مَآلاتُ اختِزال السَّردِيَّة الإِعلامِيّة وجَبَهاتُ غزّة المَثقوبَة!

للعام الثالث على التوالي، وفي سابقة تاريخيّة، تُمنع الصحافة الدولية من حقّها في الوصول إلى غزة! ففي مخالفة مكشوفة، وعلى مرأى من المحافل الدولية، يُحرم الصحافيون الدوليون من الوصول لتغطية الإبادة في غزة رغم كلّ المحاوَلات الحثيثة على مدار عامين. بل لم يتوقّف الأمْر عند هذا الحدّ، إذ استهدف الاحتلال 259 عينًا وقلمًا وكاميرا ومايكرفونًا باستهداف حامِليها، أصحاب السرديّة الأولى، في انكشاف فادح وغير أخلاقي لمنع نَقل الحقائق وتوثيقها، وتضييق الخِناق عليها مِن مَهْدها.

لم يتوقّف استهداف السردية الإعلاميّة وكلّ مَن يمكنه نقلها وإيصال أصوات الضحايا، بل لقد واجَه الصحافيون والمؤثرون آلة التّحريض والكراهية والتهديد الرَقمي والميداني، ولوحقوا في مصادر رِزقهم داخل غزة وخارجها. يُدرك الاحتلال قيمةَ الصور والفيديوهات ونشرِها من قلْب الإبادة وَقت حدوثها، لذا تعدّدت أدوات القَهر والتّضييق على المحتوى الإعلامي الفلسطيني بكلّ الطرُق المتخيَّلة وغير المتخيَّلة، وكان واضحًا مدى انحياز الإعلام الغربي للرواية الاسرائيلية دون موضوعية أو مهنية، بل لقد نَقَل هذا الإعلام الأكاذيب والادعاءات بلا أيّ إطار أخلاقي أو مهني. غزة كشفت -للأسف- بأنهار الدم التي أريقت عن ازدواجية الإِعلام الغَربي وأَوجُه التحيّز. إن محاولات إعادَة تَشكيل السرديّة لم تتوقّف حتى هذه اللحظة بعدما شكّلت غزة اختراقًا قويًا في المَشهَد الإعلامي، وأجبَرَت بعض الوَسائل المتحيّزة على تغطية بعض ما يجري، لكن السياسة العنصريّة والتحيّز في الخطّ التحريري وفي المصطلحات والكلمات والصوَر ووزن التغطية لم يتأثّر كثيرًا، بل لقد تعرّض الكثير من الإعلاميين الموضوعيّين للإقالة أو التحجيم حال رفضهم الالتزامَ بما يُملى عليهم.

تُشبه السردية الفلسطينية واختراقها المشهد الإعلامي الدولي إلى حدّ كبير الفلسطيني الذي يَسير على خطّ نار ملتهِب مدبّب الزوايا، يَرى دمَه يسيل لكنّه يواصل التقدّم ويروي حكايته فيما يُكتَم صراخه، علّ الآخر يَراه ويَرى جرحه، ويُحافظ على أمانة الرواية واحتضانها.

نُدرِك جميعًا مدى صعوبة المَعركة الإعلامية وشَراستها، ولا نغفَل أبدًا عن البيئة المحيطة، فالفَجوة الرقمية بين الغرب والاحتلال من جهة وبيننا من جهة أخرى شاسعة، بحيث نبدو في الجانب الفلسطيني وفي غزة تحديدًا كأهل الكهف بلا مقومات أساسيّة للرقمنة، نُعاني معاناة لا محدودة للوصول إلى الكهرباء والإنترنت، ومن ناحية أخرى دُمرّت الأجهزة الإعلامية الرقمية والكاميرات المحترفة كافة، واستمرّ الحصار على غزة، رغم ذلك، رَأَينا ما حقّقته هذه الصُور والفيديوهات المنشورة وتردُّد صَداها في أرجاء العالَم، هذا الأُنموذج الدّامي هو ما سَمَح بجعْل الجاهِلين على دِراية بما يحدُث، خاصة أنّ وسائل التواصل الاجتماعي ساهَمَت في دَحضِ الرواية الرسمية المنمَّقة والمصطَنَعة على مدار سنوات طويلة من التاريخ الفلسطيني، ومعاناة الفلسطيني في تَظهير حقوقه ونضاله في سبيل التحرّر. مِن هنا بدأَت الآمال بتَصويب البوصَلة، ومِن هنا بدَأَت الآلة السردية الإعلامية المُعادية بالنيل أيضًا مِن المناصرين والمؤازرين لحقوقنا كشعب مضطَّهَد تمارَس بحقّه الإبادة الجماعية في العَلَن، وفي مخالَفة لكلّ القوانين الدولية، وأيضًا بدأت مساحات صراع جديدة تتلوها دوائر ومساحات صِراع أكبَر فأكبَر، وتتّخذ أشكالًا أكثر شَراسة وعنفًا وانكشافًا وصولًا لدوائر صناعات القرار، وتجلّت إحداها في الانكشاف غَير الأخلاقي لكلّ ما مُورس بحقّ أهل غزة أطفالًا ونساء ورجالًا، ما أدّى لانهيار بُنى وكيانات إعلامية كانت تدّعي الاستقلالية والحيادية تجرّدت من أخلاقيات المهنة، وباتت كلّ حلقات الصراع وحرب السرديّات أكثر انكشافًا ووضوحًا، ولم تَعُد هنالك مساحات رمادية.

