الإِعلام كَفَضاء للمُقاوَمَة والوَعي: عَن إِعادَة وَصْل ما جَرى فَصْلُه

في الأسبوع الماضي، وخِلال عودَتي الأسبوعية من رام الله إلى القدس، استمعتُ إلى برنامج إذاعيّ مفتوح الخُطوط يناقش تحوّلات أدوار الجندر في المجتمع الفلسطيني. لم يكن النقاش منفصلًا عن لحظته السياسية، بل جاء مرتبطًا مباشرة بالحرب على غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما رافقَها من مَنع العمّال من الوصول إلى أعمالهم، سواء من الضفة الغربية أو القدس، في سياق شَمل فلسطين بأكملها. ما طُرح لم يكن توصيفًا لأَزمة اجتماعية عابرة، بل محاولةً لفهم تحوّل أعمَق في مَعنى العمل، والكرامة، والمسؤولية، تحت ضغط الانقطاع الاقتصادي والواقع الاستعماري.

تحدّث المتّصلون عن نساء أصبحن المُعيل الوحيد لأُسرهن، يتحمّلن عبء العمل المأجور والمنزلي معًا، في مقابل رجال وجَدوا أنفسهم عاطلين عن العمل أو منسحبين تدريجيًا من أدوارهم الاقتصادية والاجتماعية. مع تقدّم النقاش، اتّضح أن المسألة لا تتعلّق بإعادة توزيع أدوار داخل الأُسرة فحسب، بل بأَزمة أوسع في العلاقة مع العَمَل نفسه. القبول الاجتماعي بانسحاب الرجل من دوره، أو لجوء بعض المراهقين إلى التسوّل بدل البحث عن عمل، لم يُطرح كخلل أخلاقي فرديّ، بل كأَثَر لانهيار بنيوي في شروط الكرامة.

في هذه القراءة، لا يُمكن فصل التحوّلات الاجتماعية عن سياقها السياسي. فالاقتصاد الفلسطيني، الخاضع لمنظومة استعمارية تتحكّم بالحركة والعمل والرزق، لا يُنتج الفقر فقط، بل يُعيد تشكيل مَعنى المسؤولية ذاتها. حين يُحرَم الإنسان من حقّه في العمل، يصبح الانسحاب الاجتماعي نتيجة متوقّعة، لا خيارًا شخصيًا. من هنا، يتحوّل السؤال إلى سؤال سياسيّ بامتياز: كيف تؤثّر هذه التحوّلات على المَشروع الوطني، وعلى قدرة المجتمع على الحفاظ على حدّ أدنى من المساءَلة الداخلية؟

ما مَنَح هذا البرنامج أهميته لم يكن موضوعَه وحده، بل الفَضاء الذي أتاحَه. لقد فَتَح مَساحة نقاش رفضت اختزال الأزمة في عامل واحد، وسَمَحت بنقد ذاتيّ نابع من قلق حقيقي على المسار العام. في هذا المعنى، يظهر الإعلام ليس كناقل للخبر، بل كمساحة لإنتاج الوعي، تُحدّد ما يمكن التفكير فيه، ومن يملك حقّ الكلام، وأيّ أسئلة يمكن طرحها أصلًا.

تتجلّى أهمية هذا الدور اليوم بوضوح أشدّ، في ظلّ أول إبادة جماعية تُبثّ على الهواء مباشرة. حجم العنف في غزة جعل التّعتيم الكامل مستحيلًا، لكن التغطية الإعلامية لم تكن بريئة. في «اقتصاد الانتباه» العالمي، تحوّلت الحرب إلى محتوى صادم يُفصل عن سياقه السياسي، ويُعاد تَدويره بوصفه مادة إنسانية قابلة للاستهلاك، من دون تَحميل واضِح للمسؤولية.

هُنا بَرَزَ التناقض: الواقع كان أَقوى من التوجيه الإعلامي. الصور والشهادات اخترقت اللغة الملتفّة، وخلقت فجوة بين ما يُعرض على الشاشات وما يُسمَح باستنتاجه سياسيًا. يتجلّى ذلك بوضوح في التغطية الغربية لحالات مثل مَقتل الطفلة هند رجب، حيث تحلّ عناوين من قبيل «عُثر عليها ميتة» محلّ توصيف القتل المباشر، مع تغييب كامل للفاعل. هذا ليس خللًا لغويًا عابرًا، بل اختيارًا تحريريًا يَنقل الحدث من حيّز الجريمة إلى حيّز «الواقعة الإنسانية» المجرّدة، ويُفرغ العُنف من جذوره الاستعمارية.

