الحَربُ وأَخبارُها: كَيفَ نَنْجو مِنَ الاسْتِنزاف النَّفسيّ؟

سَأَتكلّم عَن الموضوع مِن مَنظور شَخص تَرَك غزة وجاءَ ليعيش في الضفة الغربية، ظنًّا منه أنّ المَكان الجديد سيكون مختلفًا، لكنّ الواقع كان قريبًا جدًا مِن سابِقِه من حيث الأحداث والانتهاكات اليوميّة. سواء كنتَ في غزة أو الضفة، تبقى الأخبار عن الاقتحامات، والاعتقالات، وهدم البيوت، والاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وإغلاق الطُرق حاضرةً، وكذا الشّعور الدائم بالخطَر. يَلعَب الإعلام هنا دورًا كبيرًا في حياتنا اليومية، لأنّه يجعَل كلّ شيء أقرَب، سواء كان بعيدًا جسديًا أَم لا.

في رام الله والضّفة بشكل عام، لا يمرّ يوم دون خبَرٍ عن اقتحام أو اعتقال أو مواجهات مع الجيش أو اعتداءات على الفلسطينيين. تتكرّر هذه الأخبار يوميًا، ولا يُمكِن تجاهلها. كلّ خبَر يذكّرنا بما يحدُث في أماكن أخرى، ويجعلنا نشعُر أنّ الوَضع في الضفة ليسَ أفضَل كثيرًا. يُعيد الإعلام عَرض الأحداث بطريقة تَجعل القَلَق حاضرًا طوال الوقت. معَ مرور الأيام، يُصبح هذا الشعور مستمرًا ويترك أثرًا نفسيًا سلبيًا، يظهر على شكل توتّر دائم، وصُعوبة في النوم، وشُعور دائم بأنّ الفلسطيني مهدَّد ومعرّض خَطَر، وأيضًا خوفٍ من الأخبار الجديدة.

الأَصعَب هو متابعة ما يَحدث في غزة. مُشاهدة القصف، وتدمير البيوت، وإصابة الأطفال، والعائلات التي فَقَدَت كلّ شيء، تجعَل الواقع مؤثّرًا على الجميع. تَجعَل متابعة هذه الأخبار الفلسطينيين في الضفة وغزة على حدّ سواء يعيشون شعورًا مستمرًا بالضغط النفسي، وتزيد الحاجة للتّعامل مع التّوتر والقلَق الناتج عن الأحداث اليومية. حتى لو حاوَلنا الابتعادَ عن الأخبار، تَصِلنا الصورُ والفيديوهات دائمًا من وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أو حتى من أشخاص نعرفهم معرفة شخصية.

ما يزيد الوضع صعوبة هو طريقة عَرض الأخبار. وسائل إعلام كثيرة تَعرض الأحداث بشكل سريع ومتكرّر، دون التوقّف عند أَثَرها على الناس. مُشاهدَة المَشاهد العنيفة نفسها يوميًا تَجعَل الناس يشعُرون بالحزن أو أحيانًا بالبُرود العاطفي كوسيلة لحماية النفس. في كلتا الحالتين، هناك ضغط نفسي كبير، خاصة على مَن يعيشون في الضفة ويتابعون الأحداث في مدنهم وبين أهلهم وفي غزة أيضًا.

تغيّر شَكل متابعة الأخبار قليلًا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. أصبَحَ بالإمكان متابعَة الأحداث مباشرة من داخل المدن والمخيمات، مِن فلسطينيين يَنقلون ما يَحدث لحظة بلحظة. يُعطي هذا النوع من الإعلام شعورًا بأنّنا لسنا وحدنا، وأنّ صوتَنا مَسموع. ومن ناحية نفسيّة، يساعد هذا على تقليل شعور العزلة، لكنّه في الوقت نفسه يزيد من كميّة المحتوى الصادم التي نتعرّض له يوميًا

هناك جانب إيجابي آخر يتمثّل في الإعلام البديل. يمكن تفسير الإعلام البديل على أنه كلّ وسيلة لنقل الأخبار خارج القنوات التقليديّة، مثل التلفزيون الرسميّ أو الصحف الكبيرة. يشمل ذلك الإنترنت، ومنصّات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام، ومواقع الإنترنت الصغيرة أو الصحف الإلكترونية المستقلة، وحتى الفيديوهات والبودكاست على يوتيوب، حيث يَنقل الناس الأحداث مباشَرة من الأماكن التي يعيشون فيها. 