علينا أن نُؤمن أنّ معركة السردية الإعلامية، وبموازاتها معركة السردية الثقافية، إنّما هي تاريخ وحاضر ومستقبل يتراكم ولا يتوقّف، فهو يَعتمد على الإيمان والثّقة بأنّ أصواتنا كفلسطينيين أصحاب حقّ وأصحاب الأرض لا يجِب أن تَخبو، علينا أن نَستمرّ ولا خيارَ آخرَ لدينا.

نُقطة في بَحر

ربّما من القَسوة والراديكالية الفكرية أن أقومَ بوَصف الإعلام الفلسطيني والسردية الفلسطينية بأنهما نقطة في بحر، بعد أن نَجَح الإعلام الفلسطيني في غزة تحديدًا في إنقاذ الرواية الفلسطينية حول المجازر المرتكَبَة على مدار عامين في غزة، وتمكَّن من نَقل الجُزء اليَسير منها، على الرغم من فُقدان أَكثَر من 259 صحافيًا وإصابة المئات منهم ومن أفراد عائلاتهم، وتدمير مَقار عَمَلهم وأدواتهم التوثيقيّة ... لقد أنقذ الإعلاميون في غزة حقيقةً اندثارَ حقائق ما حَدَث ولا يزال يحدُث من إبادة وللأبد، ودَفَعوا أرواحهم ولا يزالون يواجِهون خطاب الكراهية والتّقييدات وحَذف المُحتوى، بل امتدّ الأمر لِحَذف مئات الفيديوهات التوثيقيّة عن مواقع مؤسّسات ومراكزَ حقوقيّة ضِمن مَعركة السرديّة الرقميّة التي تُحاول أدوات الاحتلال الإسرائيلي أن تتفوّق فيها، وتَأتي كتابتي هذا المقال بينما لا يزال الاحتلال يرفُض دُخول الصحافيين في أوّل سابقَة في التاريخ لمنع تغطيَة الجَرائم بهذا الوضوح، وهذا التعنّت والإصرار على الاستمرار في الإبادة بطرق أخرى!

أَعود لما بدأْت ولم أَقُل، فَمِن القَسوة أن أقول إنّنا لم نفعل شيئًا بالحسبان الإنساني للتّغطية الإعلامية إنها كنُقطة في بَحر، لَقَد قُتل واحدٌ وسبعون ألف فلسطيني في غزة خلال الإبادة الجماعية التي لم تتوقّف بعد! وجُرح أكثر مِن مئة وواحد وسبعين ألف شخص، ولا يجد عشرات الآلاف منهم حبة دواء واحدة في غزة. فغزة لا تزال محاصرة في الخِيام والمَرض والموت الذي لا يُحصيه أَحَد! لا تزال التّغطية الإعلامية في حالة صدمَة لِمَن هُم خارج غزة، وصَدْمة مركّبة ومتعدّدة لمَن هُم داخلها.

 قد يكون هنالك مئات الأفلام التوثيقيّة حَول ما حدَث في غزة، وهنالك آلاف المقابَلات الصحافيّة مَع الضّحايا والمعذَّبين فيها، وهناك أيضًا مئات البرامج الإذاعية والتليفزيونية والبودكاست التي تناولت المآسي والمجازر التي عايشتها ولا تزال، لكنّ السؤال: هل هذا كافٍ أَمامَ حجم أُمّ النَّكَبات؟!

