الحِكايَة الشّعبِيَّة لأَنْسَنَة الإِعْلام

قَبل أن يَصير الإعلام منصّات ومؤسَّسات ونشرات أخبار عاجلة، كان عِبارةً عن قِصَص تُحكى، وحِكايات تُسرَد عن أُناس حقيقيّين؛ مغامَراتُهم، قضاياهم، أَشكال الإبداع في قيادتهم. وحتّى قَبل أن تتحوّل القيادة إلى خِطاب وصورة وبَرنامج، كانَت فِعْل حضور، وصوتًا يَعرِف كيف يَروي، وكيف يَسمع ويُصغي، وكانَت تُشكّل مواد خامًا لقصص شعبية نتناقلها.
مِن هذا المكان الإنساني، وليس التقنيّ، أكتُب هذا، أكتُب كحكواتيّة وساردة قصص للأطفال (وطبعًا للكبار، حتى لو بدا أحيانًا سردًا غَير مُباشر)، وأيضًا كمهتمة بقضايا مجتمَعي وشعبي، أَجِد أنّ فهْم التحوّلات في المشهد الإعلامي لا يَكتَمل دون التوقّف عند السّؤال السّردي الجَوهري: مَنْ يَملِك القصة؟ ومن يُسمح له أن يرويها؟
ليسَت القصة الشعبية مرحلة بدائيّة تجاوَزها الإعلام الحديث، ولا مادّة فولكلورية للزينة الثقافية والتغنّي بها، بل هي أَحَد الجذور العميقة التي لا تزال تغذّي الإعلام وتَزيد من تأثيره، سواء عَبر استحضارها بوعيّ، أو عَبر محاولات إقصائها، لأنّها ليست مجرّد محتَوى، بل طريقَة في رؤية العالم، وترتيب المَعنى، وبناء العلاقة مع المتلقّي.
وبما أنّني أؤمن أنّ القصة الشعبيّة تنتمي إلى الناس بالأساس، لا إلى الأرشيف فقط، فهي تَنتقل شفهيًا، وتتبدّل، وتُعاد صياغتها، لكنّها تحتفظ بجوهرها المتمثّل بنقل تَجربة جَماعية بلُغة قريبة، ومحمّلة بدلالات أخلاقية وثقافية. هي ليست محايدة، لكنّها صادِقة في انحيازها لمَن عاش التجربة، ولَم تُمنَح له المنصّة.
مثلاً، في سياقنا الفلسطيني، لم تكن الحكاية يومًا ترفًا أو تسلية، بل وسيلةَ بقاء، وأَداةً لحفظ الذاكرة، وشكلًا من أَشكال مقاومة المَحو والتغييب؛ الأَمثالُ الشعبيّة، وحكايات الجدّات والأَجداد، والسّرد النسويّ الشعبي، وروايَتُنا الجماعية كفلسطينيين، كلّها ساهَمَت في تنظيم الوعي الجَماعيّ، وفَهم واقع قاسٍ وموجِع دون فقدان الإنسانية.
مِن هنا، يُصبح السّؤال الإعلامي سؤالًا أخلاقيًا وسرديًا في آن واحد: مَن يروي؟ ولمصلَحَة مَن؟ وبأيّ لغة؟
لأنّ الإعلام لا يَنقل الواقع كما هو، بل يُعيد تشكيله عَبر السّرد، واختيار الزاوية، وترتيب الوقائع، وتحديد مَن يتحدّث ومَن يقتبس، وما يُقال وما لا يُقال، فهذه كلّها قرارات سردية بامتياز.
لا تُمارَس الهيمنة الإعلامية فقَط عَبر القَمع أو الرّقابة المباشرة، بل عَبر فَرض قصّة واحدة تبدو بديهيّة، وعَبر تطبيع رواية معيّنة حتى تتحوّل إلى "الحقيقة"، مقابل تَهميش قصص أُخرى بوصفها ذاتيّة، وهامشيّة، أو غير مهنيّة.. هنا تحديدًا، تُصبح القصة الشعبية عنصرَ زعزعة وإرباك لأنّها تُعيد الإنسان إلى مركَز الحدَث، وتَكسر اللغة الباردة الجامدة المُفرَغة ربما، وتُدخل تعقيدًا إنسانيًا لا يحتمله الخطاب الإعلامي السائد. فالحكاية الشعبيّة لا تَختزل الأَلم في رَقَم كما في الإعلام "العادي"، ولا التّجربة في تَصريح، بل تَفتح مساحة لرؤية ما يُحاول الإعلام تَنْعيمَه أو إخفاءَه.
