صِدامُ الأُصوليّات: ليندسي غراهام نَموذَجًا

ليندسي جراهام، السيناتور الأمريكي عن ولاية كارولاينا الجنوبية، الذي يصرّح يمينًا وشمالًا وكأنّه صانع قرار في "البيت الأبيض" والخارجية والحربية في وقت واحد، يُقَدِّم نموذجًا لماكينة السُمّ والتّحريض والجَهل أيضًا، فهو يَدعو صراحة إلى تكرار ما تمّ فِعله في اليابان وألمانيا لضمان تَغيير الشعوب والحدود والثقافة، إنّه يَدعو صراحَة إلى الإزالَة والحَذف، وكأنّ الناس مجرّد ديكور في لعبة كمبيوتر، وهو لا يُخفي كراهيّته الشّديدة وعداءَه السافِر للإسلام والمسلمين، ولا يَتوانى عن وَصف ما يَجري بأنّه حرب دينية، المنتصِر فيها سيحدّد شَكل المرحلة لأَلف سنة قادمة، وهذا ما يُذّكر بعقيدة الألفيّة السعيدة، حيث يَنتصر الخير على الشرّ حَسب الأَجندات الاستعمارية طبعًا.

يُقدّم جراهام هذا نموذجًا للعقلية المتطرّفة المغلَقَة التي تُفصِّل النصوص الدينية كما تُريد، وتُحوّلها من صلة روحيّة دينية إلى تَبرير استعماري يُبيح القَتل والتشريد والتدمير، والمشكِلة هُنا التي تَدفع إلى الشعور بالعَبث العقلي، أنّ ما يقوله هذا الرجل يأتي في سياق مِن الرِفعَة الأخلاقية والفكريّة، بمعنى أنّ تبريره الدمارَ والقَتل والإبادة ما هو إلّا جُزء أَصيل من النظام الليبرالي الذي يَبدو أنّه لا يَكتَمل إلّا به، وفي هذا ذروَة التّناقض والسّخرية في آن معًا، وكأنّ الليبرالية لا تكون إلّا على حِساب الشّعوب، وكأنّ الليبرالية لا تَعبُد إلّا نفسَها ولا تَعيش إلّا لِذاتِها.

السُمّ الذي يَنفُثُه غراهام في كلّ مَكان، تَهديدًا وعدوانيةً وكراهية، هو نَموذج بغيض للتيارات الأُصولية العَريضة، ليس في الولايات المتحدة فقط، وإنّما في أماكن كثيرة في العالَم، بما فيها إسرائيل طبعًا، حَيث تَكتَسِب فِكرَة بِناء الهَيكل زخمًا كبيرًا.

ليندسي غراهام هو نَموذج يُمثل قادة اليمين المسيحي ودُعاة التراث اليهودي المسيحي في الولايات المتّحدة ومُبَشّريه، الذين لهُم تَأثير هائِل على مُجمَل صناّع السياسة والإِعلام والثقافة، واستطاعوا فَرض رُؤاهم الدينيّة الحَرفيّة على صُنع القَرار السياسي، وهو أَمرٌ واضِح وجليّ منذ بِدايات تكوّن الولايات المتحدة، بحيث ارتَبَط في وعيُ مؤسّسي هذه الولايات بأنّ ظُهورها تَجسيد لـ"نهاية الزّمان"، لِهذا لَم يَكُن مِن المستغرَب أن يَرى هؤلاء المؤسّسون في إقامة إسرائيل دليلًا على ذلك، أمّا أسباب اهتمام الآباء المؤسّسين بالفِكر الأخروي ونهاية الزَمان، فهي كالآتي:

  1. الاعتقاد بأنّ أمريكا أُمّة فَضّلَتها العِناية الإلهيّة وخصّتها بمهمّة مقدَّسَة مُنذ بَدء الاستيطان الأوروبي للقارة، فقد اعتقد الطَّهوريون أنّ أمريكا هي في الحَقيقة "صهيون الجَديدة"، وتردّد هذا الاعتقاد في فترات متعدّدة من تاريخ أمريكا.

  2. الادّعاءات الأمريكية المستمرّة بأنّ لأمريكا مهمة مقدَّسة أُخرى، هي نَشر الديمقراطية والحريّة والعلوم والنزعة الإنسانيّة في كلّ أنحاء العالَم، هذا النوع من التفكير غالبًا ما يُشجّع النظرة الذاتيّة الطوباوية، ويَرفِد أيضًا أفكار الألفيّة ونبوءات آخر الزّمان ودَور أمريكا فيها.

