الاستِلاب الرَّقَميّ والتَّبييض السيبرانيّ: تَفْكيك أُسطُورَة الزَّمَن الجَميل

يواجِه الخطابُ الثقافيّ الفلسطيني المعاصِر أزمَة اغتراب وجوديّ أَمام إِحلال رقميّ استعماري؛ إذ يَبرز نظام الذكاء الاصطناعيّ بمثابة غَريم سيبراني يُعيد صياغة الهوية الفلسطينية عامة، والمشهَد الفلسطيني خاصة، عَبر تَفكيك بُنيَته الوجدانيّة الوطنية؛ أي النّبض الإنساني، والمَشاعر الجيّاشة، والارتباط الفكري والروحي بأرضِ الأجداد.
لا يَنفصل هذا الاستهداف اللامركزيّ عن بُنية الآلة الاستعماريّة المُهيمِنة، كونه منظوَمة رقميّة رياضية تتشكّل إجراءاتها حول علاقات خوارزميّة تتدخّل مباشرة في إنتاج المعرِفة وإعادة صياغة الذاكرة التاريخية؛ لتفرِض منطقًا رياضيًا واحتمالات مبرمَجة سلفًا تَكشف عن تحيّز الآلة وانفصامها التّام عن نبضِ الواقع الاجتماعي المَعيش.
يؤدّي هذا الاستلاب المعرفي إلى مَأسسة الوعي الفردي وتقويض هويَة المبدِع، مستهدفًا الأَصالة الثقافية في أَبعاد تشريحية متوازية؛ فتجدُه، يَجتث الرموز الوطنية من سياق المقاومة ومن جذورها الاجتماعية والتاريخية — كما هي الحال مع الثّوب الريفيّ المطرّز، والدّبكة والحَصاد والمحراث والقرية الفلسطينية بأحواشها وحظائرها وزقاقها وقِبابها على سبيل المثال لا الحَصر في الفُنون الجَميلة من صورٍ ولوحات تشكيلية وفيديوهات —وبذلك يتمّ فصلُ الرمز عن النّزيف اليومي والذاكرة الجماعية لفاجعة العائلة الفلسطينية التي تعرّضت مند مطلع القرن العشرين إلى الإبادة والتشريد، هذا النّزيف الذي ما زالت تذكّرنا به مَجزرة غزة، وتدمير قرى والتجمّعات السكنيّة في النقب، وهجمات المستوطنين المَسعورة على قرى الضفة الغربية والفلسطينيين العُزل وإضرام النار في حقول الزيتون وتجريفها، وسرقة المواشي والأراضي في الضفة الغربية، فكافة هذه الاعتداءات العنيفة هي امتداد للأعمال الإرهابيّة الصهيونية التي توَّجتها النكبة. في المقابل، وعَبر الذكاء الاصطناعي، يتحوّل الخطاب الثقافي في محاكاة رقميّة مُفرَغة من شُحنتها السياسية والأيديولوجية الحيّة إلى منتَج بلا روح، منفصِم عن الواقع التاريخي الفلسطيني، عَبر فرزِ أفلام، وفيديوهات، وصوَر، ومنتَجات مرئيّة وأدبيّة، تَمسخ الماضي الأليم والفاجعَة الفلسطينية ومآسيها المستمرّة وتُحيلها إلى سرديّة رومانسية تُثر إحساسًا جماليًا وتُظهرها وكأنّها أيام الخير.
بِهذه الآلية اللامركزية يصادَر حقّ الفرد في إنتاج المَعنى، ويُستَلَب المثقَّف الفلسطينيّ من حَقّه التاريخي في تفسير رموزه دون وَسيط آلي أو نظام معرفيّ مهيمن يَفرض عليه صياغات وتَأويلات مسبقَة الصُنع تُلائم المعايير الاستعمارية العالميّة والعقلية الغربية السائدة؛ ممّا يشوّه الذاكرة الجَماعيّة ويجمّد الاستمرارية الوجدانيّة الفردية، بوصفها النبض الحيّ الذي يتناقلُه الأبناء من الآباء من جيل إلى جيل.