ليسَت الحكاية للإقناع بَل لِفَتح الأَسئلة، مَثَلاً في التجربة الحَكَواتيّة الفلسطينية، كما جسّدها الراحل حمزة عقرباوي -أَحد خَسائِر فلسطين مؤخرًا- وغيره من الحكواتيين، لا تُستخدَم الحِكاية للإقناع المُباشِر، بل لزَعزَعة وخَلخَلة اليقين، وفَتح الأسئلة، وتحريك المتلقّي من موقعه الآمن ودَفعه للتفكّر والتساؤُل وإنتاج معرفته.
تتناقض هذه الوظيفة السّردية جذريًا مع كَثير من الممارسات الإعلامية التي تَسعى إلى التلقين والتعريف والتعليم والتبسيط، أو دفْع الجمهور المُتَلقّي إلى استنتاج واحد واضحٍ وسريع. لا تقدّم الحكاية الشعبية خلاصة جاهزة، ولا تَنتهي دائمًا بعِبرَة مباشرة، قُوّتها في الأَثر، والإِرباك الخلّاق، وخَلْقِ مَساحَة تَفكير مشتَرَكة بين الرّاوي والمستَمِع، وكِلانا على حقّ؛ أَنا كحكواتية بما أَنوي أن أُوصِلَه لك، وأَنت كمستمع بِوَقْع ما أَقوله عليكَ وتحليله مِن وجهة نَظَرك..
حينَ تَدخل هذه الروح إلى الإعلام، فإنّها تُحوّله مِن أَداة تَبليغ وإِخبار إلى مساحة مساءَلة، فالخَبَر كما يُستخدم من الإعلام المهيمِن حاليًا يَعجز عن حَمل التجربة الإنسانية الكاملة، إذْ يركّز على الأَرقام والتّصريحات، وهي بلا شكّ ضَرورية ومُهمّة جدًا طبعًا، لكنّها غَير كافية، بينما تُعيد القصة الشعبية تَأطير الأَرقام والتّصريحات ضمن سِياق إنسانيّ أوسع، هي لا تسأل فقط ماذا حَدَث؟ بل كيف عِشْنا واختبرنا ما حَدَث؟ وما الذي تَرَكَه في الناس؟
مِن خلال عملي مع مجموعات مختلفة، كثيرًا ما رأيتُ كيف تَعجَز اللغة التحليليّة عن فَتحِ باب الكَلام، بينما تَفعَل ذلك قِصة بسيطة بِسُهولة ويُسر.. في إحدى الورشات، لَم تَبدأ امرأة حديثها عن العُنف مباشَرة، بل عَن فُستان أمّها يوم العُرس. ومِن هناك فقط تدحرَجَت المحادَثَة لتَخْرُج الحقيقة.. بينما لو تناوَل الإعلام قصّتها لركّز على "الخلاصة". الحكاية والسّرد سَمَحا لها أَن تكون إنسانة أولًا، لهذا نَعتَمِد المشارَكات والأَحاديث في ورشاتنا وعمَلنا مع الناس أكثرَ من الدّخول لتقديم المعلومة جاهزة.. هي لدينا جاهزة في معظم الأحيان، لكنّ تَعلُّمها، ووَقْعها وصداها مغاير تمامًا عند استنتاجها واستكشافها من الحُصول عَليها معلّبة..
إذا نَظَرنا لدَور الحكي والحكاية في بِناء القيادات وصناعتها، نَرى أنّ القيادة لا تتشكّل في الفَراغ، بل داخل السّرد العام. مَن تُروى قصّته أو يَرويها يُرى، ومَن لا تُروى قصّته يُقصى من الوعي الجماعي مَهْما كانت كفاءَته أو أَثَره.
