مِن ما بَعدَ الحَقيقَة إلى الظُّلم المَعرِفيّ: "أَدِلَّةٌ" مِن مُحاكَمَة الفَنّانة مَيساء عَبد الهادي

تُعدّ اللحظات التي تَجِد فيها المحامية نفسها واقفةً بين منظومَة قضائيّة تمارس القَمع، ومتَّهَمة تُلاحَق أساسًا على خلفيّة سياسيّة في ظّل خطاب كَراهية، من أَصعب اللحظات المهنيّة. فالتّحدّي لا يَقتصِر على شرحِ قواعد اللعبة القضائيّة للموكِّلة، بل يَمتدّ إلى مشاهَدة صعوبة تَقبّل موكِّلَتها ترجمةَ تجربتها الشخصيّة وعالَمَها القيَميّ إلى اللغة والإجراءات القانونيّة التي تَستخدمها المَنظومة التي تُلاحقها.
في قضايا الملاحَقات السياسيّة، يكون الاختيار عادةً بين استراتيجيتين: تقوم الأولى على إدارَة المحاكمَة وِفق قواعد اللعبة القائمة، مع التّسليم بشرعيّة المحكمة وسُلطتها، أملًا في الحصول على البراءَة أو على الأقلّ تخفيف العقوبة. أما الثانية، فتَرفض الاعتراف بالشرعيّة الأخلاقيّة للجِهة التي تحاكِم المتهَمة، وتُحوّل قاعة المحكمة من ساحةٍ للدّفاع إلى منصّة لتَوجيه الاتّهام إلى الدولة نفسها. لا تَهدف هذه الاستراتيجية بالضّرورة إلى انتزاع البراءَة، بل إلى نَزع الشرعيّة عن الملاحَقَة السياسيّة، حتى وإن دَفَعت المتهَمة ثمنًا شخصيًا باهظًا.
تَقتَضي أخلاقيّات مهنة المحاماة، بصيغتها التقليديّة، أن يَعمَل المحامي على تَقليص الضّرر القانوني الذي قد يَلحَق بموكله، وأن يجعَل مصلحته القانونية فوق كلّ اعتبار. صحيح أنّ رغبة المتّهَمة في تحويل محاكمتها إلى مساحة لإثبات عدالتها الأخلاقيّة وكَشفِ الظّلم الذي وقع عليها تُعبّر عن مصلحة شخصية بالنسبة لها، لكنّ ذلك لا يَضمن بالضرورة مَصلحتها القانونية. لذلك، نَجد أنفسنا أثناء التّحضير للمحاكمة مضطرين لتَذكير موكّلينا مرارًا بالتّركيز على الوقائع وبُنود لائحة الاتهام. وفيما تُصرّ الموكّلة على شرحِ موقفها الأخلاقيّ ورؤيتها العالَمَ، نضّطر كمحامين إلى مقاطَعَتها والتّذكير بأنّ القاضية لا تَنظر إليها بوصفها صاحبة موقفٍ فكريّ، بل باعتبارها متَّهمة قد تنتهي قضيّتها بإدانتها وإنزال عقوبة السّجن.
وقد تجلَّت هذه الإشكالية بصورة أوضَح في تمثيل المتَّهمين الفلسطينيين الذين قُدّمت ضدّهم لوائح اتهام بسبب تصريحات أو منشورات، ولا سيما بعد أحداث السابع من أكتوبر وحَرب الإبادة على غزة. فالقاسم المشترَك بين معظم هؤلاء المتَّهَمين، وخاصة الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، أنّ اعتقالهم ومحاكمتهم سَبَقهما تحريض واسع ضدّهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تضمّن دعوات صريحَة للاعتداء عليهم وسط خطاب كراهية وعنصريّة وتَحريض دمويّ.
وبدلًا من أن تَأخُذ سلطات إنفاذ القانون دورها في حماية المستهدَفين بهذا التّحريض، تحوَّلت إلى صدىً له. فلقد أصبح التّحريض عبر شبكات التواصل أو الإعلام الإسرائيلي بمثابة الضّوء الأخضر الذي مَنَحه الجمهور المحرِّض للشرطة كي تتحرَّك. فما أن تتعرَّض لحملة تَحريض حتى يصبح اعتقالك مسألة وقت.
هكذا، لم يكُن خطاب الكراهية مجرَّد خلفية للأحداث، بل أصبحَ في كثير من الحالات المبرّر الفعليّ لاعتقال الضحيّة المستهدَفة دون أيّ علاقة لوجود مبرّر قانوني للاعتقال أو انعدامه.
