الحَقّ في زَمَن سُيولَةِ الحَقيقَة

صَدَق المفكّر بولنديِّ الأصل وإنجليزيّ المواطَنة زيغموند باومن عندما تحدّث عن عصر السّيولة وفقدان المقاييس ونسبيّة الحدود والبون الشّاسع بين تَصوير الواقع بمصطلحات بنيوية ثابتة، تُحاول أن تَعكس لنا منظومةً مُبطنّةً في واقع مركَّب تُمكننا من فهم منطقه الداخليّ، وبين الحركَة الدائمة وغير المنضبطة التي تضمّ داخلها بخفاءٍ كلّ تحايلات القوى المهيمِنة في المجالات المختلفة، على رأسها المجالات الاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة.
حاوَل باومن من خلال مصطلح السّيولة أن يُنظّرَ لانتقال السّلع والأفكار والتّحديثات التكنولوجيّة المتسارِع والعابر للحدود، الذي يخدم منظومةَ قوة تَمنح الدول والشركات المتطوّرة هيمنةً كاملةً على مجريات هذه السّيولة وقُدرة على تسخيرها لمصالحها. تتمُّ عمليات الانتقال هذه بالتّوازي مع محاولات ضبْط مباشر لحركة أبناء البشَر وتنظيمها بشكل يتلاءَم مع مصالح الفئات المهيمنة في الدول النافذة، في مقدّمتها الولايات المتحدّة والدول الأوروبيّة التي تحوّلت مع الزمن -نظرًا لمستوى المعيشة فيها- إلى محطّ استقطاب قويّ لمهاجرين يَبحثون عن ظروف حياة أفضل خارج حدودِ أوطانِهم.
مِن الصّعب الدخول في كلّ خبايا الباراديغم (Paradigm)؛ أي نَمُوذَج السّيولة الفكري لباومن، والتطرّق المحدّد إليه في هذا السياق هو تبعًا لأهميّته في كلّ ما يتعلّق بالعلاقة القائمة بين محاولات فهم الواقع المركَّب والمتحوّل من خلال قوالب نظريّةوفكريّة بنيويّة وبالتالي جامدة، والتحوّلات الطارئة على هذا الواقع ومحوريّتها في فهمه. بحسب نَمُوذَج السّيولة الفكري فإنَّ كلّ المحاولات لتصوير الواقع بمصطلحات ومفاهيم بنيويّة تتسمّ بالجمود، تَحجب الأنظار عن تطوّرات تاريخيّة مهمّة انعكست في تحوّلات ومسارات تتحكّمُ فيها قوى اقتصاديّة وسياسيّة نافذةٌ وتدفع من خلالها رؤيةً تعكسُ مصالح مرتبطة بها دون أن يكون ذلك مكشوفًا للأنظار بشكلٍ لافت. وبالرغم من أهميّة باراديغم السّيولة، فهي لا تُلغي وجود منظوماتبنيويّة تَفرضها القوى المهيمنة في الواقع وتأخذ بالمصطلحات والمفاهيم التي تَخدم مصالحَها من خلال تغييبها. فلا شكّ بأنَّ هناك بنية قوّة في كلّ سياق تاريخي إمّا اقتصاديّة أو سياسيّة أو عسكريّة لا يمكن التّغاضي عنهاوعن تأثيرها المهيمِن على تحديد مسارات الواقع.
إلّا أنَّ الاكتفاءَ بنماذجَ بنيويّةٍ لتصوير الواقع يُغيّب أهميّة طرح المَسارات التحديثيّة الطارئة على المجتمع الإنسانيّ في القرون الأخيرة كآلية سيطرة ترتكزُ على السّيولة وتفكيك الحدود الانتقائي على أرض الواقع. كما أنها تغيّب الحاجة لتفكيك المَنظومات المفاهيمية والسّرديات والسّجالات اللغوية التي تحاول أن تقدِّم صورة نمطيّة بنيوية عنه. وقد أتى نموذج السّيولة الفكري للتأكيد على أنَّ وظيفة النماذج الفكرية ليست توصيف الواقع فحسب وإنّما تفكيك تلك السّرديات والسّجالات اللغوية التي طالما افترضت بأنّ علاقات القوة وآليات السيطرة عادةً ما تكون مباشرة وظاهرة للعيان، وبأنَّ اللغة هي مرآةُ للواقع وعليها أنّ تقدم عنه صورةً بشكل موضوعي قدر الإمكان.
يدّعي باومن بأنّ النماذج الفكرية البنيويّة تُغيّب تواجُد منظومة مهيمنة كبُنية قوّة مُسيطرة لتُظهرها على أنها طبيعية واعتيادية، لذلك هي تبقى غير مُجارية لتحوّلات الواقع الإنساني من جهة، وغير مساهمة في تفكيك منظومة السيطرة المفاهيمية من جهة أخرى.
علاوةً على ذلك، من أهمَّ ما يدّعيه نموذج السّيولة الفكري بإنَّ التّسارع الآخذ بالازدياد في تطوّر كلّ مناحي الحياة تَحوّل إلى منظومةٍ قائمةٍ بحدّ ذاتها تتجاوزُ مصطلحات السّرعة ومقاييسها لتُصِّعب بشكل متعمّد فَهمَ ما يجري من حولِنا، حتّى تغدو هذه الصعوبة جزءًا لا يتجزّأ من بُنية القوّة المُهيمنة. إضافة لذلك، إنَّ السّيولة ليست عفويّة، بل تُبطّن بُنية قوّة تتحكّمُ بمسارات التطوّر من خلال الحدّ من إمكانيّة الوقوف عندَ خصائصها ومميّزاتها وإمكانية ربْطها مع القوى المهيمنة عليها.