في هذا الانكشاف، بَرَزَت فجوة متزايِدة بين القيادات السياسية الرسميّة ومجتمعاتها. لم تَعُد الشرعية تُنتَج حصريًا عبر الحكومات، بل انتقلت جزئيًا إلى فاعلين مارسوا شكلًا من «القيادة الأخلاقية»: كتّاب، وفنانون، وصحافيون مستقلون، امتلكوا القدرة على تسمية العنف وربطه بسياقه السياسي، في مواجهة خطاب إعلامي سائد يصرّ على تجريد الجرائم من سياقها. لا يعكس هذا التحوّل تفوّقًا أخلاقيًا فرديًا بقدر ما يكشف أزمة تمثيل عميقة، حيث باتت الحكومات عاجزة عن تبرير سياساتها أمام مجتمعاتها.

بالتوازي مع هذا التراجع في مهنية الإعلام التقليدي، برز الإعلام البديل، ومعه الإعلام الفلسطيني، بوصفه مساحة أعادت الاعتبار للحقوق والسياق التاريخي. أتاح هذا الإعلام نقل المعلومات حيًّا، وتحديثها باستمرار، وربط الحدَث الراهن بامتداداته الاستعمارية، من الانتداب البريطاني إلى البنية القانونية والسياسية المعاصرة. الأهم أنه قدّم الوقائع بوصفها معطيات، لا آراء، ما مكّن المتلقّي من بناء موقفه الخاص بدَل تلقّي سردية جاهزة.

داخليًا، لعب الإعلام الفلسطيني دورًا مركزيًا في سدّ فراغ عميق في الوعي الوطني، خصوصًا لدى أجيال حُرمت بشكل منهجي من تاريخها وذاكرتها، بفعل سياسات تعليميّة ورقابية هدفت إلى تفكيك المَعنى الجمعي: من حظر المنهاج الفلسطيني في القدس الشرقية، إلى أنظمة الرقابة في أراضي 1948، إلى التفكيك الجغرافي والقانوني في الضفة الغربية، وصولًا إلى الحصار في غزة.

 لم يكن هذا التشظّي انعكاسًا طبيعيًا لاختلافات داخلية، بل نتيجة سياسة مَقصودة تهدف إلى إنتاج فئات فلسطينية منفصلة، لكلّ منها شروط حياة وسقف وعي مختلف.

هنا، لا يعود الإعلام مجرد وسيط، ولا مصدرًا بديلًا للشرعية، بل مساحة ضرورية لتداول المعرفة في زمن غياب القيادة القادرة على التمثيل الحقيقي. الإعلام لا يمنح الشرعية، لكنّه يتيح شروطها: يفتح المجال أمام الوقائع كي تتحرّك، وأمام الأسئلة كي تُطرح، وأمام المجتمع كي يرى نفسه خارج الخطاب المفروض عليه. في لحظة يتّسع فيها الفراغ بين السلطة والناس، تصبح هذه المساحة بحدّ ذاتها فعلًا سياسيًا.

من هذا الموقع، لا تكون النقاشات الداخلية حول الجندر، والعمل، والكرامة انشغالًا جانبيًا في زمن الإبادة، بل تعبيرًا عن قدرة المجتمع على التفكير بذاته في أقسى الظروف. ما فَعَله الإعلام الفلسطيني، ومعه المنصّات البديلة، هو إعادة وَصْل ما جرى فصله عمدًا: بين التاريخ والحاضر، بين الفرد والجماعة، وبين الفلسطيني في غزة، والضفة الغربية، والقدس، وأراضي 1948. ما سيأتي بعد ذلك لا يزال مفتوحًا على الاحتمال، لكن المؤكّد أن مجتمعًا يمتلك القدرة على الحوار، وعلى إنتاج مَعنى جماعيّ، هو مجتمع يضع الأساس لقيادة تنبُع من وعيه، لا تُفرض عليه، والرواية لا تُدار من خارجه، بل تُبنى من داخله.

عايدة قليبو

حقوقية وناشطة نسوية تقاطعية وتفكيكية فلسطينية من مدينة القدس. تجمع في مسيرتها بين التخصص الأكاديمي والالتزام الميداني. حاصلة على درجة البكالوريوس في القانون الدولي وحقوق الإنسان من جامعة (القدس - بارد)، وماجستير في إدارة المؤسسات غير الربحية والقيادة من أجل التغيير الاجتماعي من الجامعة العبرية. 

رأيك يهمنا