ولم يكُن التّحريض الشخصيّ ضدّ كلّ مشتبهٍ به سوى جزءٍ من مشهد أوسَع اتّسم بأجواء غير مسبوقَة من العدوانية الّلفظية، شَمِلت دعوات إلى إبادة الفلسطينيين، والقَضاء على المواطنين العرب في إسرائيل، وتَهجيرهم، ومَحو غزة، وغير ذلك من الخِطابات التي حرَّضت على العُنف والطّرد والإقصاء. وفي الوقت الذي حوكِم فيه مئات الفلسطينيين بسبب منشورات على وسائل التّواصل الاجتماعي، أُغلقت جميع الملفّات التي فُتحت ضدّ يهود دعوا علنًا إلى الإبادة الجَماعيّة.
ذلك هو المَشهد العام الذي تكشَّف أمام أعُيننا منذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم.
بالعودة إلى قاعة المحكَمة، يبرز السؤال الجوهريّ: ما هي الاستراتيجية التي يَنبغي اعتمادُها في الدفاع عن متَّهمَة كانت حملة التّحريض ضدّها على شبكات التّواصل هي التي قادَت إلى اعتقالها، ثمّ إلى تقديم لائحة اتهام بحقّها، ثم إلى تعرُّضها لعنف الشرطة، في حين لم يُحاسب أيّ ممن حرّضوا عليها واستباحوا دمَها؟ هل ينبغي لها أن تتعامَل مع قواعد اللعبة القضائيّة كما هي، وأَن تسعى إلى حماية مصلحتها الشخصيّة من خلال إسقاط لائحة الاتهام أو تَخفيف العقوبة؟ أَم أنّ عليها أن تَرفض التّعاون مع هذه القواعد، وأن تُنكر الشرعيّة الأخلاقية لمنظومة إنفاذ القانون التي تَحوّلت، في نظرها، إلى الذّراع التنفيذيّة لجمهورٍ محرِّض؟
بين هذين الخيارين، يَبرز نموذج ثالث يُمكن اعتباره حلًا وسطًا. يقوم هذا النّموذج على مواجَهَة التُّهم والوقائع وفق القَواعد الإجرائيّة المعمول بِها، مع استثمار تلك القَواعد نفسها لإدخال الحقيقة التي تَسعى هذه المنظومة إلى إقصائها من قاعة المحكمة. لا يفرّط هذا النّموذج في المَصلحة القانونية للمتّهَمة، وفي الوقت ذاته يحاول زعزعَة الشرعيّة التي تستند إليها ملاحَقتها.
غير أن نَجاح هذا النّموذج مَشروط باستعداد المؤسَّسة القضائية توسيع مفهوم "الحَقيقة" التي يُفترَض بالمحكمة البَحث عنها. فالحقيقة في هذه الحالة لا تَقتصر على فحص الوقائع القانونيّة المنسوبة إلى المتَّهَمة، بل تمتد أيضًا إلى بحث الحقيقة التي تطرحها المتَّهَمة بشأن الظّلم الذي تعرَّضت له، وانعدام الشرعيّة الكامن في قرار ملاحَقَتها أصلًا.
السؤال هنا: إلى أيّ مدى تَسمح قواعد اللعبة القضائيّة القائمة بِكَشف هذه الحقيقة؟ وإلى أيّ مدى ترغب المنظومة القضائيّة أصلًا في استخدام الأدوات القانونية ذاتها لتمكين المتَّهَمة من عرض روايتها وكشِف الحقيقة التي تَحملُها معها إلى قاعة المحكمة؟
يَكشف ما يَجري في محاكَمة الممثلة الفلسطينية ميساء عبد الهادي، بوضوح، كيف تتعامَل المنظومة القضائية مع أيّ محاوَلة لإدخالِ حقيقةٍ إلى قاعةِ المحكمة تَختلف عن الحقيقة التي تؤمِن بها. فقد قُدّمت ضدّ عبد الهادي لائحة اتّهام في أكتوبر/تشرين الأول 2023 على خلفيّة منشورين نَشَرتهما عبر وسائل التّواصل الاجتماعي. اختارت عبد الهادي أَن تواجِه لائحةَ الاتهام من حيث الوَقائع المنسوبة إليها، لكنّها، في الوقت ذاته، أَصرّت على أن تجعَل المحكمة تواجِه حقيقةً أخرى: أنّ الدولة تصرّفَت كذراع تنفيذيّة لجمهور حرّض على العنصريّة والكراهيّة، متسترةً بشعار إنفاذ القانون.
