ما بَعدَ الحَقيقَة وصِناعَة الوَعي: هذه "بِضاعَتُنا" تُرَدُّ إِلَينا!

لَم يَعُد تَشكيل الرأي العام في العَصر الرقميّ يَعتمد فقط على الحقائق والمعلومات الموثَّقة، بل أصبح يتأثّر بدرجة متزايدة بالمشاعر والانطباعات الشخصيّة والسرديّات العاطفية. في هذا السّياق برز مفهوم "ما بَعد الحقيقة "(Post-Truth)، الذي يشير إلى حالة تُصبح فيها الحقائق الموضوعية أقل تأثيرًا في تشكيل المواقف العامّة من المناشَدات العاطفية والمعتقَدات الشخصية. فالأفراد لا يتّخذون مواقفهم بالضرورة بناءً على الأدلّة، بل بناءً على ما يتوافَق مع قناعاتهم المسبقَة أو ما يُثير مشاعرهم من خَوف أو غضب أو تعاطف.
لا يَعني مفهوم ما بَعد الحقيقة اختفاءَ الحقيقة بالكامل، بل يَعني تراجُع أهميّتها في النقاش العام أَمام الروايات القادرة على التأثير النفسيّ والعاطفي. وقد ساهمَت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير في تَعزيز هذه الظاهرة، حيث أصبحَت المنصّات الرقميّة بيئة خصبة لانتشار الأخبار المضلِّلة والمحتوى المُجتزأ والصور أو الفيديوهات الخارجة عن سياقها. ومع السرعة الكبيرة في تداوُل المعلومات، أصبح التحقّق من صِحة المحتوى خطوة متأخّرة في كثير من الأحيان، بينما تكون الآراء والمواقف قد تشكَّلت بالفعل.
في السياق الفلسطيني، تتجلّى ظاهرة ما بَعد الحقيقة بصورة واضحة خلال الأحداث السياسيّة والأمنية المتسارِعة. فمع كلّ تصعيد أو حدثٍ ميداني، تنتشر على منصّات التواصل الاجتماعي عشرات الروايات والصّور والمقاطع المصوَّرة التي يصعُب التحقّق من مَصدرها أو توقيت التقاطها. وغالبًا ما يُعاد نشرُ مواد قديمة على أنّها حديثة، أو يتمّ اقتطاع جزء من مقطع فيديو لإعطاء انطباع مختلف عن الحقيقة الكاملة. وفي كثير من الحالات، يتفاعَل الجمهور مع المحتوى بناءً على الأثَر العاطفي الذي يتركُه، وليس بناءً على دقّته أو مصداقيَّته.
من الأمثلة التي تتكرّر في الواقع الفلسطيني تداوُل صورٍ أو مقاطع فيديو من أحداث وقعَت في سنوات سابقة على أنّها مرتبطة بأحداث جارية. ورغم أن مؤسّسات التحقّق المحلية والدولية تُسارع إلى كشف حقيقة هذه المواد، فإن التّصحيح غالبًا لا يَنتشر بالسرعة نفسها التي انتشرت بها المعلومة الخاطئة. هنا تَكمن خُطورة ما بَعد الحقيقة؛ فأَثَر الرواية الأولى النفسيّ يبقى حاضرًا حتى بعد إثبات عدم صِحتها.
كما تَظهر هذه الظاهرة في النّقاشات المرتبطة بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية. فعند الحديث عن البطالة أو الفقر أو الهجرة أو أَداء المؤسَّسات العامة، قد تَنتشر أرقام أو ادعاءات غير موثَّقة يتمّ تداوُلها على نطاق واسع لأنّها تعزّز قناعات موجودة مسبقًا لدى الجمهور. ومع تكرار تَداول هذه المعلومات، تتحوّل في أذهان البعض إلى حقائق راسخة رغم غياب الأدلّة التي تدعمها.
