دَور الإِعلام العَرَبي في صِناعَة الأَبطال

لم يَكُن الإعلام العربي يومًا مجرّد ناقِل أَحداث، بل كان وما زال فاعلًا أساسيًا في تشكيل الوعي الجمعي، وصناعة الصورة الذهنية، وإعادة تَعريف الهوية. في قَلب هذا الدّور، برزت دائمًا فكرة "البطل": ذاك النموذج الذي تُسلَّط عليه الأضواء ليجسّد القيم الكبرى؛ الصمود، والشجاعة، والتفوق، والانتماء.

في الرياضة، وفي الفن، وفي المقاومة، وحتى في السياسة، أو أيّ مجال آخر، لعب الإعلام دور "المُصنِّع" الذي يحوّل الإنجاز الفرديّ إلى رمز وطني أو قومي، موظفًا أدواته: كالتغطية المكثَّفة، والسّرد العاطفي، والقصص الإنسانية القادرة على ملامسة الوجدان. 

تاريخيًا، بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967، حين خَسِرت مصر وسورية، واحتلت إسرائيل سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، خَرَج الرئيس جمال عبد الناصر معلنًا تحمّله المسؤولية وتَنَحّيه عن الحكم. لكن ما حَدَث بعد الخِطاب تجاوَز السياسة إلى علم النّفس الاجتماعي؛ إذ خَرَجت الجماهير باكية، مطالبة إياه بالعدول عن قراره والاستمرار في القيادة.
صاغ الإعلام آنذاك المَشهَد بوصفه لحظة تاريخية، وقدّم عبد الناصر كبطلٍ مُنقِذ، "القادر على عبور بحر الهزيمة" بالجماهير إلى شاطئ الانتصار، حيث تُستعاد العزّة والكرامة. لم يكن الأَمر عفويًا بالكامل؛ فقد لَفَت هذا السلوك الجماهيري انتباه علماء النّفس والاجتماع، الذين أكّدوا أن مَفهوم البطل لا يزال فاعلًا في الوجدان الجمعيّ، وأن هذا الوجدان يُعاد تشكيله، بدرجات متفاوتة، داخل ما يمكن تسميته "مَصانِع الدعاية" التابعة للسلطة.

من هُنا، يُصبح الحديث عن دور الإعلام في صناعة الأبطال حديثًا مزدوَج الحَواف. فمن جِهَة، هُناك حاجَة مجتمعيّة حقيقية لرُموز جامِعَة، خاصة في أزمنَة الأزمات والانكسارات. من جهة أُخرى، يَبرز خَطَر التّلاعب؛ حين تتحوّل البطولة إلى أَداة سياسية، ويُعاد تعريفها وِفق مصالح السلطة أو المموّل.

اليوم، يواجِه الإعلام العربي تحدّيات مرَكّبة في هذا السياق. أوّلها التمويل السياسي والاقتصادي، الذي قد يصنع "أبطالًا زائفين" عبر التّلميع المستمر، أو يهمّش أبطالًا حقيقيين لأنّهم لا يخدمون أَجندة معيَّنة. وثانيها الصراعات الإقليمية، التي جَعَلت تعريف "البطل" ذاته محلّ نزاع: هل هو المقاوم أَم رَجُل الدولة؟ العالِم أم رجل الأعمال؟ الضحية أم الناجي؟

في هذا المشهَد، تقِف الصحافة أمام اختبار أخلاقي حادّ. لَم تَعُد عصا الأنظمة الديكتاتورية الغَليظة هي الخَطَر الوحيد على حريّة التّعبير، بل ظَهَرت عصا أَكثَر نعومة وأَشدّ فاعلية: عصا المال. رؤوس أموال ورجال سياسة امتلكوا وسائل إعلام، فتحوّلت بعضُ غرف الأخبار إلى غرَف مصالح. وهكذا، لا يُدجَّن الجمهور بالقمع المباشر، بل بالإقناع المتدرّج، وبصناعة سرديات تُقدَّم بوصفها الواقع الوحيد المُمكِن.

هنا تستحضرني مقولة الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي: "الدعاية تمثّل بالنسبة للأنظمة الديمقراطية ما تمثّله العصا للأنظمة الاستبدادية". إنها السيطرة لا بالقوة، بل بتوجيه الوَعي، وتحديد ما يجب أن نراه، وكيف نفهمه، ومن نعتبره بطلًا.

بعد ثورات الربيع العربي، التي مسّت عددًا من بلداننا العربية، بدا المشهَد وكأنّه يَدخُل مرحلة جديدة. تعدّدية سياسية، وسائل إعلام ناشئة، مساحات أوسع لحرية الرأي والتعبير، وقوانين تنظيمية وُضعت نظريًا لحماية الصحافة. ظهرت قنوات تَعبير جديدة، وتحرّرت أخرى من قيودها القديمة. لكن هذه اللحظة لم تكتمل كما كان مأمولًا؛ إذ سرعان ما عاد سباق السياسيين وأصحاب المال لامتلاك المنصّات الإعلامية، لتصبح حريّة التعبير مسألة ثانوية أمام مصالح اقتصادية وتجارية لا تَرى في الصحافة مهنة ورسالة، بل سلاحًا للتأثير وتوجيه الرأي العام.

وَسَط هذا كلّه، حدثَ التحوّل الأهم: توسّع منصات التواصل الاجتماعي. هنا، أُعيد تعريف صورة "البطل الجاهز" التي تصنعها الماكينات الإعلامية. لم يعُد الجمهور متلقيًا سلبيًا، بل صار منتجًا للسرد. كلّ فرد بات قادرًا على رواية قصته، وعلى تعريف البطولة بطريقته الخاصة.

في غزة، مثلًا، لا تحتاج البطولة إلى استوديوهات ولا إلى عناوين عريضة. تُكتب على الجدران. على مبنى متهالِك بفعل القصف الإسرائيلي، تقرأ: " أبو جود… نَحن لا نموت". وعلى جدار آخر في ما تبقّى من مخيم خان يونس: "أبو علي، بدنا نعيش… حلّوها بتهون"، كما نقلها مراسل أجيال محمد الأسطل وهو على الهواء مباشرة خلال سيره  بالمخيم.
هذه العبارات البسيطة، الخارجة من قلب الألم، تختصر تحوّلًا عميقًا: البطل لم يَعُد شخصًا واحدًا، بل حالة. لم يَعُد نَجم نشرة الأخبار، بل الإنسان العادي الذي يصرّ على الحياة.

من هنا، تبدو الحاجة ملحّة لتخطيط إعلامي تشاركيّ مع المجتمع، يهدف إلى بناء استراتيجية تُعيد تعريف الحيز العام العربي، وتحرّر مفهوم البطولة من قبضة المال والسياسة. إعلام يلتَقِط القصص من الشارع، من الهامش، من الجدران، لا من البيانات الرسمية فقط.
ففي زمن تعدّد المنصّات، لم يَعُد السؤال: مَن هو البطل؟ بل: مَن يملك حقّ رواية الحكاية؟ والجواب، اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، لم يَعُد حكرًا على الإعلام… بل صار بيَد الناس.

نجاح مسلم

إعلامية ومحاضِرة جامعيّة في كليّة الإعلام في الجامعة العربية الأمريكية وجامعة القدس المفتوحة.

رأيك يهمنا