الإِعلام وَصِناعَة القِيادَة في أَراضي 48: آلِيّات الظُّهور وَوَجْهَة الخِطَاب

هل تُبنى الِقيادة في أراضي الـ 48 بوصفها نتاجًا لتراكُم ميداني وسياسي، أَم أنّها باتت تتشكّل داخل منظومة إعلاميّة متشابكة؟ في سياق يتقاطَع فيه تِكرار الوُجوه مع تأْثير الخوارزميّات ومَنطق المنصّات، يَبرز سؤال مركزيّ حول مَصادر الشرعيّة المُعاصرة: إلى أيّ مدى ما زال الشارع هو المَرجع الأساسيّ، بين إعلام إسرائيلي يمنح اعترافًا رمزيًا ضمن شروط محدَّدة، وإعلام محليّ يُفترض أن يكون مساحة مساءَلة ومكاشفة؟ يُحاول هذا المقال قراءَة آليات تشكّل القيادة في الفَضاء الإعلامي، ورَصد أَثَر الانتقاء والتّغطية على حُدود النّقاش العام واتجاهاته.

في النّقاش العام داخل أراضي 48، سادَ على مدى سنوات طويلة افتراضٌ يرى في القيادة امتدادًا طبيعيًا للتّراكم السياسي أو الاجتماعي، وبأنّ الإعلام يؤدّي دورَ الناقل أو الموثّق لهذا الواقع. غير أن تتبّع أنماط التغطية المعاصرة، وتَحليل وجهات الخِطاب، يُشير إلى أن العلاقة بين الإعلام والقيادة باتَت أكثَر تركيبًا من مجرّد انعكاس محايد. فالمنصّات اليوم لا تَنقُل الحَدَث فحسب، بل تُسهِم بدرجات متفاوتة في تَحديد مَن يُرى ويُسمع، وكيف تتشكّل الشرعيّة الرمزيّة داخل الفَضاء العام الفلسطيني.

مِنَ التّمثيل إلى الحُضور: الشّاشة بوصفها مصدَرَ شرعيّة

في سياق تتقلّص فيه مساحات العَمل الجَماعي الميداني المنظّم، يكتسِب الظهور الإعلامي وزنًا متزايدًا في تعريف القيادة. فقد انتقل المَشهد تدريجيًا من نماذج قياديّة تستمد شرعيّتها من العمَل القاعِدي التراكمي، إلى نماذج أخرى تَعتَمد على الحضور الإعلامي المتكرّر، والقدرة على مواءَمة الخطاب مع إيقاع المنصّات. لا يُلغي هذا التحوّل أهمية الفعل الميداني، لكنّه يُعيد ترتيب أولويّات الظهور، بحيث يُصبح الحُضور الإعلامي أَحَد شّروط الاعتراف العام الأساسية.

أَفضَت هذه الديناميّة إلى انتقال مَلحوظ من منطق التّمثيل؛ أيّ التعبير عن شريحة اجتماعية وحمْل قضاياها، إلى مَنطق الحضور؛ أيّ الظهور المستمرّ في الفضاء الإعلامي. مع مرور الوقت، يَمنَح التكرار نوعًا من الشرعيّة الرمزية التي توحي بالوزن السياسي. في هذا السّياق، تُصبِح قابليّة الظُّهور عاملًا مؤثرًا في تَعريف القيادة، أحيانًا على حِساب معايير الإنجاز، ما يُسهِم في اتّساع الفجوة بين أَنماط قيادة ذات حُضور إعلامي كثيف، وأخرى ذات تأثيرٍ ميدانيّ أعمَق.

الانتقاء التّحريري: حِراسَة البوابة والغِياب كآليّة تنظيم

لا يتشكّل الحُضور بمعزِل عن آليات الانتقاء التّحريري. فاختيارات التّغطية والاستضافة لا تَعكِس دائمًا حجم التأثير الفعلي، بل تتأثّر باعتبارات مؤسساتية أو تنظيمية أو سياسية. في هذا السّياق، تُشير الأدبيات الإعلامية إلى مَفهوم "حِراسَة البوابة" الذي يصِف الكيفيّة التي تُتخذ بها القرارات المتعلّقة بما يَمرّ إلى الجمهور وما يُستبعَد من التّداول.

هذه الآليّة لا تنظّم فقط تدفّق الخطاب، بل تُسهم في تشكيله، ومع تِكرار هذا النّمط، قد يتأثّر وعي الجمهور بحدود البَدائل القياديّة المتاحة، إذ تَميل الذاكرة العامة إلى الارتباط بما هو مَعروض باستمرار في الفضاء الإعلامي، مما قد يحدّ من حُضور شخصيّات تمتلك كفاءَة ميدانيّة لكنّها تظلّ خارج "دائرة الضوء" التّحريرية، وهو ما يؤدّي تدريجيًا إلى تضييق الخيارات القيادية في الوعي الجمعيّ.

المنصّات الحزبيّة وغُرَف الصّدى

تَلعب المنصّات المرتبطة بأحزابٍ أو تياراتٍ سياسية دورًا مركزيًا في تشكيل المشهد الإعلامي داخل أراضي 48. فبحكم وظيفتها، تَميل هذه المنصّات إلى تعزيز خِطاب منسَجِم مَع توجّهاتها السياسية والتنظيمية، وهو ما ينعكِس على أولويّات التغطية وطبيعة الضيوف والقضايا المطروحة. هذا السّلوك مَفهوم ضمن منطق العمل الحزبي، غير أن تحوّله إلى نَمَط ثابِت ومهيمِن يَطرَح تساؤلات حول أَثَره على التعدّد داخل الفضاء العام.