في هذا السياقِ نأتي إلى الحديثِ عن صعوبة تطوير نموذج مفاهيميّ وفكريّ متّسق يصوّر هذه السّيولة المعقدّة ويعكسها لنا بشكلٍ مُنتظم ومنطقيّ. إذ تغدو السّيولة "بنية" تتناقضُ مع مفاهيمٍ ذات معانٍ وحدود واضحة، وبالتالي تَفقد تواصلها مع المحاولات القائمة منذ الأزل لاستدلال واستخلاص الحقيقة المبطّنة في واقع الكائن البشريّ المحيط. من أهمِّ ما يتمخّض عن ذلك هو التناقض الحاصل بين حاجة الإنسان الأساسيّة لفهم محيطه ووجوده ككائن عقلانيّ والتحوّلات المتسارعة داخل هذا المحيط، التي لا تفسح المجال أصلًا للتمركُز داخلها والوقوف عندَ معالمها قبل أن تتحوّل إلى شيء ٍآخر، كما هو الحال على شاشة وسائل الاتصال الاجتماعيّ المتّسمة بحالة تحوّل دائم والتي تصعّب علينا بذلك فهم المَنظومة المسؤولة عن هذا التحوّلبشكلٍ يتماشى مع مصالح حدّدتها ولا تزال.
لا بدّ في هذه النقطة من لفت الأنظار إلى أنَّ تعقيدات العلاقة بين مفاهيم فَهمِ الواقع والواقع نفسِهِ لا تتعلّقُ بمحاولات الإنسان فَهمَ حيثيات محيطه فحسب، وإنّما يتعلّق بفهمه ذاتَه والوقوف عند "حقيقة" هويّتِه وارتباطاتها وتشعبّاتها وتأثيرها على تطويره أفكارًا لفهم واقعه.
أمّا عن علاقة الإنسان بذاتِه، فالحديث عنها يطولُ خصوصًا عندما نتساءَل حول العلاقة بين مَن نحنُ وما نحنُ عليه. تطرحُ هذه العلاقةُُ المركّبة إحدى المسائل المعقَّدة في الوعي الإنسانيّ، حيث أنَّ الذات البشرية نتاجٌ لعمليّة تكوين مستمرّة منذ الولادة وحتى الموتِ. تَعني هذه العملية بأنَّ الذات ليست كائنًا يُولدُ، وإنَّما وعي يتكوّن على مراحل مختلفة، ويُبنى على التجارب التي تستمدُّ معناها مِن الخصائص العقليّة والمشاعريّة المولودَة. ينعكسُ هذا المزيج ما بينَ المولود والتجربة الفاعلة كعملية تراكميّة في الوعيّ للذات ومحيطها. يعني؛ وعلى الرغم من وجود خصائص مولودَة، فهذه الأخيرة لا تأخذ مجراها ولا تتشكّل كعوامل مؤثرة إلّا من خلالِ تواصلها مع محيطِها وتكوينِها لوعيٍ فاعلٍ يحوّلها إلى ذاتٍ تختلفُ عن ذواتٍ أخرى. ليست هذه الذات متماهيّة مع الكائن الحيّ الذي يَحملها، وإنّما هي وعي ترابطيّ لا يكتسبُ معناه من جوهره، بل من تفاعله المتواصِل مع نفسِه ومحيطِه.
طَرْحُ هذه التركيبة المعقّدة للذات البشريّة ووعيها المُعبّر عنها مهمٌّ في الأصل من أجل التطرّق إلى مكانة التجربة وحيثياتِها في تشكيل هويّتنا والتعمّق بالبعد القائم جوازًا بينها وبين ذاتنا. يبيّن هذا التعمّق بأنَّ حقيقةَ الذاتِ لا تأخذ بتعقيدات الحقيقة كمُعطى ميتافيزيقيّ فحسب، بل أيضًا كعامل وضعيّ تتعاملُ معه بشكلٍ دائمٍ. ما يفيدُ هذا التّعامل بأنَّ الحقيقة تُعبّر عن توق أنساني فطري لمنظومة ثابتة تفسّر له واقعه وتمنحه بعض الطمأنينة في محيط مركّب لا يزداد إلا تعقيدًا. وبما أنَّ احتياجات الإنسان للطمأنينة خاضعة لظروفهِ وحيثيات تحدّياته ونشأته وما إلى ذلك، تصبح للحقيقة أَوجُه متعدّدة تَسلك مناحي مختلفة بحسب تفاعله مع مُحيطه المباشر وغير المباشر. فاعتماد نموذج فكريّ ثابت لهذه المجموعة البشرية أو تلك ما هو إلا دلالة على أنَّ الإنسان كائنٌ اجتماعيّ يعيش تحت سقف جمعّي من جهة، وبأنَّ النموذج السائد يعكس ويمنح في الوقت ذاته القُوى النافدة في المجتمع تحويل مفاهيمهم للواقع إلى جزء لا يتجزأ من الوعي العام. قد يفسّر هذا الأمرُ بدورِهِ اعتماد شخصين مصطلحاتٍ وتفسيراتٍ مختلفةً عند التّعبير عن فهمِهما لتجربة مشتركة خاضاها معًا، لكن هذا يغيّب عنّا التّوق الفِطري للوقوف عندَ حقيقة الأمر. يَطرحُ هذا الاختلاف تحديًّا كبيرًا أمامَ المجتمع البشريّ ينعكس في البعد القائم بين التّوق الدائم والفطري للوصول إلى حقيقة ما حول كلّ موضوع أو حدث أو ظاهرة يواجهها من جهة، وبين "حقيقة" غياب إمكانية التّوافق على حقيقة مشترَكة تجمعه تحت سقف واحد متجانس. ما تَعنيه هذه المفارقة هو أن المجتمعات الإنسانية لطالما اعتمدَت مفهومًا بسيطًا للحقيقة، وبالتالي فوجئت في كلّ مرّة من جديد بحقيقة كَون الحقيقة أكثر تعقيدًا مما اعتادت عليه بشكل عفويّ.