ليست المحاكمَة بالنسبة للفنانة عبد الهادي مجرَّد ساحة للدفاع عن نفسها، بل فرصَة لكشف آلية القَمع التي استُخدِمت في اعتقال المواطنين العرب، وللإجابة على سؤال وجودهم وحدَهُم على مقاعِد الاتهام، بينما تمتَّع آخرون بحصانَة كاملة رغم نَشرِهم خطاباتٍ تحرّض على الكراهيّة والعنف والعنصريّة دون أيّ مساءَلة.
استَدعَت النيابة، خلال مرحلة سَماع البيّنات، أَحَد شهودها لإثبات الاتّهامات الموجَّهة إلى عبد الهادي. وكان الشّاهد مواطنًا يهوديًا إسرائيليًا، أفاد بأنّه قدَّم شكوى إلكترونية إلى الشرطة ضدّ أَحَد منشورات عبد الهادي. اعترَف هذا الشّاهد أمام المحكمة، أثناء شهادته، بأّنه لم يكُن يَعرف من هي ميساء عبد الهادي ولم يُشاهِد منشوراتها أصلًا. كلّ ما في الأمر أن صديقَه، طَلَب منه إعادةَ نشر المنشورات عبر حسابِه بهدف التّشهير بها. ويُستدلّ من مواد التّحقيق بأنّ الشاهد لا يُجيد اللغة العربية أساسًا.
كجزء من الحاجَة لإدخال الحقيقَة المغيَّبة التي أَرادت ميساء إدخالَها المحكمةَ فوجئ الشاهد خلال استجوابي المضّاد له، بمواجهتِه بمنشوراته هو، والتي تضمَّنت مضامين عنصريّة وتحريضًا على العنف والإبادة والقتل. أقرّ الشاهد أَمام المحكمة بأنّ المنشورات التي عرضتُها أمامَه تابعة له. ومِن بين الأمور التي نَشَرها كان منشور بتاريخ 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كتب فيه: "مستشفى دار الشفاء Ctrl+Shift+Del"، في إشارَة ساخرَة إلى مَحو المستشفى، وهو منشور تفاعَل معه آخرون بتعليقاتٍ تَحمِل المَعنى نفسه وبرموز تعبّر عن الفرح والشّماتة.
في منشور آخر، نشَر الشاهد صورةً لمؤتمر أكاديمي عُقد في جامعة تل أبيب حول قتل الأطفال في غزة، وَصَف فيه المتحدّثتين اللتين ظهرتا في الصورة بعبارات سوقيّة وجنسيّة مقزّزة. كما نَشَر في مناسبات أُخرى صورًا لشخصيات إسرائيلية بارزة، من بينها إيهود أولمرت ويائير غولان ويوآف غالانت، مع اقتباسات لتحذيراتهم من الجرائم المرتَكَبة في غزة، ووصفهم بالخَونة، وشبّههم بالشيطان، وتمنّى أن "ترتدّ عليهم الكارما كالمطْرقة".
ولم تتوقّف منشورات الشّاهد عندَ هذا الحدّ، بل دعا إلى تدمير غزة، واحتجّ بشكل عنصري على سماح السلطات للمواطنين المسلمين بأداء الصلاة في الشّوارع، كما تمَّت مواجهتُه على مَسمَع من المحكمة بنشر منشورات تحريضيّة ضدّ قُضاة المحكمة، واصفًا إيّاهم بالخونة. كلّ هذا فضلًا عن نَشر منشورات تضمَّنت دعوات مباشرة إلى القتل والإعدام.
أثار كَشفُ هذه المنشورات داخل قاعة المحكمة، واقتباسي المتعمَّد لما جاء فيها، غَضَبَ الشاهِد، وغَضَب النيابة، وحتى غَضَب المحكمة نفسها. سارَعَت ممثِّلة النيابة إلى الاعتراض على أسئلتي، وطَلَبت من الشّاهد الامتناع عن الإجابة، كما طالَبَت بمنحِه حصانة من تَجريمه نفسَه، مؤكّدة أن "المحاكمة تخصّ ميساء عبد الهادي، وليس الشاهد". في تلك اللحظة، وَقَفَت ممثّلة الدولة -التي من المَفروض أن تُمثّل صوت القانون والحارسة المفترضة للمصلحة العامة- مستخدمةً كامل ثِقَل المؤسَّسة التي تمثّلها، ليس من أجل حماية العدالة، بل من أَجل حماية شخصٍ أقرّ بلسانه نَشر منشورات تَدعو للكراهيّة والعنف والعنصريّة، ولضَمان بقائه في مَأْمن من أيّ مساءَلة، حتى يتمكّن من أداء دَورِه في تجريم المتَّهَمة.