يُدهشُنا في المشهد الثقافي الفلسطيني أن نَجِد العَديد من المفكرين، والمؤرّخين، والأدباء، وصُنّاع المحتوى، قد انساقوا طوعًا إلى فخّ الذكاء الاصطناعي، وقد تنازَلوا عن دورهم النقديّ وحِصنهِم الفكري الإبداعي، ليتحوّلوا إلى مستهلكين ومترجمين لبلاغة الآلة الجاهزة؛ حيث لا تُنتَج السردية بناءً على المعاناة المباشرة، بل وفق معايير "الرؤية والانتشار" المَفروضة من شركات التكنولوجيا الرأسمالية العابرة للقارات التي تَستعمر البيانات وتَخترق البُنى الإدراكية، لتَخلق في هذه الجدليّة ما يصفه جان بول سارتر بـ "الوعي الزّائف". تكمُن خلفَ هذا الانسياق دوافعُ نفسيّة تَفضح بنية "الخِيانة المعرفية"؛ فبدلًا من مكابدة مخاض الكتابة والاشتباك الإبداعي المنهِك نفسيًا وجسديًا، يستسهل العديد اللجوء إلى الآلية الرقميّة هربًا من كلفة الإبداع الوجدانيّة. يتبدّى عُمق الأزمة في تحوّل هذه الأدوات إلى مَلاذ للعاجزين عن صياغة الموقِف أو الكتابة أصلًا، يلتقي الخُمول الفكريّ بالغواية النرجسيةّ وحبّ الظّهور الفوري، وَسَط مناخ من التلوّث المجتمعي والافتراضي؛ وهو مناخ موبوء يُنتج تبريرات تقنية فضفاضة تُستغل للتّغطية على هذا التّنازل، وتعمَل كأداة لحجب الفكر التأمليّ والتحليلي العميق وتدميره.
من المفارَقات أن عمليّات استلاب المشهد الفلسطيني لا تَصدر عن وعيّ ذاتي أو إرادة مستقلّة يملكها الذكاء الاصطناعي، فهي مجرّد "منظومةٍ رقميّة" قوامها الرياضيات؛ بل تكمن في كوننا نحن الذين نشكّلها ونمنحها هذا الحضور بصورة لا إرادية عبر اختياراتنا وانصياعنا اليومي لها، فلقد هُندست بنيتها متبعةً استراتيجية "تتمسكن لتتمكن" لإيقاعِ العقل البشري في شِرْكها الطوعي وتدجينه.
والأَدهى من ذلك، أنّ هذه المَنظومة، برغم طبيعتها اللامركزية، فهي مَحكومة بآليّتها الرياضية التي تَفرض سرديّات نمطية مبرمَجة سلفًا على مختلف جوانب المشهد الفلسطيني، فتُفقده ارتباطه الواقعيّ التجريبيّ بأرض الأجداد وتُفرز خطابًا نمطيًا يعزل الذاكرة الجَماعية.
يتناقَض هذا التنازل البشري الطوعيّ حيال الذكاء الاصطناعي مع طبيعة الفَرد بوصفه ذاتًا حرّة قادرة على ابتكار الدلالَة وتوليد المَعاني من نقطة الصفر التاريخي والمادي المعمّد بالتجربة الذاتية والجماعية؛ فهي ليست مجرّد عيّنات عشوائية، بل هي "عزلة بنيوية ممنهجة" تَنزع السلاح والتاريخ والنضال عن الكلمة لتستبدلها بتكرار آلي ميكانيكي بارد، إذ لا تتحقّق الأصالة والعمق عبر التكرار الآلي النمطيّ للمنظومة المعزولة عن سياق المجتمع التاريخي النضالي، بل بالمثابرة والاشتباك الثقافي والبحث الحيّ المتجذّر في تجربة الواقع الوجودية والأخلاقية.
هُنا يلتقي الذكاء الاصطناعي بظاهرة "أَيام الخير" الزائفة عبر آلية "التّبييض الجَمالي"، ليَدفع بالخِطاب نحو الانتقال من مرحَلة الاستلاب الفنيّ إلى مرحلة التّخدير الأيديولوجي؛ حيث يُختزل النّزيف الفلسطيني المستمر وعلاقة الإنسان بأرض الأجداد، ويُحال إلى مجرّد مجموعة رموز تزيينيّة جميلة تتّسع حقيبة السفَر لحملها بوصفها مقتنيات تذكاريّة هجينة خفيفة الوزن يَسهل تسليعُها، منفصمة تمامًا عن طين الأرض ومكابَدة البقاء عليها.
ومن خِلال صهْر فواجِع النكبة والنكسة والمذابح المستمرة في غزة والتّشريد في النقب والضفة والقدس، تُعاد صياغة المأساة داخل فضاء رقميّ يُحيلها إلى سرديّات حنين مبرمجة سلفًا، نتبينها في فيديوهات وصور ولوحات فنية يرافقها فيض من الذكريات التاريخية الجميلة الملفَّقة بلاغيًا وبصريًا مع الوالد والوالدة؛ كصورة الأُم الرؤوم التي تَعجن وتَخبز الطابون، والأب الرؤوف الذي يَعمل في الحقل ويكبر، وهم يرقُصون الدبكة في إطار جماليّ منمَّق ومصطنَع.
إنّ هذا التّركيز الاستعراضي على الأَماكن والرّموز والشّخوص يُسقط التاريخ بكلّ جراحه وويلاته المادية ليَحصر الذاكرة الجمعيّة في حلُم ماضٍ جميل؛ وهو حلُم يَشتغل كمخدّر وجداني يُدجّن الوعي لتبييض الواقع الاستعماري، وجعْل الحياة مقبولة، مستبدلًا الكلمة الحرّة الفاعلة بأداة تقنيّة للتطبيع مع الأمر الواقع تحت وطأة الاحتلال.