إنَّ التحدي الأساسيّ في هذا السياق هو التّوق العميق ليقينٍ يتيحُ لنا المجالَ للتفرغّ لممارسة طقوس حياتنا اليوميّة دون ملابسات تعيق الشعور باتساقٍ وعيويّ ثابت. لكنّ هذا التّوق دائمًا أو في أغلب الأحيان ما يَدخلُ في حالة صدام متعلّقة بغياب اليقين نظرًا لوجود معانٍ مختلفة للحقيقة المبطّنة داخله. فهي، أيّ الحقيقة، ليست مجرّد وقائع بسيطة تتراكمُ وتتجمّع لتكوين واقع أُحاديّ متماسك عند أشخاص مختلفين. إذ بالرغم من مقدرتنا التوافق على واقعة معيّنة، فإننا لا نزال نختلفُ في تبيان معانيها وفهم مسّبباتها وشرح إسقاطاتها وبالتالي نختلف على جوهرها الأساسيّ.
ليس هذا الاختلاف بمعقّد إذا طرحناه داخل السياق المتعلّق بنسبويّة الوعيّ البشريّ، أيّ أنّ اختلاف منظور الواحد منّا للواقع يبقى وعلى الرغم من التواجد المشترَك داخل مجتمع وسياق وبوتقة ظرفيّة واحدة، خاضعًا لخصوصيّة التفاعل بين الذات ومحيطها واختلاف التجارب المتراكمة وبالتالي الوعي الفعّال المتكوّن الذي يحدّد هذا المنظور والفهم والرؤية.
لطالما تعامَلنا مع وجود حقيقةٍ أو أخرى كمفهوم ضمنيّ لكلِّ مناحي الحياة البشريّة. إذا ما نَظَرنا إلى تاريخ الإنسان منذ القِدَم وحتّى اليومَ، نَرى بأنَّ التّوق للحقيقة هو في صميمِ تفاعلات الإنسان ما ينعكسُ في وضعِ قواعد متفق عليها للسلوك الذي يُعتبر مقبولًا. على الرغم من وجودِ اختلافاتٍ ثقافيّةٍ أو لغويّةٍ، وبالرغم من تأثير الظروف الجغرافيّة والبيئيّة على نشأةِ أبناء البشر ووعيهم، فإننّا نجِدُ بأنَّ هاجسَ الحقيقةِ أشغلَ كُلَّ المجتمعاتِ البشريَّةِ بشكلٍ دائمٍ. ولّد المسعى المثابر للوصول إلى الحقيقة أيدولوجيات وتنوّعات فكريّة على مدار الزمن من الممكن عرضها وحصرها في معسكرين أساسيين: أوّلهما الدين، وثانيهما العِلم.
بحسب فراس السواح السوري وخزعل الماجدي العراقي، وهما من أهمّ باحثي الأساطير والحضارات والدين، شكّل الدينُ مرحلةً بدائيّةً في تفكير الإنسان بالحقيقة والتّوق إلى اليقين في كلّ ما يتعلّق بمضامين تواجدِه وأهدافِه وبغيتِهِ. بالرغم من أنَّ التساؤلات المتعلّقة بذلك تشابهت بين مجتمعات مختلفة، فإن الاستجابة كانت بتطوير ديانات متنوّعة في ظروف جغرافية وتاريخية مختلفة، جعلت الإجابة على تساؤلات حقيقة الوجود وبغيته من أهمّ مصادر الخلاف والاختلاف بينها. فبدل التمحوُر في التساؤلات الأساسية التي دفَعت هذه المجتمعات إلى التعامل مع عقائد وطقوس وأفكار مختلفة من أجل الوصول إلى الحقيقة، وبالتالي عكست تشابهًا عميقًا في التساؤلات الإنسانية الجذرية الأساسية، تحوَّلت مضامين الإجابات على هذه التّساؤلات إلى عامل أساسيّ في فَهم الإنسان ذاتَه وتركيبةَ مجتمعه والقِيم التي يُسخّر حياته من أجل تحقيقها، وبالتالي المصدر الأساسيّ للتناقضات والصراعات بين هذه المجتمعات. مع مرور الوقت تمَّ تناسي مسبّبات البحث عن يقين أو طمسها على نحو متعمَّد، وكذا الوجود المشترك لكل المجتمعات الإنسانية، كما تمّ تحويل الإجابات المتنوّعة على الأسئلة الوجودية نفسها إلى قيم مقدّسة من الصعب المساومة عليها لمجرد قداستها. وتحوَّلت قدسيّة المقدَّس الذي هو نسبيّ، أي مرتبط برؤية محدّدة لما هو ومن هو المقدّس، إلى حقيقة ثابتة تشكّلُ حواجز تمنعُ رؤية المشترَك بين الديانات المُختلفة، الأمر الذي جذّر الصراعات بين المجتمعات والتي وصلت ذروتها على شَكل حروب دينيّة قاتلة ما زلنا نلمسها ونعاني أهوالَها وويلاتها حتّى اليوم.