لا شكّ أنّنا لا نَزال في حالة من الإنكار والصّدمة وعدَم التّصديق بسبب هَوْل ما حَدَث وبشاعته، لَم نُلَمْلم شَتات أَنفُسنا بَعد، ولا تزال الإبادة مستَعرة، ولا تزال أراضي غزة مَنقوصَة، ولا تزال المَعابر مدمَّرة والمدينة منكوبة! هل تُفيق المُدن المَنكوبة مع ادّعاء وقْف الحَرب أَم أنّها تَبدأ الصّحوة ووعي النكبة والخراب الذي حلّ بها وبأَهلها؟ هل نَحن حقًا لدينا صوتٌ واحد أَم أنّ السردية المُعادية لعِبت على وتَر التّناقُضات وألقَت بنا في جُبّ التّبريرات والاتّهامات وكأنّنا لَسنا قابِعين مُنذ خمسةٍ وسبعين عامًا بينَ أَنياب الاحتلال والحصار والمُعاناة اليومية!

لا تَزال الإبادة مستمرّة بكلّ قَسوة لغزَّة، فحصارها مستمِر حتى مع فرضية أنّ هنالك هُدنة لم تكُن إلا خُدعة، فلا ضامنين يُسمَع لهم صوت، ولا بيانات ركيكة تصاغ لتقول إنّ الإبادة مستمرة. تُغلَق المؤسّسات الحقوقية ويُقطع عنها التمويل، وتُحذَف مَقاطعها التوثيقية للمجازر في محاوَلات لحذْف الحقيقة الرقميّة والارتِهان لسَحْق الأدلّة والبيانات وتغيير الحقائق، ومنع الإعلام الدولي مِن كَشف كَذِب السردية الإسرائيلية وافتراءاتها. إنّ الإبادة على غزة ليست إبادَة جسديّة فحسب، بل ثقافية واجتماعية وإعلامية وبيئية وتعليمية واقتصادية، إن فُصول السرديّة الإعلامية تتعدّد، ولم تُروَ حتى اللحظة بِزَخم الدّم المتفجّر في أروقة الأيام والَسنوات، وما تمّ الإفراج عنه ِمن حَقائق وصُوَر وشَواهد ليس إلا نقطةً في بحر الإبادة، إبادةٌ لم تكُن سوى استمرار لسنَوات الحصار والحُروب والعدوانات التي لم تتوقّف منذ نُعومة أظافرنا بعدما تَلَت نكبة آبائنا وأمّهاتنا.

مَدينة غَدَت خَرابًا بلا مقوّمات حَياة

كثيرةٌ هي التّعبيرات الفجّة التي تجعَلُك تفتَح فاهَكَ مشدوهًا من هَول الكارثة التي حلّت بمدينة غزة ومدينة رفح وكلّ مُدن قطاع غزة، التي لا أدّعي أن بإمكاني حصرها، لكن أذكُر منها: 

نَحنُ في غزة بحاجة لإنشاء مُدن جديدة لإسكان الأطفال الأيتام، عشرات الآلاف الذين باتوا بلا أُم ولا أب، طفولة بائسة، لَم يعودوا أطفالًا بالمعنى التوصيفي، العائلة الفلسطينية لم تَعُد بالتّعريف ذاته لمفهوم العائلة في العلوم الإنسانية، فقد مُسِحَت آلاف العائلات من السّجل المَدَني، وهنالك آلاف الناجين الوحيدين، وآخرون بالكاد تبقّى بعض أفراد عائلاتهم.

لم يَعُد لدينا مفهوم العائلة ما قَبل الإبادة، فالعَديد من العائلات لم تَعُد تجتمِع في مكان واحد، بعضها في شمال غزة وبعض الآخر في جنوبها، البعض في داخل غزة والبعض خارجها، البعض لا يعرف إن كان بعض أفراد أُسرته لا يزال على قيد الحياة أو في معتقل أو مفقود أو أَكَلَت بقاياه الكلاب! 