  3. انتَشَر نتيجةً لهذه المعتقَدات والأفكار، الحماسُ التبشيريّ بشكل أسرَع وأوسَع في أمريكا منه في أوروبا، وساعَدَ بدوره على قَبول الأفكار الألفيّة واقتراب نهاية الزَمان.

بما أنّ هذا المعتقَد يَفترض أن يأتي المشيح المخلّص إلى "الشعب المُختار"، وهو الشعب الذي آمَن به - أي يتم استبدال الشعب المُختار اليهودي بالشعب المختار الثاني، وهو الذي آمَن بألوهية المسيح حسب تَعبير الدكتور المسيري رحمه الله -، فإن ذلك يَفتَرض دعم إسرائيل كدليل على صحّة النُبوءات، والأهمّ هو أنّ ترجمة هذا الفِكر الأخروي في الولايات المتّحدة تحوّل إلى سياسات ومؤسّسات ودَعم لإسرائيل وتَماثُل معها، ومشارَكة في حُروبها.

يتضمّن هذا الفِكر الأخروي المنتشِر بقوة، على مستوى النُّخبة والجَماهير، أُمورًا أُخرى، مثل ما يسمّى بـ "خُطّة الله للدهر"، وهي خُطة مأخوذة من التفسيرات الحرفيّة لنبوءات الكتاب المقدَّس، مقسَّمة إلى عدَد من الفترات الزمنيّة، حيث تتميّز كلّ فَترة بأَحداث جِسام، ونَحن نَعيش حَسبَها في "الخُطة في المرحلة الرابعة" التي تتميّز بعَودة المَشيح - ملك الملوك ورب الأرباب - فيُهزم الشرّ في معركة مجدّو، ويَجتمع حولَه المؤمنون والمخلّصون الذين نَجَوا من مِحنَة المَرحلة الثالثة وسيُعمّر هؤلاء المملكة الألفية.

لا يَدور الحديث هنا عَن جَدَل أكاديميّ نخبويّ، بل يتحوّل إلى تَيارات عَريضة تَدعَم دون قَيد أَو شَرط "عَودة" اليهود إلى أَرض الميعاد، وتَأسيس دولة إسرائيل ... وكلّ مَن يَعتقد بأنّ حقّ اليهود بهذه الأرض مَدعومٌ بالكتاب المقدَّس هو صهيوني، وقد استطاعَت هذه الأَفكار تَشكيل الرأي العام الأمريكي وربّما سياسة أمريكا الخارجيّة.

تتمثّل هذه الأفكار والرّؤى على النحو الآتي:

  • رَبط التنبّؤات حرفيًا وتفصيليًا بما يَجري من أحداث عالميّة، وبصورَة خاصة بما يَجري في العالم العربي.

  • وَضع إسرائيل، الدولة السياسيّة، في بُؤرة هذه الأحداث، على أنّها موضوع النّبوءات الرّئيس، والدعوة إلى دَعمها سياسيًا وماديًا وعسكريًا، لأنّ ذلك من عَلامات الساعة.

  • العِداء الرّهيب الذي يُكنّه هؤلاء الدُعاة للإسلام والمسلمين، بل دعوتُهم إلى إبادَة الإسلام كشَرط مِن شروط تَحقيق النّبوءات.

  • اشتراك هؤلاء الدّعاة في النشاط التبشيريّ المَحموم، وخاصةً في العالم الإسلامي، لأنّ ذلك أيضًا يُعجّل بتحقيق هذه النّبوءات.

يتحدّث لندسي غراهام – لأَسباب علنيّة وخفيّة – بوَقاحة كبيرة، ويُعبّر عن هذا الفِكر المُنحرف في تَعامله مع النّصوص الدينية مستغلًا مرحَلة الضّعف والتفكّك، وهو ليس وَحدَه في هذا المَجال، فهناك حَملة ممنهَجَة، إعلامية وسياسية، ضدّ الوجود العربي والفلسطيني والإسلامي في الولايات المتّحدة، في محاولة مَكشوفة لحرف الأنظار وتَغيير الاهتمامات.

توفِّر الحَرب الأخيرة أرضيّة خَصبة لاستثمار هذا الفِكر المتطرّف وتَرويجِه والدّعوة إليه، وهو فِكرٌ قَد يَقود – لأسباب أخرى – إلى حَرب عالميّة لا تُبقي ولا تَذَر.

د. أحمد رفيق عوض

رئيس "مركز القدس للدراسات المستقبلية" في جامعة القدس.

رأيك يهمنا