عِندَما تَقودُ "الشّاشات" تَزدَهِرُ ثَقافَة القَطيع!

في سياق تَحليل الأَساليب الدعائيّة التي استخدمَها خِلال الحرب الأَخيرة على قطاع غزة، يُمكن القول إن الاحتلال نجح إلى حدٍّ كبير في استثمار أحداث السابع من أكتوبر لخدمة مشروعه الدّعائي والإعلامي، وتوظيفها بصورة ممنهجة لتبرير ما تلاها من عمليات عسكرية واسعة النطاق ومجازر بحقّ المدنيين العزّل. فقد جرى استخدام تلك العمليّة كنقطة ارتكاز لإعادَة تصدير الاحتلال أمام العالَم بوصفه "الضحية"، وإحياء خطابه التقليدي القائم على ثنائيّة "الدفاع عن النفس" و"محاربة الإرهاب"، رغم أن الواقع الميداني كشف نمطًا واضحًا من الإبادة الجماعية والتدمير الشامل للبنية السكانية والمدنية في القطاع.
وبالنظر إلى الأَثر الذي تركته تلك الأحداث على مستوى الرواية الدوليّة وصورة القضيّة الفلسطينية عالميًا، يمكن وصف ما جرى بأنه مثّل تحوّلًا دعائيًا بالغ الخطورة، أَحسَنت الآلة الإعلامية الصهيونية استثماره بفعالية. وهنا تبرز قراءة نقدية ترى أنّ ما حَدَث، رغم وقوعه في سياق الصراع التاريخي المفتوح مع الاحتلال، فإنه شكّل خطأً استراتيجيًا في توقيته وأسلوبه، إذ أتاح للاحتلال ذريعة قوية لتوسيع عدوانه، وساهم – خصوصًا في الأيام والأسابيع الأولى – في تحييد جزء من التعاطف الدولي الذي كان يمكن البناء عليه سياسيًا وإعلاميًا.
وقد تعزّز هذا الواقع بفعل التفوّق الإعلامي الهائل الذي يمتلكه الاحتلال، مدعومًا بشبكات إعلام عالمية وعلاقات سياسية دولية مكّنته من فرض روايته على الرأي العام العالمي، في الوقت الذي عانى فيه الطّرف الفلسطيني من ضَعف المنظومة الإعلامية، ومحدوديّة القدرة على إيصال حقيقة ما يجري على الأرض من جرائم قتل وتجويع وتدمير ممنهج.
من هنا، يُصبح من المشروع – ضمن أدوات التحليل السياسي، لا المزايَدَة العاطفية – طَرح تساؤلات حقيقية حول ما إذا كان من المُمكن تحقيق مكاسب نضالية بأساليب مختلفة، أقل كلفة على المدنيين، وأكثر قدرة على كسب الرأي العام العالمي، دون تقديم الذريعة الدعائية التي استخدمها الاحتلال لارتكاب جرائم إبادة جماعية وتدمير المُدن والأَحياء فوق رؤوس سكانها.
في هذا الإطار، يَبرز الفرق الجوهري بين "الواقعيين" و"الشعاراتيين". فالواقعيون غالبًا ما يَدفعون ثَمن مواقفهم من شعبيتهم، لأنّهم يختارون مواجَهَة الواقع كما هو، ويتحمّلون تَبعات القرارات الصّعبة من أجل المصلحة الفعلية للشعب، لا من أَجل كسب التصفيق. أما الشعاراتيون، فيركّزون على الخِطاب العاطفيّ والشعارات البرّاقة التي تُرضي الجُمهور، دون أن يقدّموا حلولًا حقيقية أو يفكّروا في النتائج بعيدة المدى.
الواقعي قد يبدو قاسيًا في الحاضر، لكنّه يفكّر في المستقبل. بينما الشعاراتي قد يبدو براقًا اليوم، لكنّه يَترك خلفه وعودًا فارغة وخيبات متكرّرة، يَدفع ثمنها الناس لا هو.
في زمنٍ باتت فيه العقول تُقاد عبر الشّاشات، لم يَعُد الرأي يُقاس بقوّة الحجة أو منطق الدليل، بل بعدد الإعجابات والتعليقات. أصبح المنشور الذي يحصد آلاف "اللايكات" يُنظر إليه باعتباره رأيًا صائبًا وعميقًا، حتى وإن خلا من أيّ مضمون حقيقي. أمّا الرأي المُخالِف، ولو كان أكثر نضجًا واتزانًا، فيُحاصَر ويُهاجَم، وقد يُدفع صاحبه إلى التراجع، لا لخطأ فِكرته، بل لأنّه لم يحظَ بالقبول الجماهيري.
هكذا تُقتل الأفكار، ويُجفَّف الاجتهاد، وتُفرض ثقافة القَطيع باعتبارها معيارَ الصواب. يتحوّل الخوف من العُزلة الرقمية أو الهجوم الإلكتروني إلى دافِع للتّماهي مع الرأي السائد، لا اقتناعًا به، بل هربًا من التّخوين والإقصاء. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، حين تتحوّل منصّات التّواصل إلى مَحاكم جماهيرية، لا يعلو فيها صوت العقل، بل صوت الأكثر ضجيجًا.
فالشمس لا تُرى من خلف الشّاشات. ليست كلّ صورة تُعرض تَعكس نور الحقيقة؛ أحيانًا لا نرى سوى ظلّها أو وهمًا عنها. من أَراد أن يعرف الحقيقة كما هي، فعليه أن يَخرج من خلف الزجاج والعَدَسات، وأن يعيش تحت أشّعتها المباشرة. حينها فقط سيدرك الفرق بين أن يَرى بعينيه، وأن يَسمع من غيره. فالحقيقة لا تُروى… بل تُعاش.

أشرف نافذ المجايدة
باحث وكاتب فلسطيني من غزة، حاصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة الأزهر. يتركّز اهتمامه بالتحليل السياسي والاجتماعي، وقضايا الصراع العربي الإسرائيلي، والإعلام والدعاية السياسية.