في غزة لا يَزال جُنون الحصار يَقضِم الإنسانية ويُنذر بعالم بائس لا يَعرف معنى للإنسانية، فيما هنالك 11 آلاف مفقود لا يزالون تحت الدّمار والرّكام، ويُحرِم أَهاليهم منَ العثور عليهم أو دفنهم رغم أنّهم تحلّلوا بَعدَ هذا الوقت وباتوا عظامًا؟؟ في أيّ حقبة يُحرم الأهالي من الوُصول لجثمان فلَذات أكبادهم وأهاليهم فيكِّرمون موتهم، قَتَلوا حتى قدسيّة الموت، وطقوسَ الحُزن والفقد لم تَعُد بذات التعريفات الفلسفية الاجتماعية، في غزة هنالك قاموسٌ جديد، ولغةٌ جديدة، ومفهوم حياة/نجاة/موت يحتاج لتفكيك كلّ النظريات الاجتماعية والنفسية والإعلامية لِفَهم ما يَحدث من تحوّلات قاسية نتيجة المجازر والحياة/اللاحياة التي يُجبرون على الاستمرار فيها، مَفهومٌ آخر للفقدان المركّب والصدمات المتتالية، فلم يَعُد هنالك ما يمكن أن نسميّه كَرْبَ ما بعد الصدمة، لأنها لا تزال مستمرة منذ عامين، وها هو العام الثالث، وعلى الناجين الاستمرار في النّجاة من كلّ يوم جديد! 

كَم فيلمًا وكَم مادة إعلامية، وكَم وثائقيًا وكَم سردية وما هو مجمل الإنتاج المعرفي والإعلامي حول الإبادة؟ السّؤال غير سابق لأوانه لأنّنا في العام الثالث للإبادة! أسئلةٌ مشروعة. كَم من إنتاج إعلامي ثقافي تمكّن من قَول بعض مما يحدُث الآن وما حَدَث ولا يزال يحدُث؟ مَن سيروي عشرات آلاف القصَص الدّامية وتلك التي تُحاول أن تَنجو؟ كَم معتقلًا ومعتقلةً سردوا روايتهم فعليًا حول التحرّش والاغتصاب، ومَن يجرؤ على كَسر التابوهات الاجتماعية أعدادٌ محدودة، لكنّ كلّ هذا العنف والترهيب والموت كيف تتم وسَتَتِم روايته؟ كَم من امرأة أرملة تُعاني وحدها الآن، كَم من امرأة أصبحت ربّة البيت الوحيدة وتكافح يوميًا للنجاة بمن تبقّى بينما تَنام في الشوارع؟ أينَ هنّ من الخطاب الدولي الّنسوي الحقوقي؟ ومَن يصرخ بحكايتهنّ ومن يَسمع قصتهنّ؟ كَم من آلاف من الأطفال والنساء والشبان الذين فَقَدوا أطرافهم ويُناجون لأجل إنقاذهم بأطراف صناعية أو السّماح لهم بالسفر لاستكمال العلاج في ظلّ حرب وحصار عنيف يصرّ على القتل بطرق متنوعة ومختلفة؟ قَتْل بالحصار والحرمان من أدنى الحقوق بالعلاج والتّعليم ولمّ الشّمل؟ كَم من مئات بل آلاف المُصابين بالسرطان لم يَعُد لهم علاج في غزة! إنّهم يموتون بصَمت وبلا توثيق؟ كَم هناك من أصحاب الأمراض المزمِنة من سكري وضغط وأمراض القلب؟ ومن يغسلون الكلى؟ ماذا عن انتشار الأوبئة وتدمير البيئة والبنية التعليمية والاجتماعية والفكرية! آلافُ القضايا والقصص والروايات الإنسانية التي لم تَأْخذ المرتَكَز في السردية الإعلامية حتى الآن! الآلاف من الحكايات التي لم تُروَ بَعد، بل إن في روايتها دون وَعي كافٍ تعزيزٌ للصورة النمطيّة بأنّنا في غزة ضحايا فَقَط، أو على النقيض في السردية النقيضة إرهابيون، وهي المرتَكَز الذي اعتمدت عليه السردية الإسرائيلية والغربيّة لتجريدنا من إنسانيتنا، ثم وصْمَنا بصفات تغذّي العنصرية والخطر الوجودي، ومن ثم تسهل إباحَة دمائنا، وهذا ما نراه اليوم!

اختِزال السّرديّة في التّأليه والبُطولَة يَطعَن إنسانيّتَنا في مَقْتَل

إذن، السرديّة الإعلامية هي فِعل تكامليّ شموليّ غير مَرهون بالتّقييم الآني، بل بمقياس القُدرة على الاستمرار رغم البيئة المُعادية المَحفوفة بالفِخاخ والمَكائد، إنّه صِراع من نَوع يَحمِل الوَجه المعلَن والوجه الخفيّ، ولا يتوقّف بل يزداد شَراسة تكاد تكون أكثرَ خطورة مِن المَيدان ذاته.