تكمُن المفارَقة الصّادمة هنا في انبهار المتلقّي والقارئ العربي والفلسطيني بتدفّق هذا النصّ الميكانيكي المنمَّق وتلك اللغة البصريّة المبهِرة؛ إذ يوضِح هذا المشهد بعمقٍ فلسفيّ صادم كيف يتحوّل انبهار المتلقي بالنصّ الخوارزميّ المنمَّق إلى أداة تآكل واغتيال معنويّ للشخصية الوطنية، وكيف تجري مصادرة الصراع الوجوديّ من الحقول والمخيمات ليصبح مجرّد خلاف تقني حَول سياسات النشر وما يُسمى "خِطاب الكراهية" الافتراضي.
إنّ هذا التّبييض السيبراني الممنهَج يَطمس الألم الفلسطيني الصرف ويُفرغه من مضمونه التحرّري والأيديولوجي؛ حيث يحوّل الصراع الوجودي إلى مادَّة جَمالية عابرة تستهلكها نرجسيّة المشاهَدة الفورية، دون أدنى التزام أخلاقي وسياسي بجَوهر القضية وعدالتها المطلَقَة، وفي محصّلة هذه المواجهة الوجوديّة الحتميّة، يَختزل هذا المنطق نبضَ التّجربة الإنسانية المرويّة بالدّم، محققًا بذلك اغتيالًا هادئًا وممنهجًا للشخصية الوطنية وتجربتها النضاليّة الحقيقية، مستبدلًا المقوّمات الوجدانية الأصيلة بذاكرة اصطناعية هَشة وقابلة للتّعديل والمسْح بضغطة زر واحدة وفق أهواء القوى المهيمنة سيبرانيًا.
إن موقِفَنا الإنساني والوطني حِيال هذا الغَريم السيبراني المهيمِن يَفرض حتمًا امتلاك سيادة الأَداة وتَطويعها المعرفيّ الصارم، بدلًا من الانكفاء الكامل أو الرّفض العَدَمي الذي يسلّم الساحة تمامًا للرواية المختلقة.
فالذكاء الاصطناعي طاقة معرفيّة موسوعيّة لا يبرر استعمارها للبيانات ارتكاب حماقة فكرية بإقصاء منافِعها خشيةً من مساوئها؛ بل يَكمن المحكّ المصيري هنا في كَبح جماح هذه القوة التكنولوجية لتُصبح ركيزة حضارية تَخدم أهدافنا الوطنية وسرديتنا التحريريّة العادلة، مِمّا يَمنع تحوّلها إلى وسيلة مهيمنة لإحكام السيطرة المعلوماتية عبر دكتاتورية البيانات والرقابة الرقميّة الناعمة التي تستهدف الشعوب الواقِعة تحت الاضطهاد والاستعمار المادي الإحلالي.
وبناءً عليه، لا تَكمن الغاية في القَطيعة المطلَقة مع التكنولوجيا والتحوّل إلى أعداء سُذج للآلة، بل في الحيلولة دون تَعليب الفِكر التأملي والوجداني بنمذَجة آلية مفرغة من حرارة الواقع والتّجربة المعيشة.
يجب أن تظلّ الحكمة الإنسانية والوعي اليقِظ هما الضّامن التأسيسي لتحدّي محاولات الآلة تسليعَ القضية وتحويل الجرح الحيّ إلى فولكلور استهلاكي رومانسيّ منفصِم ومغترب عن الجذور المادية، وفصل هذا الزائف المختلَق عن الذاتيّة الوجدانية المنبثقة من جدليّة علاقة الفلسطيني بأرض الأجداد وبتاريخه وبمعاناته المستمرّة في مواجَهة آلة المَحو والتهجير. هنا تحديدًا، تَلعب فاجعة النكبة دورًا مركزيًا وكبيرًا في تشكيل الوعي الفلسطيني المعاصر، كونها نزيفًا مستمرًا على الأرض وفي الذاكرة لا ولن تَندمل جراحها بأيّ مصفوفات حسابيّة باردة أو محاكاة خوارزميّة ملطِّفة، وهو ما يَصون في نهاية المطاف ذاتيتنا الثقافية وإبداعنا المقاوِم، ويُبقي الحكاية الفلسطينية حيّة بملامحها الحقيقية، عصيّة على التّرويض والمسْخ في المشهد الثقافي العالَمي.

د. علي قليبو
أستاذ جامِعي، وباحث أنثروبولوجي، وكاتب وفنان تشكيلي مقدسي. له مؤلفات عديدة حَول الهويّة الفلسطينية وجذورها في الحضارة الكنعانية، نَذكُر منها "أرض الأجداد.. من الأزَل إلى الأَبد" و"القدس في القلب" و"المَعالم المِعمارية في القدس المملوكية"، إلى جانب مساهمات أكاديمية في دوريات وصحف باللغة الإنجليزية.