دَفَعت هذه الاختلافات بمجموعات مختلفة إلى تكريس طاقات ماديّة وتَجنيد موارد بشريّة هائلة من أجل استحواذها على الحقيقة ومحاولة فرضها على مجموعات أخرى، غالبًا من خلال القوّة. لا تزال عمليّات سحب الشرعيّة عن عقائد وديانات أخرى و"حقيقة" أخرى في الأصل القوّة الضاربة والمصدر الموجع للعلاقة البشرية وتفكّكها، ولها تداعيات مهولة في كلّ ما يتعلق بقيمة الإنسان المنوطة بعقيدته، بغضّ النظر عن كون هذه الحقيقة ليست فطريّة، بل نتاج عمليات تثقيف وتنشئة امتدّت على مدار الزمن ولم تُعتنق بشكل مستقلّ وإراديّ. تدلُّ هذه التراجيدية الإنسانيّة على أنَّ أسئلة الحقيقة الأساسية المتشابهة بين جميع أبناء البشر، غُيّبت لصالح أجوبة محدَّدة لها تبايَنت مع مرور الوقت نتيجة ظروف وحيثيات تاريخيّة مختلفة، ما أفضى إلى مفارقة بين أحادية التساؤلات وتشابهها وبين تنوّع واختلاف الأجوبة عليها. إنَّ التراجيديّة الكامنة في محاولات تغييب، أو حتّى إلغاء التشابه في التساؤلات لصالح النزاع حول اختلاف الأجوبة، لا تتعلّق فقط في طمس التقاء جميع البشر تقريبًا عند نقطة وجوديّة واحدة مشتركة، بل تمتّد إلى بعد آخر؛ تغييب التّوق العميق المشترَك والجماعيّ للمجتمعات البشريّة على اختلافها، إلى سكينةٍ وجوديّة تمنح أفرادها الطمأنينة إزاء وجودهم في الكون، وماهيّة هذا الوجود، وجوهره ومآلاته.
يأتي بنا هذا الحديث إلى المنظومة المعرفيّة الثانية التي سنتطرّق لها في هذا السّياق وهي العلم الحديث.لقد نشَأَت العلومُ الحديثة ذات الأُصول القديمة كرؤية بديلة للدّين تمنح أجوبةً مختلفةً لسؤالِ الحقيقةِ ودافعِ التّوقِ المستمرّ والعميق ليقينٍ يمكنُ اعتماده كركيزة أساسيّة للتعاملِ مع التَّواجد البشريّ. وقد طرحَ العلمُ نفسَهَ كآلية أساسيّة تمنح أدوات "موضوعيّة" من أجل البحث عن الحقيقة واستخراجها من واقعٍ وضعيّ تنوّعت أشكالُه واختلفت مناحيه، إذ تمّ الافتراضُ بأنّه يتضمّن حقيقةً مخفيّةً لا بدّ من الوصول إليها إذا ما ثابرنا لذلك. تجاهَلَت هذه الرؤية العلميّة مركّبين أساسيّين لا بدّ من طرحِهما من أجلِ وضعِ النقاط على الحروفِ في ما يتعلّق بفرضية العلم حولَ نفسه. الأولى تتعلّق بالبعد بين الواقعِ والوعيّ بهذا الواقع. هنالك افتراض بوجود إمكانية لخلق تطابق كامل بين الواقع ووعينا له ما يجعل من هذا التّطابق حقيقة لا لبس فيها. إلّا أنّنا نجد أنَّ الفرق بين الواقع ووعينا له، وإمكانية التغلّب على هذا الفرق يشكّل تحديًّا لا يتعلّق بالواقع الخارجيّ الذي يُفترض أنّ نستمدَ الحقيقة منه، بل بتكوين العقل البشريّ في الأساس الذي يُسقط أجزاءً من تجاربِهِ وخصوصيّاته على ذلك الواقع. نتيجةً لذلك، هنالك إمكانية أن تتشكّل صورة للواقع مختلفة عند علماء مختلفين حتّى داخل المختبر العلميّ نفسه.
من أجل عدم الوقوع في النسبيّة المعيارية والإبقاء على معرفة محكومة بنزعات شخصية، تمّ تطوير نقاش عظيم حول آليات العِلم الصحيحة التي تضمن بالطريقة الأفضل الوصول إلى حقيقة كامنة في لبّ الواقع الطبيعي أو الكوني أو الإنساني. بعبارةٍ أخرى، من الممكن أنّ نرى بأنَّ إحدى مميزات التفكير العلميّ كانت محاولة الإنسان أن يزيح جانبًا، أو على الأقل، أن يقلّص بشكل كبير جدًا من ذاتيّته، أيّ رؤيته وتجربته الخاصّة وتأثيرها أثناء محاولته فهم حقيقة الواقعالذي يتوق إلى معرفته. فما يعنيه ذلك أنَّ أهمّ نقاشات فلسفة العلم الحديث تتعلّقُ بموضوعيّة البحث العلميّ وكيف يمكنالحفاظ على هذه الموضوعيّة من خلال تطوير مناهج وآليات تحدّ من الذاتيّة والنزَعات الشخصية في قراءة معالم الواقع. لهذا السبب، تحوّل النقاش في الموضوعيّة العلمية إلى محطّ أنظار الكثير من فلاسفة العلم، مؤكدين بأنَّ شخصيّة العالِم وهويّتهوتجربته الخاصّة لا يتوّجب أن تصبح عاملًا مهمًّا في قراءة الواقع وفهمه. دفَع هذا الأمر إلى تطوّر حقل علميّ فلسفيّ كامليتعامل مع وعي الوعيّ لذاته من أجلِ إيجادِ طُرُق نفهمُ من خلالها تطوّر الوعيّ والتأثيرات الفاعلة عليه، ومن ثمّ التّقليل من تأثيرها لكي يكون الوَعي مُحايدًا تجاه الواقع الذي يُنظر إليه ويَهدف لاستقصاء ميّزاته. هذا صحيح أيضًا بكلّ ما يتعلّقبفلسفة الإدراك والتأكدّ من استناد تطوير المعرفة على عملية إدراك حياديّة قدر الإمكان، لكن تبيَّن مع تطوّر فلسفة العلوم بشكلٍ غير قابل للنقاش بأنَّ عمليات الإدراك الإنسانيّة حتّى وإن كانت متشابهة لا يمكن فصلها عنهويّة الباحث وشخصيته من جهة، وعن انتقاء مضامين البحث من جهة أخرى. على سبيل المثال، التساؤل حولالطبيعة والكون والتطوّر الجاري عليهما لا يمكن أن يكون منقطعًا عن العقائد القيميّة التي يأتي بها الباحث ومن خلالهايستقصي حيثيّات موضوع بحثه ويفّسره. هذا يعني بأنَّ الادّعاء القائل إنّ العلّم والبحثَّ مجالان محايدان قيميًّا وعقائديًّا ما هو إلا ادّعاء أيديولوجيّ يأتي لإخفاء التّفضيلات والانحياز العقائديّ والقيميّ لنوعية أبحاثمعيّنة ومجالاتها دون عن غيرها.
