ما بَعدَ الحَقيقَة: لَعنَةُ الوَعي والهُويّة حتّى الرَّمَق الأَخير

أصبحَت الحقيقة، في عصرنا الراهن، مفهومًا يواكِب التطور والتحوّلات المتسارعة. ورغم تعدّد الآراء حول معناها ومضمونها، فإنّ المشهَد الأخير يكاد يكون محلّ اتفاق بين الأجيال جميعها: الحقيقة لم تَعد تحتلّ المكانة ذاتها التي كانت لها يومًا. ربما لم تختفِ الحقيقة أبدًا، بل توارَت خلف طبَقات من الروايات والتأويلات والأقاويل. فلم يَعد الأهمّ ما حدث فعلًا، بل ما يبدو أكثر إقناعًا، وأكثرَ قابلية للتداول، وأقدَر على إثارة العاطفة وجذب الانتباه. 

وهكذا أصبحَت الحقيقة أكثر نُدرة، لا لغيابِها، بل لصعوبة الوُصول إليها. فكلٌّ، على قدْر قُدرته على الإقناع، يَعقد قِرانه بالحقيقة، مدّعيًا امتلاكها، حتى بدَت كأنّها فقدَت عذريتها في الطريق العام. ولم يَعد ذلك مقتصرًا على الأحاديث اليومية أو المنصّات الرقمية، بل امتَد إلى أروقة المؤسَّسات التي يُفترض أن تكون حارسةً لها. ففي المحكمة، التي يُفترض أن تكون صَوت الحقيقة، تقف الأخيرة وحيدة بأَرجلها النحيلة، تتأرجَح بين أن تكون القضيّة ذاتها أو أَحَد أطرافها. 

 لطالما نشأَت الأجيال على فكرة أن الحقيقة واحدة، وأن الوَقائع ثابتة مهما اختلَفَت زوايا النّظر إِليها. لكن ما بعدَ الحقيقة ليس كذبًا بالمعنى التقليديّ، ولا هو محاولة مباشرة لإخفاء الوقائع، بل هو حالة أكثر تعقيدًا؛ حالة يصبح فيها الشعور أَقوى من الدّليل، والانتماء أَسبقَ من التحقّق، وتغدو الحاجة إلى إثبات الوجود أحيانًا أهم من البحث عن الحقيقة نفسها، حتى لو كان الثمن أرواحنا.

 يتجلّى ذلك بوضوح في قضايا الهويّة والحروب والنزاعات السياسية. ففي كثير من الأحيان لا يَدور الصراع حَول الأرض وحدَها، بل حَول الرواية التي تفسّرها، والذاكرة التي تحفظها، والمعنى الذي يمنحُها شرعيتها. هنا تتحوّل المعركَة إلى تنافس محتدِم بين سرديّات متضاربة، تسعى كلّ واحدة منها إلى احتكار المَعنى وإعادة تشكيل الذاكرة الجماعية. ومع هيمنَة المنصّات الرقميّة واستمرار الخوارزميات في جذْب الانتباه وإشباع ميول المتصفّح، أُتيحت مساحة غير مسبوقة لكلّ فرد ليكون شاهدًا وناقلًا ومفسرًا ومشاركًا في الحدَث في الوقت ذاته. من خلال هاتفٍ صغير، أصبح العالَم بأسره يتدفّق إلى شاشاتنا، فتتسّع المسافة بين ما نَراه وما نستطيع التحقّق منه.

 جاء الذكاء الاصطناعي ليُضيف طبقة جديدَة من التّعقيد، بما يملكُه من قُدرة هائلة على إنتاج المحتوى ونشرِه وإعادة تشكيله. ومع ازدياد قدرتِه على منافسة الكُتّاب والمصوّرين وصنّاع المعرفة، يصبح التحدّي الأكبر هو الحفاظ على التفكير النقدي، والقُدرة على التمحيص والتّمييز بين ما هو حقيقي وما هو مُصاغ بعناية ليبدو كذلك. 

في الحالة الفلسطينيّة، يكتسب هذا المفهوم بُعدًا أكثر حِدّة. فبينما يعيش الفلسطيني واقعًا ملموسًا من الاحتلال والاقتلاع والقمْع، تستمرّ محاولات إعادة تصوير هذا الواقع أو التّشكيك فيه أو تجزئته وصولًا إلى إنكاره. هنا لا يصبِح الدفاع عن الحقيقة مجرّد مهمّة إعلامية أو موقفِ سياسي، بل فعلًا وجوديًا مرتبطًا بالذاكرة والهوية والبقاء.