 واختزال السرديّة الإعلامية بتقييمات أَو أبحاث تقييمه تُفيد بنّجاح الرواية الفلسطينية في اختراق المشهد الإعلامي العالمي غَير كافية كتوصيف، ولا تسمَح أبدًا بالتوقّف أو التّراجع، لأنّ معركة أو حَرب السرديّات تزداد تأججًا فيما بَعدَ الإبادة، فكلّ من الصُور والكلمات والمصطلَحات هي جزء مِن السردية المُحكَمة للرواية، فعالَمُنا اليوم كما يقول الكاتب محمد الحسني: "تحكُمه السرديات أكثَر مما تحكُمه الحقائق". 

إن التّقييدات والتحكّم الرّقمي بالسردية الإعلامية الفلسطينية قد بَلَغَت مبْلَغَها اليوم بَعد الادّعاء بوقف الحرب، فقد أصبَح يُحارب كلُّ من يحاول أَن ينحاز للسردية الإعلامية وبات الثّمن فادحًا، وإسكات الأصوات والتهميش والاتهامات التي لا تتوقّف غولٌ جديد يواجِه مناصِري السردية الإعلامية الفلسطينية ومناصِراتها، كما أنّ أدوات الذكاء الاصطناعي أيضًا باتت تُحارب سرديّتنا وروايتنا الإعلامية والثقافية بقوّة وشَراسَة لم يسبِق لها مثيل، إنّ السردية الإعلامية بتصوّري تدخُل مراحل أكثر خطورة وعنفًا، بل هي تتحوّل بشكل تلقائيّ لأدوات رقابة وتجسّس على كلّ ما يخالف سرديتها الرقميّة، وهو أمر ليس جديدًا، لكني أدّعي أنه في مراحل متقدّمة وخطيرة.

معركة السرديّة الإعلامية هي معركة بمُسَمى النضال الإعلامي والثقافي، وأدَواتها الكلمة والنصّ والصورة والفيديو، وهنا علينا أنْ ننتَبه أنّ الحَقائق غَير كافِية، والأَخبار غير كافِية، نحن نتحدّث عن إِعادة أنسَنَة الرواية الفلسطينية، اترُكوا الحكايات تُروى وتَنطلِق.. لا يوجد شهيد واحد بل عشرات الآلاف منهم أطفال وفتيات ونساء وشبّان ورجال، اترُكوا مَن نَجا ليروي وبكلّ اللغات. كَم نحن بحاجة لجبهة إعلامية واحدة وموحَّدة تضُم الطّيف الفلسطيني وتتوحّد لأجل إنقاذ ما تبقّى من الانسان في غزة والضفة والقدس والـ 48! كَم نحن بحاجة لجهة واحدة تَحتضن كلّ هذا البؤس والفَقد والوجع وتتحدّث بلسان فلسطيني واحد! كَم من قصة لم تُروَ بعد؟ هنالك 2 مليون قصّة كلّ منها لها أَلَمها وقصّتها، وهناك مشرّدون في البلاد وفي المنفى الإجباري مَن سيروي حكايتهم ويقدّم روايتهم؟ لَسْنا أرقامًا، وكلّ منّا يمثل جزءًا أساسيًا في السردية الفلسطينية الإعلامية، لذلك مِن المستحيل أن تُختَزل السرديّة في اختيار الروايات والقصص التي تتلقّفها كلّ الجهات وتحوّلها لرمزيّة إعلامية مُخيفة، قد تكون جيّدة في المَسار السَردي لكنّها تحوّلنا لأسطورة وكأنّهم فقط هُم مَن يمثّلون الصَّوت والجَرح والرواية الفلسطينية، وكأنّ عشرات الآلاف الذي لا يزالون على قَيد الحياة غير مركزيّين في روايتنا، وهذا مَأْخذ آخر لحاملي راية السردية الإعلامية.

 كلّ بيت في غزة والضفة والقدس، وكلّ فلسطيني داخل غزة وخارجها يَحمِل جزءًا من القصّة، وعلينا أن نشكّل اختراقًا إعلاميًا في حرب السرديات بوحدتنا واتّفاقنا وتوحُّد ما تبقّى منّا لأجل مَن سيتبقى منّا، فالحرب لَن تتوقّف ولم تتوقّف يومًا.

هداية صالح شمعون

إعلامية وكاتبة فلسطينية من قطاع غزة - رفح.

رأيك يهمنا