مِن الأمثلة الاجتماعية الشائعِة في السّياق الفلسطيني انتشار الشائعات عبر مجموعات "واتساب" و"فيسبوك" حول حوادث يوميّة مثل حالات سرقة أو اعتداء في أحياء سكنيّة، حيث يتم تَداول رسائل تحذيرية بصياغة عاطفيّة دون مصدر رسميّ، ما يؤدّي إلى حالة من الذُّعر أو سوء الفَهم ، رغم أن بعضَ هذه الادعاءات يتبيّن لاحقًا أنّها غير دقيقة أو مبالغ فيها.
كما تتكرّر ظاهرة تداوُل مقاطع فيديو لشجارات أو خلافات عائليّة أو طلابية داخل المدارس، ويتمّ نشرُها مرفقَة بتعليقات انفعالية تُحمّل طرفًا معينًا المسؤولية الكاملة، قبل معرفة تفاصيل الحادثة أو سياقها الحقيقي. وغالبًا ما يؤدّي ذلك إلى تشويه سمعة أفراد أو عائلات بناءً على محتوى مجتزأ أو غير مكتمِل.
في الحياة اليومية أيضًا، تَنتشر على نطاق واسع منشورات تتعلّق بأسعار السّلع الأساسية أو توفّر بعض المواد الغذائية أو الوقود، حيث يتم أحيانًا تداوُل معلومات غير دَقيقة عن "ارتفاعات حادّة" أو "أزمات نقص" قبل التحقّق منها من الجهات المختصة، ما يساهم في خلْق حالة من الهلَع الاستهلاكي أو الشراء المبالَغ فيه.
كما يَظهر ذلك في النّقاشات الاجتماعية حول التّعليم والجامعات وفرَص العمل، إذ تنتشر روايات بين الشباب تُفيد بأن "الشهادات لم تَعد ذات قيمة" أو أن "التّوظيف يعتمد فقط على الواسطة"، وهي تعميمات تَستند إلى تجارب فردّية أو انطباعات شخصيّة يتم تداولها بكثافة حتى تتحوّل إلى قناعة عامة يصعب تفكيكها.
تَعكس هذه الأمثلة كيف لا تَعمَل المعلومات في السياق الاجتماعي الفلسطيني كحقائق مجرَّدة فقط، بل كخطابات مشحونة بالعاطِفة والانطباع، تتشكّل وتَنتشر بسرعة أكبر من قدرتنا على التحقّق، وهو ما يرسّخ ملامح "ما بَعد الحقيقة" في الحياة اليومية.
ولا تَقتصر صناعة الرأي العام في عصر ما بَعد الحقيقة على نشر المعلومات الخاطئة فقط، بل تَشمل أيضًا انتقاء المعلومات المتعمّد. فقد يتم التّركيز على جزء من الحقيقة وإهمال أجزاء أُخرى من أجل توَجيه الرأي العام نحو استنتاج معيَّن. وهنا تَلعب الخوارزميّات الرقمية دورًا مهمًا؛ إذ تميل منصّات التواصل إلى عَرض المحتوى الذي يَنسجم مع اهتمامات المستخدِم وآرائه السابقة، ما يَخلق ما يُعرف بـ"فقاعات المعلومات"، حيث يتعرّض الأفراد بشكل متكرّر للآراء التي تؤكّد مواقفهم بدلاً من تحدّيها أو توسيعها.
في الحالة الفلسطينية، يزداد تأثير هذه الفُقاعات بسبب الاستقطاب السياسيّ والاجتماعي، حيث يُتابِع الأَفراد عادةً مصادرَ إعلامية أو صفحات تتوافَق مع توجهاتهم. ونتيجة لذلك، قد يتلقّى كلّ طرف رواية مختلفة للحدَث نفسه، الأمر الذي يعمّق الانقسام ويَجعل الوصول إلى فهم مشترَك للواقع أكثر صعوبة.