وبين الذاكرَة والأرشيف، وبين الشّهادة والرواية، يَختلط دم الشهداء بمحاولات إثبات الحقّ، فيما يصبِح التضليل جزءًا من المشهد اليومي، وتتعدّد العدَسات التي تنظر إلى الحدَث الواحد، حتى يكاد الأصلُ يضيع وسَطَ كثافَة الصوَر والتفسيرات. وربّما لهذا السبب لا ينبَغي أن يكون سؤالنا اليوم: هل ما زالت الحقيقة مَوجودة؟ فالأرجح أنها موجودة، كما كانت دائمًا. لكن السؤال الأهم هو: هل ما زِلنا نَملك الشجاعة الكافية للاعتراف بها وسَطَ هذا الصخب؟ ففي عالَم مُتخَم بالإجابات، تعُجّ فضاءاته بالأصوات المتعارِضة والسرديات المتنافسة، لا تُصبح الحقيقة أقل حضورًا، بل يُصبح الوصول إليها أكثر مشقّة. فالحقيقة في جوهرها لم تكن يومًا مجرّد مجموعَة وقائع، بل كانت أيضًا مساحَة مشترَكة نقف عليها معًا لنختلف، ونتحاوَر، ونبني فهمًا للعالَم. وعندما تتآكل هذه المساحَة، لا يصبح الخلاف أكثر حدّة فحسب، بل يُصبح الحوار ذاته مهددًا، وتغدو الهويّة ساحة صراع مفتوحة، ويصبح التشبّث حقيقة فعلًا من أفعال المقاومَة والوجود. ويبقى السؤال عالقاً؛ هل ما زلنا نَبحث عن الحقيقة أَم عن الرواية التي تشبهنا؟

أكتب عن ما بَعد الحقيقة مِن موقِع مَن اختبر هشاشَة الحقيقة وقسوَة التّشكيك بها فكان لها صدى شخصيّ وتجذّر داخليّ عميق. خُطِفَت مني سنواتٌ لأفهَم أن الإنسان لا يَعيش وفق الحقيقة دائمًا، وأنّ الحقيقة ليسَت ذلك الشيء الصَلب والواضح الذي تخيّلناه في بداياتنا، وأنّ النُضج لا يعني امتلاك الإجابات بقدر ما يَعني الشجاعة الكافية لمواجهتها، وأنّ الصّراع لا يدور حَول الوقائع وحدَها، بل حَول الحقّ في سرد الروايات التي يبنيها حولَها عن نفسه، وعن الآخرين، عن الحبّ والخسارة والصُمود.

 بَين الحقيقة والرّغبة، وبَين الوعي والانتماء، تتشكّل السرديات وتتكاثَر وتُعاد كتابة المعاني، نتمسّك بأشخاص لأنّنا نتمسّك بفكرة عنهم، ونَبقى في أماكن استنزفتنا لأنّنا نصدّق قصّة قديمة عن أنفسنا، نؤجّل الرحيل لأنّ الاعتراف بانتهاء الأشياء يحتاج شجاعة تَفوقُ شجاعَة البقاء أحيانًا.

 أَدركتُ أن أصعبَ الحقائق ليست تلك التي نخَوض حولَها النقاشات العامّة، بل تلك التي نواجه بها أنفسَنا في العتمة. أنّ الحقيقة، مهما بدت مؤلمة أحيانًا، أكثرُ رحمة من الوهْم الذي يمنحُنا عزاءً مؤقتًا، هذا ما يجعل التمسّك بالحقيقة فعلًا من أفعال المقاومة.

لَم أَعُد أبحَث عن اليقين المطلَق، بقدر ما أصبحت أَبحث عن الصدق؛ الصدق مع الذات، مع الذاكرة، مع المشاعر والهوية، ومع ما أعرفه حقًا وسط عالم يزداد ازدحامًا بالأصوات، ويَضيق فيه المجال أمام اليقين ويتبدّد. عندها يصبح سؤالي شخصيًا ومؤلمًا، فكيف يمكن للإنسان أن يدافِع عن حقيقة عاشَها بجسده وذاكرته وأحاسيسه حين تتحوّل الحقيقة نفسها إلى موضع نزاع وكثرة اللاغين فيها؟ فالحقيقة لا تموت، لكنّها قد تُحاصر.. وما يبقيها حيّة ليس كثرة من يهتفون ويتحدّثون باسمها، بل شجاعة من يواصلون البحث عنها ويتشبّثون حتى الرّمق الأخير.

رواء بدوي

معالجة نفسية ومحللة سلوك للتوحّد مع لقب ثانٍ في العلاج اللغوي العصبي NLP، ولقب في التشخيص التربوي التعليمي. 

رأيك يهمنا