاصة؛ فقد أَطلقَت إسرائيل على الحرب اسم "زئير الأسَد"، وأطلَقَت الولايات المتحدة عليها اسم "الغَضَب الجارف"، بينما أطلَقَت إيران عليها اسم "الوَعد الصادق 4"، وأَطلَق "حزب الله" عليها اسم "العَصف المأْكول".

لا تَبدو هذه التّسميات مجرّد عناوين، بل تَحمل في طيّاتها وظائف نفسية ورمزية؛ فهي تَسعى، مِن جهة، إلى تَقليل التوتّر والقلق داخل جمهورها عَبر إِظهار القوّة والثّقة، ومن جهة أخرى إلى تَخويف الخَصم وإرهابه وإثارة القلق في صفوفه.

فالأسماء التي تُطلق على الحروب ليست حياديّة، بل هي جزء من الحرب بوسائل أُخرى، تُوظَّف فيها اللغة والرموز والتراث والذاكرة من أجل تَعزيز التّماسك الداخلي وبثّ الثقة لدى طَرَف، وإثارة مشاعر الضَعف والخوف لدى الطّرف الآخر. إنّها، في جوهرها، معركة على الوعي وهندَسَته، وعلى كيفيّة استيعاب الجَماعات للواقع وتذويته، بحيث تُصبِح هذه التّسميات لَبِنات جديدة في سرديّات كبرى لا تزال قَيد التشكّل.

للقَلَق تَبِعات متعدّدة ومتنوعة: شَخصية وجماعية، اجتماعية وسياسية واقتصادية ونفسية، منها ما يَظهر بشكل فَوري، ومنها ما يتجلّى على المَدَيين المتوسّط والبعيد.

صحيح أنّ الشّعور بالقَلَق لدى الفلسطينيين ليسَ ظاهرة جديدة؛ فهو قلق متواصل منذ أكثَر من مائة عام، تَرِثُه وتَشعُر به الأجيال المتعاقِبَة. وقَد شَهِد هذا القلق محطّات مؤسّسة، أبرَزُها النكبة وما سَبَقَها وما تَلاها حتى اللحظة الرّاهنة. غيرَ أنّ الوضع الحالي يُفاقِم هذا الشّعور، نتيجة لحالة الدّمار والتشتّت والانقسام والاغتراب، وغِياب العُمق الإستراتيجي، وفُقدان القيادة الجماعية، وعدم الاتفاق على رؤى موحَّدة، فضلًا عن تَغيّر موازين القُوى في المنطقة، وازدياد قوّة اليمين الفاشي–المسياني في إسرائيل، ووجود نظام عالميّ هشّ ومتواطئ.

إذا حاوَلنا في خِتام هذه المُساهَمة تَسليط الضوء على المجتمع الفلسطيني في الداخل، فإنّ الشعور بالقلق حاضر أيضًا نتيجة لمُعيقات بنيويّة متواصلة، إلى جانب عوامل داخلية وخارجية متعدّدة. فحالة انعدام الأَمان بسبب تفشي الجريمة من جهة، ومخاطر الحرب ونتائجها من جهة أُخرى، إضافة إلى انتشار العنصرية الشعبية والمؤسّساتية، وعَدَم وضوح المَسار الذي تتّجه إليه المنطقة، كلّها عَوامل تُسهم في اتّساع دائرة القلق.

بهذا المَعنى، قد يكون التحدّي الأكبر أَمام المجتمع الفلسطيني في الداخل هو القدرة على تَحويل القلق من حالة تشتّت وانكفاء إلى قُوة دافعة نَحو مَزيد من الوعي والتنظيم والتماسك، بحيث يصبح القلق نفسُه لحظة تأمّل وإعادة نظَر في طُرق الفكر، وأَشكال الفِعل الممكِنة. 

ومن أَجل مواجهة هذا القلق، تَبدو الحاجة مُلحّة إلى تعزيز الفرد والجماعة وتمكينهما، وتقوية التّماسك الاجتماعي، وترسيخ القيم الأخلاقية، وتعزيز الهويّة والانتماء والوِحدة الاجتماعية والسياسية، والانكشاف على التوجّهات المتعدّدة والبحث عن سُبل الحكمة والتوازن والقيم في إدارة الراهن والمستقبَل.

المحامي علي أحمد حيدر

مثقّف وناشط فلسطيني مختصّ بالحقوق والسياسة.

رأيك يهمنا

مقالات متعلقة