مِن الأمثلة الجليّة في السياق الفلسطيني ما يَظهر خلال التّغطيات الإعلامية للأحداث الميدانية أو السياسية، حيث تَنشر بعض الصفحات أو الحسابات على مواقع التواصل مقاطعَ أو صورًا منتقاة من حدثٍ واحد، مع التّركيز على زاوية معينة تَخدم سردية محدَّدة، في حين يتمّ تجاهُل لقطات أخرى قد تقدّم صورة مختلفة أو أكثر تعقيدًا للحدَث نفسه. يوجِّه هذا الانتقاء فَهْم الجمهور نحو استنتاجات مسبقَة بدلًا من تقديم صورة شاملة.
كما يتجلّى تأثير "فقاعات المعلومات" في اختلاف متابَعة الجمهور الفلسطيني المصادرَ الإعلامية؛ إذ يميل كلّ تيار اجتماعي أو سياسي إلى متابعَة صفحات وقنوات تتوافَق مع توجّهاته، مثل صفحات محليّة أو حسابات ناشطين معروفين بانحيازهم لخطاب معيَّن. ونتيجة لذلك، قد يتعرّض جمهوران مختلفان للحدث نفسه، لكن عَبر روايتين متباينتين تمامًا، إحداهما تُركّز على جانب إنسانيّ أو معيشيّ، وأُخرى تُركز على البُعد السياسي أو الأمني.
في كثير من الحالات، يؤدّي ذلك إلى اختلاف في تفسير الأحداث اليوميّة نفسها، مثل الإضرابات أو التوتّرات الميدانيّة أو القرارات الإدارية، حيث يتم تداول تفسير واحد داخل كلّ "فُقاعة رقميّة"، بينما تَبقى التفسيرات الأُخرى غائبة أو مشوَّهة. ومع تكرار هذا النَّمط، يتعزّز الانقسام في فَهم الواقع بين الفئات المختلفة في المجتمع.
كما تُساهم خوارزميّات منصّات التواصل الاجتماعي في تَعميق هذا التأثير، إذ تَعرض للمستخدمين محتوى مشابهًا لما تفاعَلوا معه سابقًا، سواء كان ذلك أخبارًا أو تحليلات أو مَقاطع فيديو. بهذا الشَّكل، يُصبح المستخدِم محاطًا تدريجيًا بمحتوى يؤكّد قناعاته السابقة، ما يقلّل من فرَص التعرّض لوجهات نظر مخالِفة أو معلومات بديلة.
يؤدّي هذا التّداخل بين الانتقاء الإعلامي والخوارزميّات إلى إنتاج "روايات متعدّدة للحدث الواحد" داخل المجتمع الفلسطيني، بحيث لا يَعود هناك فهمٌ موحَّد للواقِع، بل مجموعة من القراءات المتوازية التي تَعكِس الانتماءات أكثر مما تَعكِس الوقائع الموضوعية.
إن مواجَهة ظاهرة ما بَعد الحقيقة لا تتحقّق فقط عَبر تَصحيح الأخبار الكاذبة، بل تتطلّب تعزيز الثقافة الإعلامية والرقميّة لدى الجمهور. فالمواطن اليوم بحاجة إلى امتلاك مهارات التحقُّق من المصادر، وفهم كيفيّة عمل الخوارزميّات الرقميّة، والتمييز بين الرأي والمعلومَة، وبين الخبر والتحليل. كما تَقَع على عاتق المؤسَّسات الإعلامية مسؤولية كبيرة في الالتزام بالمعايير المهنية وتقديم المعلومات الدقيقة والمتوازنة.
في النهاية، تَبقى الحَقيقة عنصرًا أساسيًا في بناء المجتمَعات الديمقراطية وتَعزيز الثّقة العامة. لكن الحِفاظ على مكانتها في عصر ما بَعد الحقيقة يتطلّب جهدًا جماعيًا من الإعلام والمؤسَّسات التعليمية ومنصّات التواصل الاجتماعي والجمهور نفسه. ففي عالَم تتنافس فيه الروايات على جذْب الانتباه، يصبح الوعي النقديّ والقدرة على التحقّق من المعلومات ضرورة مجتمعية لا يَقِل أهمية عن الوصول إلى المعلومات ذاتها.