لم تأتِ التساؤلات العلميّة من باب التّخمين وحب الاستطلاع فقط، وإنّما لها دوافع إمّا اقتصاديّة تجاريّة أو قوميّة سياسيّة.يدلّ على ذلك أبحاث في مواضيع كونيّة عامّة تحوّلت مع الوقت إلى صراعٍ قوميّ بين إمبراطوريات تنازعت على القوّة والنفوذ والسيطرة على العالم. يتجسّد هذا الأمر في الأبحاث الأثرية التي سُخرّت في أغلب الأحيان من أجل بلوغ أهداف قوميّة وسياسيّة تتعلّق بأحقيّة شعب أو آخر على بقعة أرض معيّنة. لا يعني هذا بأنَّ كلّ ما يقوم به العلمُ له دافع أيديولوجي أو سياسيّ أو نفعيّ، لكن من المهمّ أن نعترف بأنَّ حاجة العلم إلى تمويل ماديّ كبير وقاعدة مؤسساتيّة كبيرة،تجعلُ من المؤسَّسات العلميّة-عامةً كانت أمّ خاصّة- محطّ تأثيرات متنوّعة. ينعكسُ ذلك بشكل صعب التعقيد في تطوّر الوعيّ العلميّ واستقطاب دول قويّة علماءَ ناجحين من أماكن مختلفة من العالم لتحافظَ على نفسِها كسبّاقة في تطوير آليات وأدوات علميّة ترفعُ من خلالها مكانَتَها في عملية التنافس بين الأمم المختلفة، ما يجعل محاولات فهم الحقيقة والوصول إلى يقينٍ حولها مُصطدمًا بشكل مباشر مع بنية علميّة غير حياديّة سياسيًّا وعقائديًّا ومنفعيًّا. ولو كان لعلماء معيّنين مقاصدٌ إنسانيّة شاملة، فإن عملَهم داخل بنية مؤسساتيّة مموّلة من الدولة أو من مصادر وقطاعات خاصّة، يُخضع هذه المَقاصد لخدمة أهداف لا تقتصر على تطوير المعرفة الحياديّة فحسب، بل بعكس ذلك في أغلب الأحيان كما أسلفنا.
بإمكاننا تلخيص هذا الادعاء من خلال القول إنَّ البعد القائم بين الواقع وفهمِهِ هو محطُّ خلاف لا بدّ من إثارتِهِ عندَ الحديثِعن تطوّر العلم كحقل من شأنِهِ أنّ يوفّر الآليات اللازمة للوصول إلى الحقيقة. لا يرتبطُ التحدّي هنا بجوهرِ الحقيقةِ نفسِها وإنّما بالوكيل الإنسانيّ الذي يقومُ بالبحث عنها ومحدوديات وعيه التي تمنعُ إمكانيّة تطوير معرفةٍ حقيقيّةٍ حتميّةٍ ذات تقبّل شامل في جميع المجتمعات الإنسانيّة.
