"أَيْقَنَة" غَزّة: الإِعلامُ في "تَطبيعِهِ" المَأْسَاة

لاحَقَتني، في العامَين الأَخيرين، عبارة واحدة في كلّ جلسة مع أشخاص سواء كانوا عربًا أو أجانب: "أنتم أهل غزة أبطال ونفتخر بإنجازاتكم وصمودكم الأسطوري". تكرّس الصورة النمطيّة في الأخبار يقينًا بأن غزة مَنجَم الأبطال، وهو أَمر لا تَستطيع نفيَه رغم قسوَتِه، لأنّ الظروف على الأرض فَرَضت على الفلسطيني مواجهة القصف والقتل والحصار والإغلاق على مدار عقود، واشتدّت الظروف بشكل كبير في غزة بعد عام 2006، وتفاقَمَت بشكل حادّ مع الحُروب التي عاشَها أكثر مِن 2 مليون إنسان، وأَصعبُها الحرب الأخيرة منذ أكتوبر 2023.
يتسابق الإعلام بكلّ أدواته للبَحث عن البَطل في غزة؛ فالأُم التي تودّع أبناءَها داخل مستشفى الشّفاء بابتسامة صابرة، والطفل الذي يَنجو من تحت ركام بيته في مخيم جباليا رافعًا شارة النصر هي مِنَ المَشاهد اللافتة التي تُصدّر للعالم تَحت غطاء سرديّة واضحة تتضخّم باستمرار: "غزة تَصمد ولا تنكَسِر"، غير أن هذه السرديّة رغم قوّتها العاطفية فإنها تَختزل الواقع، وتُغفل ما هو أبعَد من اللحظة المصوّرة.
إن سرديّة البُطولة في الإعلام يُوازيها على الأرض واقع مأساوي، ففي كلّ اتصال مع الأهل والأصدقاء في غزة أَستَمع لمعلومات وحقائق عن الصعوبات اليومية التي تختلف في ظاهرها لكنّ جوهَرَها واحد: الناس تتلهّف لتغيير الحال؛ فالعائلات الهشّة والأشدّ فقرًا وَجَدت نفسها عاجزة أمام المنخفضات الجوية، وغير قادرة على النجاة من الموت، كما انهارت البيوت المدمَّرة فوق رؤوس أَصحابِها، إضافة إلى تفاقم أزمة النّزوح المتكرّر نحو المَجهول، مع استمرار الاحتلال في السّيطرة على مناطق سكنيّة مأهولة بحجّة ضمّها إلى حُدود "الخطّ الأصفر".
لا تَجِد هذه الأزمات المستمرّة صَداها في الإعلام، ولا تَجتهد الكاميرات والتغطيات الإعلامية لإخراجها بشَكل بارزٍ وكافٍ لعرضها أمام المُشاهد على الشاشات والمنصات التفاعلية، المُشاهد الذي كان يتحمّس بشكل ملفت لرؤية مَشاهد البطولة والصّمود؛ فيما لا يُعير الجمهور المتابِع انتباهًا واضحًا للمشاكل اليومية التي يتكبّدها النازحون للحصول على الغذاء والمياه والمأوى والسيولة المالية والاحتياجات الخاصة لكلّ عائلة.
عندما يركّز الإعلام على مُصطَلحات البُطولة والصمود؛ فغالبًا ما يتمّ تَجاهُل الانهيار النّفسي والاجتماعي الذي يتراكَم بصمت، فتَعريف الصمود كما يُقّدم إعلاميًا هو القُدرة الخارقة على الاحتمال دون النظر للحالة الإنسانية الحرجة التي تَستدعى المساءَلة والتدخّل.
فالحقيقة التي نراها واضحة أن كثير من الكيانات الإعلامية والمجتمعات خارج دائرة الحرب تَجْزم بمعادلة واحدة: أن الفلسطينيين ما داموا صامِدين فَهُم قادرون على الاستمرار؛ وما داموا قادرين على التحمّل فالكارثة ليسَت عاجِلة بما يكفي لحلّها.
لذلك نَرى أن الخطاب الإعلامي يَعتمد على الصُمود باعتباره قصّة سهلة التّداول وسريعة الانتشار، وتُخاطِب العاطفة البشريّة بشكل مباشر، إضافة إلى الاعتماد الواضح على الخَبَر العاجل كمادة دَسمة تَعرِضها وسائل الإعلام على التلفاز والمنصّات التفاعليّة كونَه العُملة الأكثر تداولًا في غُرف الأخبار، لأنّ كلّ شيء يقاس بالسرعة، فَمَن حقّق السّبق والنّشر الصحافي أولًا؟ ومن حَصَد التّفاعُل الأَعلى؟
إنّ التقارير الأمميّة وتقارير مؤسسات المجتمع المدني المنشورة وآخرها تصريح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تُفيد بأنّ الأولوية مع بداية عام 2026 هي تدفّق المساعدات لغزة، وتتحدّث عن الانهيار النفسي والخَوف المُزمِن والتفكّك الاجتماعي في غزة. تُعتبر هذه التقارير والإحصاءات قصصًا صعبة وثقيلة وغير مرئية لا يُمكن أن تَليق بعناوين عاجلة أَو مَقاطع فيديو قصيرة – من وجهة نظَر كثير من محطات التلفزة ووكالات الأنباء- لذلك قلّما نُشاهِد تقارير تتحدّث عن اضّطرابات ما بَعد الصّدمة للأطفال، أو تفاقُم معاناة النساء الصحية، أو عائلات انهارت علاقاتها تحت وطأة الفقد المتكرّر، وما يصاحب ذلك من تفكّك وانهيار واضح للنسيج المجتمعي.