يقود هذا المسار في بعض الحالات، إلى تشكّل بيئات إعلامية مغلَقة نسبيًا، يُعاد فيها تداوُل الخطاب نفسه بصورة متكرّرة "غرف الصدى". في هذا السّياق، لا يُقصى الرأي المختلِف بقرار صريح، بل عبر محدوديّة الوصول والتّمثيل، ما يَجعَل التنوّع القائم في الواقع السياسي والاجتماعي أقلّ حضورًا في التّغطية الإعلامية. ومَعَ الزّمن، قد يُسهم هذا النّمط في ترسيخ تصوّر مبسّط للمشهد العام.

تُثير هذه الدينامية أسئلةً تتعلّق بدور الإعلام الحزبي وحدود مسؤوليّته العامة، فبين حقّ كلّ منصة في التّعبير عن خَطها السياسي، والحاجة إلى فَضاء إعلامي يَعكِس تعدّدية المجتمع وتعقيداته، تَبرز إشكالية الموازَنة بين الانتماء التنظيمي ومتطلّبات النّقاش العام المفتوح.

وَجْهَة الخِطاب: بين الاعتراف المركزيّ وأنماط المساءَلة

تُعدّ وجهة الخطاب عنصرًا كاشفًا في دراسة صناعة القيادة. إذْ يُمكن ملاحظَة مَيل بعض القيادات العربية إلى الظهور في الإعلام الإسرائيلي، مُقابل حضور أقلّ في الإعلام المحلي. 

يوفّر الإعلام الإسرائيلي ما يمكن وصفه بـ "اعتراف مركزي"، يقدّم المتحدّث بوصفه فاعلًا مشاركًا في الخطاب السائد ومخاطبًا لمركَز صُنع القرار، وهي شرعيّة رمزيّة قد تُسهم في تعزيز المَوقع السياسي ضمن السياق المؤسّسي الأوسع. غير أن هذا الدور غالبًا ما يظلّ محصورًا في إطار الظّهور دون نُفوذ، حيث يَبرُز المتحدث في كثير من الأحيان ليتحدّث عن المجتمع وتحدّياته، وليس بالضرورة باسم المجتمع ضمن موازين قوى تسمَح بترجمة هذا الحضور إلى إنجازات ملموسة. ومع الوقت، تتحوّل هذه الشرعية الرمزية المكتسبة من الآخر إلى "شرعية معلَّقة" لكنّها لا تُترجم بالضرورة إلى تمكين حقيقي أو أَثَر باقٍ في الوعي والواقع المحليين.

في المقابل، يعمَل الإعلام المحلي غالبًا كمساحة مساءَلة داخلية، تَطرَح أسئلةً أكثرَ مباشرةً تتعلّق بالتمثيل والنتائج والمسؤوليّة أمام الجُمهور المباشر. ينعكس هذا التّباين في طبيعة الدّور ليس فقط على خيارات الظّهور، بل على طبيعة الخِطاب السياسيّ ذاته، إذ تَميل بعضُ المداخَلات إلى التكيّف مع سُقوف المنصّة المستضيفة وأسئلتها، بما يؤثّر في مضمون الرّسالة وحُدودها.

تَحدّيات المَعنى في عصر "الترند"

لا يُمكن فَصل هذه التّحولات عن سَطوة المنصّات الرقميّة؛ فالخوارزميّات تُكافِئ المحتوى السّريع والقابل للتداول، وتمنَح أفضليّة للأصوات القادرة على جذب التّفاعل الفوري. ومع انسجام منطق التّغطية الإعلامية مع منطق الخوارزمية، يُعاد تَعريف التّأثير ليصبح مرتبطًا بدرجة الانتشار والتّفاعل أكثر مِنَ ارتباطِه بالعُمق أو الاستمرارية.

في هذا المَناخ، يواجِه الخِطاب التّحليلي والعمَل التراكميّ تحدّيات إضافية في الوُصول والانتشار، ولا يَعني ذلك أنّ الحُضور الرقميّ بديل عن الفِعل السياسي، لكنّه يطرح سؤالًا متكرّرًا حول كيفية الموازنة بين متطلّبات التواصل الجماهيري السَّريع، والحاجة إلى خِطاب يظلّ قادرًا على بناء معنىً واستمرارية في القضايا الجوهرية، بدل الانجرار خَلف التّفاعل اللحظي الذي قد يُفرغ القضية من محتواها الاستراتيجي.

يَكشِف المشهد الإعلامي في أراضي 48 أن القيادة لم تَعُد معطًى ثابتًا، بل نِتاج شبكة معقّدة مِن شروط الظُّهور، تشمَل التّكرار، وآليات الانتقاء التّحريري، ووجهة الخِطاب، وتأثير المنصّات الرقمية. ويَطرَح هذا الواقع تحدّيات متزايدة تتعلّق بمواءَمة الظُّهور مع التّمثيل، والانتشار مع المَعنى، في سِياق يَسعى فيه الإعلام إلى الموازَنَة بين منطِق المنصّات ومتطلّبات النّقاش العام.

 ضِمنَ هذه التّحولات، تَبقى الأسئلة مفتوحة حَول قُدرة الفَضاء الإعلامي على تعزيز تفاعل مسؤول ومستَدام بين القِيادة وجُمهورها، يعكِس تنوّع المجتمع وتعقيداته لا اختزاله في صُوَر سريعة. 

نجمة حجازي

صحفية مستقلة، ومراسلة سكايز ميديا والجرمق الاخباري.

رأيك يهمنا