هنالك عامل ثانٍ لا بدّ من التطرّق له عند الحديث عن البحث العلمي عن الحقيقة وهو مستعصيات اللغة. تشكّلُ اللغةُ تحديًّا جوهريًّا يلعبُ دورًا أساسيًا في عمليّة البحث عن الحقيقة، وذلك لكونها حتميّة لنقل المعرفة من جهة، ولعدم كونها مجالًا حياديًّا لا تأثير له على طرح التساؤلات حولَها ومحاولات البحث عنها والإجابة عن التساؤلات المتعلّقة بها من جهة أخرى. فاللغة هي منظومة حيّة غير حياديّة معياريًا. وهي بنية تستبق التفكير الواعي لذاته بمجرّد كونها الآلية الأساسية لتطوير الوعي والمعرفة، وبالتالي قاعدة إدراكية لا نَعي تأثيرها بشكل كامل طيلة الوقت. تُقولِِبُ اللغةُ العمليّةَ الفكريّةمن خلالِ معاني الكلمات المستخدمة للتعبير عن أفكارٍ معيّنة وتستبقُ الربط بينها وبين عمليات التفكير التي نقومُ بها عند البحث عن الحقيقة. لتوضيح هذه النقطة لا بدّ من أنّ نتساءَل حول مصطلح الحقيقة نفسه ونكشف جذوره الإيتومولوجيّة. هناك علاقة لغوية بين مصطلحيّ "الحقّ" و"الحقيقة" وهي علاقة اشتقاقية وتكامليّة وثيقة؛ إذ ينتمي اللفظان إلى أصل لغوي ثلاثي واحد وهو الجَذر (ح ق ق). والحقّ هو المصدر الأساسي والمجرّد للفعل حقّ وهو نقيض الباطل. والحقيقة هي صيغة مشتقّة على وزن (فَعِيلَة) من الفعل ذاته، والتاء فيها نُقلت من الوصفيّة إلى الاسمية (مثل كلمة علامة) لتفيد المبالغة أو لتصبح اسمًا بذاته يُعبّر عن كُنه الشيء وخالصه. والحقّ يُطلق في اللغة على الشيء الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، ويُقال "حقَّ الأمر" أي وجب وثبت، والحقيقة تعني في أصلها اللغوي ما يصير إليه حقّ الأمر ووجوبه. فيُقال: "بلغتُ حقيقة الأمر" أي وصلت إلى يقين شأنِه ومَحضِه وخالصِه. تدلّ هذه العلاقة الوطيدة ليس على التّوق للوصول إلى يقين ثابت فحسب، وإنما على أنَّ في صُلب مصطلح الحقيقة يوجد مقياس معياريّ له دلالات قيميّة لا يمكن التغاضي عنها أو التقليل من شأنِها. هذا يعني بأنَّ الحقيقة ليست ولا يمكن في الأصل أن تكون حياديةً على المستوى المعياريّ والقيميّ، وغير مفصولة بشكل جوهري عن منظومة قيميّة معينة.
لهذا، عندَ الحديث عن الحقيقة نحن نتحدّث عن عمليّة إحقاق حقٍّ، لهذا لا بدّ أن تكون هناك معايير تستَبق عملية هذا الاستحقاق، لها إسقاطات وتبعات عليها وتؤثّر في معانيها وتطبيقاتها على أرض الواقع. يدلّ هذا التحليل السريع على أنَّ اللغة تحدّد ليس أُفق التّفكير فحسب، وإنّما لها تأثير عميق على معاني المفاهيم العلميّة التي لطالما تمّ الادعاء على أنها حياديّة أو على الأقل تصبو لتكن حياديّة، لكنّها من خلال محاولات تأكيد حياديّتها تعطّل حيادها المعياريّ لتكون معياريّة في أساسها. هذا يعني بأنَّ محاولات العلم الحديث في بحثه عن "الحقيقة" وطرح إمكانية استعمال مفاهيم علمية غير معيارية هو بحدّ ذاته ادّعاء معياري لا يمكن التّغاضي عنه وله تأثير كبير جدًا في عملية البحث عن الحقيقة وصياغتها.
يأتي بنا هذا للادّعاء بأنَّ عملية البحث عن الحقيقة لم تتحوّل إلى موضوع أساسيّ يَشغل بالنا ويؤرّق تفكيرنا فقط بعدما تطوّرت وسائل التواصل الاجتماعيّ وأدوات الذكاء الاصطناعيّ. لا شكّ أنّ هذه التطوّرات التكنولوجيّة في العقود الأخيرةوالسّيولة التي ترافقت معها، أدّت إلى تسارع في تآكل المعنى المألوف للحقيقة وجَعَلت المسعى للوصول إليها محطّ سخريّة عند الكثيرين في جميع المجتمعات الإنسانيّة، خصوصًا أنَّ تقاطُع المصالح بين النخب السياسيّة الحاكمة والنخب الاقتصاديّة المهيمنة في الدول المتطوّرة تكنولوجيًّا أظهرَت بأنَّ المصالح النفعيّة هي التي تهيمن على عمليات البحث عن الحقيقة، وهي نفسها التي تُغطّي انحيازها بخطاب علميّ يبدو وكأنه حياديّ يحاول تغييب الجانب الأيديولوجيّ والنفعيّ في هذه العمليّات عن إدراك الناس الاعتيادي. لكن وللمفارقة الساخرة، هذا التسارع خصوصًا في ظلّ الصراع على الهيمنةوالمحاولات الدؤوبة لتسويق الحقيقة كأنها حياديّة، أدّى إلى تراجع الثقة بالمؤسَّسات التي هيمنت أو احتكرت النطق بالحقيقة وعلى رأسها مؤسَّسات الدولة والمؤسَّسات العلميّة والإعلاميّة على جميع أشكالها.