الميزة الأساسية للإعلام البديل أنّه يعطي صوتًا مباشرًا للناس العاديّين ويسمح لهم بسرد قصصهم وتجاربهم الشخصية كما هي، بدون أن يتحكّم أحد بما نَراه أو نَسمعه. هذا يجعَلُنا نفهم الأحداث بطريقة أقرب للواقع اليومي، ونرى تأثيرها الحقيقي على الناس.

يجعل الإعلام البديل الأخبار أكثر إنسانية وقربًا للواقع. لا تكون مجرّد أرقام أو أحداث، بل قصَص عن الناس الذين يعيشون تحتَ ضغطٍ مستمر. يجعل هذا النوع من السرد الألَم مفهومًا، ويمنح شعورًا بالقوّة والصمود، لأنّنا نرى أن ما نمرّ به له مَعنى، وأنّ هناك مَن يشارِكَنا التّجربة نفسها. يصبح الإعلام هنا أداةً لفهم الواقع وليس مجرّد مَصدر للقلق.

يؤثّر الإعلام أيضًا على طريقة نَظَرنا لأنفسنا وللآخرين. الشخص الذي يَظهر كثيرًا في وسائل الإعلام يُصبح صوتُه أقوى، ويؤثّر على شعور الناس ومواقفهم. أحيانًا يكون هذا التأثير إيجابيًا ويعطي أملًا، وأحيانًا يزيد القلق والتوتر. المسؤولية كبيرة، لأن الإعلام يمكن أن يرفع المعنويات أو يزيد الشعور بالعَجز، بحسب طريقة استخدامه وإيصاله للمستمعين أو المتفرجين.

من تجربتي، أَرى أنّ تأثير الإعلام على الفلسطينيين في الضفة وغزة ليسَ مجرّد متابَعَة أخبار، بل هو جزءٌ من حياتنا النفسية اليومية. بين المدن والقرى، بين رام الله ونابلس وجنين والخليل، وبين الصور والفيديوهات والواقع، يعيش الفلسطينيون حالة ضغط مستمرة. ما نحتاجه ليس التوقّف عن متابعة الأخبار، بل طريقة عرض أكثر اهتمامًا بالجانب الإنساني وأقل استنزافًا نفسيًا. يُمكن أن يكون الإعلام وسيلة للفهم والدعم، لا مجرّد مصدر خوف وألم.

من المهم أيضًا أن يكون لدى الناس وعي بكيفية التّعامل مع الأخبار بشكل يومي. متابعة الأخبار بشكل مستمرّ يُمكن أن تُضعف المزاج وتزيد القلق، وتسبّب نوبات هلع، أو اكتئاب، لذلك من المُفيد أخْذ فترات للراحة أو التحقّق من مصادر موثوقة فقط، مع إعطاء الوقت لفهم الأحداث بدلًا من مجرّد تلقي الأخبار بسرعة. هذا يساعد على الحفاظ على الصحة النفسية وعدم الانغماس في الضغط النفسي المستمر. كما يمكن أن يكون مَن المفيد مناقَشة الأخبار مع العائلة أو الأصدقاء لتخفيف الضّغط النفسي ومشاركة الأفكار والمشاعر، بدلًا من أن نتحمّلها بمفردنا.

في النهاية، أرى أن تأثير الإعلام على الناس واضح جدًا. يجعلنا نعيش مع الأحداث كما لو أنّنا هناك، ويذكّرنا دائمًا بأن الخطر والمأساة جزء من حياتنا اليومية، سواء في رام الله أو أيّ مدينة أخرى في الضفة، ولا ننسى غزة من هذه المأساة. 

إذا كان بالإمكان تقديم الأخبار بطريقة أكثر إنسانيّة ووعيًا، يمكن أن نَحمي أنفسنا نفسيًا ونستمر في حياتنا اليومية دون أن يكون القَلَق حاضرًا طوال الوقت. الإعلام لديه القدرة أن يكون وسيلة للأمل والفهم، وليس فقط مصدرًا للخوف والعجز.

إنجي خرما

ناشطة غزّاوية لبنانية الأصل، وُلدتُ وعشتُ في قلب غزة من أول الانتفاضة الأولى حتى ثلاث حروب، وأَحمِل اليوم من رام الله صَدى وَجَعها وأملها.

 

رأيك يهمنا