أمّا القاضية، فلم تُبدِ أيّ اهتمام بمضمون المَنشورات التّحريضيّة التي أَقَرّ الشّاهد بنشرها، بل طَلَبت أن أُوضح مدى صِلَتها ببَحث مسؤوليّة عبد الهادي الجنائيّة. فمن مَنظور القانون، إذا لَم تكُن الأسئلة ذات صلة مباشرة بالاتّهامات المَنسوبة إلى المتَّهَمة، فإنّ للمحكَمة أن تمنَعَها، وأَن تسمَحَ للشاهد بعَدَم الإجابة.
يَكشف اضّطرار طاقم الدفاع تَبريرَ أهميّة هذه المنشورات أَمام المحكمة، في جوهره، الطريقة التي تُحدّد بها المنظومة القَضائية ما تَعتبرُه "حقيقة" تستحقّ البحث، وما تَعتبرُه حقيقةً يَجب إقصاؤها. فقواعِد الإثبات والإجراءات القضائية، القائمة على مفاهيم مِثل "الصّلَة بالموضوع"، و"عَدم تَجريم الذات"، و"الاعتراض على الأسئلة"، لا تَعمَل هنا كأدوات إجرائيّة فحسب، بل تتحوّل إلى مرشّح معرفيّ (Epistemological Filter) يقرّر أيّ أجزاء من الواقع يُسمَح لها بالدّخول إلى المحكمة، وأيّها يجب أن يَبقى خارجها.
فعندما تقول القاضية أو مُمثّلة النيابة: "هذا غير ذي صلة"، أَو إن "الشاهد ليس هو مَن يُحاكَم"، فإنّهما لا تكتفيان بتطبيق قاعدة إجرائيّة، بل تمارسان سلطةً تقطّع الحقيقة بسيف الإجراءات القانونية، لتفصلا بينَ ما يجوز للمحكمة أَن تَراه وما يَجِب أَن يظلّ مستورًا عنها.
فالمنظومَة القضائيّة تَرفُض النّظر إلى السّياق الأَشمَل: إلى عنصريّة الشّاهد، وإلى تَحريضه على العنف والإبادة، لأنّ مفهوم الحقيقة لديها يظلّ محصورًا في الإطار الذي رسمته هي بنفسها. إنّها حقيقة تَبحث فقط في ما إذا كانت المتَّهَمة مذنِبَة، لا في مسبّبات تَحويل سلوكها إلى الذَّنْب المنسوب إليها. فملاحقة عبد الهادي القائمة على ظُلم وانعدام شرعيّة وسياسة انتقائيّة لإنفاذ القانون، هي حقيقة لو تمّ تبنّيها قضائيًا لكان من شَأنها أن تَنسِف أُسس هذه الإجراءات برّمتها.
من وجهة نظر المؤسَّسة القضائيّة، لا يُعَد إقصاء حقيقة الشّاهد إخفاءً للحقيقة، بل احترامًا لقواعد الإثبات وأُصول المحاكمة. غير أنّ اللجوء إلى هذه الإجراءات كَشَف، في الواقع، انعدام الاستعداد لسماع أيّ حقيقة قد تمنَع استمرار محاكمةٍ تستند، في جوهرها، إلى خطاب عنصريّ، وخطاب كراهية.
إنّ تَمكين شاهدٍ يُحرّض على الكَراهية والعُنف مِن تَوظيف جهاز الادّعاء العام ضدّ فنّانة فلسطينية، يَكشِف أنّ المحكَمَة لَم تَعُد ساحةً لاكتشاف الحَقيقة، بل مؤسَّسةً لإنتاجها؛ حقيقة واحدة لا تَرى إلا ما يُدين المتَّهَمة، وتَحجُب كلّ ما عداها.
وإذا كانت المَحكمة لا تَسمح للحقيقة بأن تَجِد مكانها في الحُكم، فليكُن لها على الأقلّ مكانٌ في محَاضر جلساتها. فالحقيقة عندها لا تُمحى بل تَبقى بين السّطور.