كنت أطرح دائمًا سؤالًا: "هل الإِعلام قادرٌ على أن يوقِف الحروب؟"، بصراحة إن وسائل الإعلام تَعتَمِد على نهج مكرّر في اعتماد السرديّة الخبريّة نفسها لعَرض الكوارث والأزمات الإنسانية، وهي تستخدم اللغة نفسها والإطار نفسه وطريقة العرض نفسها، وهذا ينتهي بالجُمهور إلى سيكولوجية الاعتياد، مما يَصنع ضعفًا واضحًا في إحداث الصّدمة وردّة الفعل، وهو ما لاحَظناه خلال متابَعَة العالَم أحداثَ الحرب على غزة مِن مجازر وتهجير وتَدمير مُمَنهَج.
إنّ مِن أبرَز أدوار الإعلام الحاسمة امتلاكُهُ قوةَ نَزع السرديّة المضلّلة التي يتبنّاها الاحتلال والغَرب في تبرير استمرار العنف والقتل ضدّ المدنييّن، لذلك نَجِد أنّه مطلوب توصيف الضحيّة وتَحديد الفاعل واختيار المفرَدات التي تُساعد في تشكيل وعي الرأي العام بشكل قويّ، وتساهم في توجيه صنّاع القرار من خلال بناء منظومة إعلامية واضحة تتحمّل المسؤولية الأخلاقية، وتُساهِم في دَحْض رواية الطّرف الآخر المتستّرة خَلف روايات مشوَّهَه هدفها كَسر عزيمة المجتمع والجمهور.
من المُهِم اليوم الاستثمار الحقيقي بخَلق جيل واعٍ من الإعلاميين وخِريجي كليات الإعلام وصنّاع المحتوى قادرين على بلورة رسالة إعلامية قويّة تَعتَمد على صحافة القصص الإنسانية المعمَّقة لتسلّط الضوء بشكل عميق على احتياجات المجتمعات وتطلّعاتها للحرية ونيل الكرامة، وهذا الأمر يحتاج إلى تَكاتف واضح وعمل دؤوب من وسائل الإعلام في تَخصيص قوالب إنسانية بأُسلوب سَردها وتعاطيها مع الأخبار والقصص، مما يعزز من صِدق رسالتها وقوّة تأثيرها على الرأي العام العالمي.
إن إِعلام "البُطولة المُطلَقَة" الذي نراه اليوم يُغطّي بوعي أو بدونه على جريمة انهيار المجتمع الصامِت؛ وما هو مَطلوب أَنسَنَة الأَحداث ووضعها في سياقها القانوني والأخلاقي كجرائم موثَّقة للتاريخ وتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني، ما تحتاجه غزة وسائل إعلام وصحافيين قادرين على سَرد الحقائق والقول بشجاعة أمام العالم أجمع أن "أهل غزة مُتعَبون جدًا، وأن كرامتهم الإنسانية أغلى من أيّ شعار بطولي".
تصوير: الصحفي هاني الشاعر.

ساجي الشوا
إعلامي فلسطيني من سكان مدينة غزة، حصل على درجة البكالوريوس بالعلاقات العامة والإعلام من الجامعة الإسلامية بغزة.
شغل منصب مسؤول العلاقات العامة والاتصال بعدد من مؤسسات المجتمع المدني المحلية والعربية منذ عام ٢٠١٠، إلى جانب حبه لمجال الراديو فعمل مقدماً للبرامج المتخصصة بقضايا الشباب والمجتمع بعدد من الإذاعات المحلية وترأس قسم البرامج والتدريب براديو ألوان من عام ٢٠١٣ حتى أواخر ٢٠١٩.
يحب مجال التدريب فعمل كمدرب متخصص بمواضيع الكتابة الصحفية والعمل في بيئة الراديو والبودكاست وساهم في تدريب حوالي ٣٠٠٠ صحفي وصحفية منذ عام ٢٠١١ إلى اليوم.
شارك في تقديم الاستشارات لعدد من المؤسسات حول كيفية تطوير الخطط التسويقية والإعلانية الخاصة بالعلاقات العامة والتعامل مع الجمهود وله عدة مشاركات إعلامية بالتلفزيون والراديو والمؤتمرات تناولت قضايا الشباب والنساء وقضايا المجتمع.