ولّدت هذه الأزمة الحاجة للحديث عن سيولة الحقيقة أو ما أصبح مألوفًا كمفهوم ما-بعد-الحقيقة الذي لا بدّ لنا عند طرحه أن نتنبّه لوجود معنيين له على الأقل يخدمان توجهات فكريّة ومنفعيّة مختلفة. من الجهة الأولى، هناك مَعنى لما بَعد الحقيقة لا يُقصد به محوّ الحقيقة أو عدم تواجدها بشكل كامل، وإنّما يقصد به بأنَّ الحقيقةَ بالرغم من ميّزاتها الميتافيزيقيّة الأولية ما هي إلّا توافق إنسانيّ حول وقائع وحيثيّات وتطوّرات طبيعيّة أو اجتماعيّة وبالتالي هي ما-بعد-ميتافيزيقية في جوهرها. أهمّ ما في الأمر بأنَّ ما يُقصد بما-بعد-الحقيقة هو أنَّ الحقيقة ليست مُسقَطة من مَصدر خارج الوعي الإنساني وتجاربه، وإنما صنيعة الإنسان، وبالتالي هي قابلة للتحوّل والتبدّل والتغيير بحسب الظروف والحيثيات. هذا المعنى للحقيقة لا يعني التخلّي عن أهميّة وجود حقيقة ما بشكل كامل، وإنّما يدّعي بأنَّ ما هو صحيح اليوم ممكن أن يتجلّى كغير دقيق يوم غدّ، وبالتالي الحقيقة هي تَوافق مؤقَّت إلى حين يتمُّ التوافق على غيرها أو تحديدها في سياقات محدَّدة، كما فعلت النظريّة النسبيّة في قوانين نيوتن. بحسب ذلك، الحقيقة إنسانيّة الجذور وهي لا تنبعُ من أصول كامنة في ظواهر طبيعيّة أو إنسانيّة جوهرية وثابتة واعية لذاتها وقادرة على تمثيل نفسها بنفسها. لهذا، الوصول إلى الحقيقة هو نتاج لعملية تمحيص وتفكير وتفكيك وبناء يجب أن تتشارك بها فئات مختلفة من أجل التّوافق على "ماهيتها"، وهي عملية يجب أن تكون شفّافة لتعكس توقًا حدسيًّا للوصول إلى معرفة "مؤكَّدة" حول ما يَدور في محيطنا المباشر وغير المباشر دون الوقوع في مطبّات الادعاءات الجوهريّة في ماهيّتها، مقابل أهميّة التأكيد الدائم على أنَّ الحقيقة مصطلح إنسانيّ يعكسُ توقًا قاصرًا للوصول إلى ثبات ويقين يطمئنُ النفوس الحائرة في ماهية وجودها. يَطرح هذا النوع من مفهوم الحقيقة ضمنيًا بأنَّ الحقيقة مبنية على تمثيل من قبل وكلاء إنسانيين ينطقون باسمها ويطرحونها حسبما يروه صحيحًا ومتوافقًا لفكرهم. يصبو هذا المفهوم للحقيقة إلى التأكيد على أنّ عمليّة التّوق للحقيقة من الممكن أن تُسخّر لصالح مجموعة أو أخرى ويتمّ اقتصارها في أغلب الأحيان على جوانب محدّدة من الواقع لخدمة توجهات معيّنة لها نزعات فئوية. لهذا، من أهمّ وظائف الفكر النقدي هو وعينا بذلك لتجنّب الوقوع في براثن القوى المهيمنة، التي تحاول كلّ الوقت إيجاد آليات مبدِعة للسيطرة بذريعة حيازة الحقيقة وتمثيلها بالشكل الذي يتماشى مع أهدافها، كما تفعل وسائل الاتصال الاجتماعية والذكاء الاصطناعي محصور الملكية لشركات عملاقة ذات المصالح الواضحة والمتحكمة في أجندتنا ومشاعرنا وتفكيرنا وتوجيه اهتماماتنا كلّ الوقت.
المعنى الثاني لما-بعد-الحقيقة هو ذلك الذي يعكس التّحايل الهادف إلى تغييب إمكانية الوصول إلى أيّ حقيقة كانت، حتى تلك النابعة من بحثٍ مشتركٍ غير فئويّ يؤدي إلى توافق من شأنه أنّ يحوّل الحقيقة المقبولة إلى عملة تعملُ بها جميعُ فئات المجتمع. هذا المعنى لما-بعد-الحقيقة إمّا يلغي إمكانية وجود حقيقة أيًّا كانت، وهذا ما وصل إليه بعض فلاسفة ما-بعد-الحداثة، خصوصًا التشكيكيين منهم، أو يدّعي بأنَّ كلَّ الحقائق بغضّ النظر عن مصدرها متساويةٌ ولا توجد إمكانية للبتّ بينها إلّا من خلال رواجها الشعبيّ- وهو ما يدعيه ممثلو النخب المحافظة والشعبوية. يَطرح هذا المعنى الشعبوي لما-بعد-الحقيقة مصطلح "الحقائق البديلة" الذي يأتي في أساسه لخدمة رؤية سياسيّة منحازة لمصالح أو عقائد أو قيم معيّنة يتمُّ الترويج لها والتأكيد عليها لتثبيت واقع معين يخدم فئة محددة عادةً ما تكون منتفعة منه. هذا النوع من الحقائق البديلة لا يتعلّق بوجود معطيات ووقائع وضعيّة تدعمها كما هو مألوف، وإنّما ترتبط بالطرق الإقناعيّة لداعميها من خلال تكرارها وتحويلها إلى مألوفة وبالتالي "مقبولة"، وطرحها في مواجهة مباشرة مع حقائق أخرى، كما وربطها بمشاعر داعمة تتجاوز الحاجة للمنطق والتفكير بحقيقتها. يرتبطُ هذا النوع من الحقائق بتشكيل هويّة انتماء لمعسكر محدَّد يدعمها ويقاتل من أجلها، ما يخلق تصادمًا بينها وبين حقائق أخرى تعتبر معادية بسبب الدعم الذي تحظى به من معسكر آخر يُعتبر "خائنًا" أو خارجًا عن الخط "الصحيح".