يَلعَب الإعلام، بوصفه منتِجًا للسرديّات، دورًا حاسمًا في تَحديد من يُقدَّم كقائد، ومَن يَبقى خارج الصّورة. لهذا، فإنّ تغييب النساء، والفاعلين المجتمعيين، وأصحاب المعرفة المحليّة، وأصحاب القَصص، إذا تأمَّلنا في الفكرة، لَيسَ صدفة، بل هو نتيجةٌ سرديّة أعدّها الإعلام الموجَّه وقدَّمها لنا لنبتلعها ونهضمها، حتى لو (زْوِرْنا فيها، وما كُنّا مِقْتَنعين – بَسّ خَلَص الإعلام حكالنا إياها!).
تَفتَح القِصّة الشعبيّة المَجال لقيادات حقيقيّة لا تُشبه النّموذج التقليدي؛ قيادات نابعَة من التجربة، والإِصغاء، والعلاقة مع الناس، لا من المنصّة فحسب. وهُنا نَستنتج أن الإعلام الذي يَفسح مجالًا للسّرد، يفسح مجالًا لقيادات جديدة، أمّا الإعلام الذي يَحتكر القصة، فهو يُعيد إنتاج الوجوه نفسها، بالّلغة نفسها، والمسافة نفسها عن الناس.
صحيح أنّنا نَشهد تحوّلات في الإعلام في السنوات الأخيرة، فالإعلام الرَقمي كَسَر احتكار السّرد، وفتح مساحات جديدة للرواية الذاتيّة والجَماعية، لكنْ علينا الحذر مِن هذا الانفتاح الذي لا يَخلو مِن مَخاطر سُرعة الاستهلاك، واللُّهاث وراء الانتشار، اللذين قد يُفرغان القصة مِن عُمقها، ويحوّلان التجربة الإنسانية إلى محتوى عابر.
ليسَ كلّ مَن يَروي، يحرّر ويَقود إلى ضِفاف الأَمان.. بل ربّما وبكلّ أسف، قد يؤدّي إلى فَيضان نراه على المنصّات، ربما يُعطي نتائج عكسية أحيانًا، فنُعيد إنتاج القَهر بلغة أكثر نُعومة.
القصة الشعبية، بطبيعتها، تُقاوم هذا التّسليع.. فهي تحتاج إلى وقت، وإصغاء، ومسؤولية أخلاقية. إدخالُها إلى الإعلام المعاصِر ليس مسأَلَة شَكل وموضة إعلامية، بل خَيار مهني وأَخلاقي وأيضًا سياسي طبعًا.
لذا سأَختصر ما أودّ قوله هنا بأنّ اعتماد القصة الشعبية في الإعلام ليسَ تراجعًا ولا عَودة إلى الوَراء، بل خُطوة نقديّة إلى الأمام، هي دَعوة لإعادة التّفكير في دَور الإعلام، هل هو مجرّد وسيلة نَقل معلومات، أم عامِل حقيقي في صناعة المَعنى والقيادات؟
في زمَن الضجيج والفَوضى العارِمة التي نَشهدها في حياتنا ومجتمعنا، قد تكون العودة إلى الحكاية فعلًا ثوريًا حقيقيًا، وفي زمَن الهيمنة، قد تُسهم القصة الشعبية في التّركيز على أَصدَق أَشكال القيادة على الأصعدة كافة.
إنّ إِعادة الاعتبار للحكاية الشعبية في الإعلام لَيست مسأَلة فنيّة، بل خَيار سياسي وأخلاقي، يحدّد أيّ قِيادات ننتِج، وأيّ أَصوات نَمنَحُها شرعيّة الظُهور، وأيّ مستقبَل سرديّ نختاره لمجتمعاتنا.
غالبًا هذا ما نَفْعَلُه كحكّائين.. أمّا البقيّة فهي عند الإعلاميّين.

سمر أبو الهيجاء
مدرّبة في مَجال الرّعاية الذاتيّة لحُسن الحال - مرشدة يوغا وضحك ودراما في التعليم، ساردة قصّة، ومركزة مشاريع في مركز الطفولة.