هذان المعنيان لما-بعد-الحقيقة مختلفان، ما يطرحُ بأنَّه حتّى في المصطلح الواحد تتواَجد معانٍ مختلفة لا بدّ لنا أن نعيها من أجل عدم السقوط في براثن التحايلات السياسيّة والاقتصاديّة لفئات مجتمعيّة أو أخرى تتلاعبُ بالحقيقة من أجل خدمة مصالحها الذاتيّة. يأخذ هذا التلاعب منحى سياسيًّا وفئويًّا عندما تُضاف للُغَةِ الحقيقة صورٌ ومقاطع مُصوّرة ومُجتزأة لكيّ تشكّلُ وعيًّا شعبيًّا يتماشى مع مصالح هذه الفئات، والحديث عن هذا الموضوع يستلزم مقالًا إضافيًّا يُعنى بذلك في سياق آخر.
لا يمكن أن نُنهي هذه المداخلة دون أن نوضّح بأنَّ سيولة الحقيقة وتغييبها بشكلٍ متعمّد لا تلغي وجود واقعٍ "حقيقيّ" يلمسه كلُّ إنسانٍ يحدّد مشاعرَه وأفكارَه وينعكسُ في رؤيته لذاته. بالتالي، من المهمّ لفت النظر إلى أنَّ الشّرخ والخلاف حولَ مفاهيم فهم الواقع وتصويره بمصطلحات تعكسُ ثناياه وميّزاته وخصائصه وطرح المنطق السببيّ الذي يؤدي إليه، لا يجب أن يحجبَ عن أنظارنا الواقع والتجربة العينيّة التي يعيشُها كلُّ إنسانٍ بشكل خاص. فالشخص الذي يعيش بأمان ونظام يَضمن له سعادته، يختلفُ عن واقع الإنسان الذي يعيش تحت وطأة احتلال غاشم وحرب دائمة على مجرّد وجوده.
من هنا تنبعُ أهميّة التطرّق إلى نماذج منهجيّة فينومينولوجيّة تُعنى بفهمِ التجربة المباشرة للمجموعات البشريّة المختلفة وتمكنّنا من كيفيّة صياغة هذه المجموعات تجربَتها بمصطلحات وبمفاهيم تخصُّها من جهةٍ، ومقارنتها بتجارب مجموعات مختلفة من جهةٍ أخرى. لا يعني ذلك بأننا نستطيعُ أن نختزل الحقيقةَ بتجربةٍ أو أخرى، لكنّنا نستطيع أن نقترب من خلالاستقصاء التجربة من فهمِ حقيقةٍ تحاولُ القوى النافذة، خصوصًا في العلاقات الدوليّة والسياقات الكولونياليّة إخفاءَها عن طريق إشغالنا بمجريات وتحوّلات متسارعة تُغيّب وجود مصالح تحدّد بنيتَها وتوجّه مساراتِ تطوّرها.
بعبارةٍ أخرى، هناك نفور بين السّيولة كمفهوم يحاوِل أن يعكسَ تطوّرات معقّدة ومركبّة تغيبُ عنها الحدود الواضحة والمعالمالعينيّة التي على ما يبدو تاق إليها أبناء البشر وبين منظومات فكريّة مثل الدين والعلم التي وضعت في محورِها مصطلح أو مفهوم الحقيقة المبنيّ على غير المَجهول وذي الحدود الواضحة. لا يتوجّب على هذا النفور أنّ يغيّب عنّا التّوق الميتافيزيقيّ ليقين معيّن نرتكز عليه من أجل اتّساق النفس البشرية وعدم الغرق في ملابساتٍ الاغتراب وغياهب القلق وتعقيدات الابسورد. في الوقت نفسه، يجب أن نكون حذرين من تحويل هذا التّوق إلى حقيقة غيبيّةتفرضُها علينا منظومات مفاهيميّة لا تستطيعُ أن تُرينا ما يدور حولنا بسبب تسارع التحوّلات الطارئة في محيطنا. لهذا، يجبُالإبقاء على أنّ هنالك واقعًا تجريبيًّا معيشيًّا يلامسه كلّ إنسان، لكن صياغته كحقيقة مفاهيميّة ووضعيّة لا يفترض أن نقبله ونتماهى معه بشكلٍ مؤكد ونهائي، وذلك لأنّ هذه المفاهيم عادة ما تكون مُسقَطة خارجيًّا عليه من قُوى لها مصلحة في فهمنا الواقعَ بشكل يتماشى مع مصالحها ورؤيتها.
بالتالي، يصبح تفكيك هذه المفاهيم المهيمنة من أهمّ ما نقوم به من أجل التغلّب أو على الأقلّ الهروب من براثن آليات السيطرة والتحكّم التي تحاول قوى اقتصاديّة وسياسيّة أن تفرضها علينا لنتقبلها وكأنّها جزء لا يتجزأ من الحقيقة. كما أنّه لا غنى عن عمليّات تفكيك المفاهيم المهيمنة للحقيقة من أجل التأكيد على أن ما-بعد-الحقيقة وسيولتها لا تَلغي وجود علاقات قوة أدّت إلى حقوق مهضومة لفئات مجتمعية مسحوقة وشعوب مظلومة تم تغييبها في عصر السّيولة. ولا يمكن لآليات الهيمنة السائلة أن تتجاوز الحاجة لإحقاق حقوق تمّ طمسها من خلال حقائق بديلة وسرديّات مهيمِنة. في قضية التفكيك المنهجي والفكري كآلية مقاومة في مواجهة الهيمنة والظلم في عصر الهيمنة السائلة، لا بد من مداخَلة أُخرى في سياق آخر.

بروفيسور أمل جمّال
باحث في مجال النظرية السياسية والاتصالاتية المقارنة والفكر السياسي وعمليات الدمقرطة والمجتمع المدني، وعميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة تل أبيب.



