سام.. وما بَعدَ الحَقيقَة

قُتِلَ سام وهو رَضيع لم يتجاوَز عمرُه سبعةَ أشهر، لم يَحمل سلاحًا ولم ينتمِ إلى تنظيم، ولم يَكن طرفًا في أيّ صراع، كان طفلًا في بداية حياته، ومع ذلك انتهت حياتُه برصاصة أُطلقت على سيارةِ والده..
والمفارَقَة أن أَحَدَ أكثر الأسئلة وضوحًا حولَ مقتَله لَم يَصدر هذه المرة عن الفلسطينيين، بل ظهَر أيضًا في بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية: كيف يمكن لجيش يملك كلّ هذه التكنولوجيا والقدُرات أن يقتل طفلًا رضيعًا لا يشكّل أيّ خطر؟ كان السؤال بسيطًا وواضحًا، وربّما لهذا السبب كان مزعجًا، لأنّه أعاد النقاش إلى حقيقته الأولى: طفلٌ قُتل...
لكن في عصر ما بعد الحقيقة لا تَبقى الحقائق طويلًا في مركَز المشهد، فما أن تَظهر حتى تبدأ الروايات بالالتفاف حولها، تتكاثَر التفسيرات وتتزاحَم التأويلات، ويتحوّل النقاش تدريجيًا من الحَدَث نفسه إلى كلّ ما يحيط به. لم يَعُد السؤال: كيف قُتل سام؟ بل ما هو السّياق؟ ومَن المسؤول؟ وما الذي سَبَق الحادثة؟ وما الذي لم تُظهره الصّورة؟
لا يَعني ذلك أنّ الأسئلة حول السياق غير مهمة، لكنها كثيرًا ما تتحوّل إلى وسيلة لتأجيل مواجهَة الحقيقة الأساسية، وهنا تَظهر إحدى سمات عصر ما بعد الحقيقة، إذ لا تُخفى الحقيقة بالضرورة، بل تُغمر بكميّة هائلة من السرديّات التي تَجعل رؤيتها أكثر صُعوبة...
عندما صاغ الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار مَفهوم انهيار السرديّات الكبرى كان يشير إلى تَراجع الثقة بالروايات الشاملة التي تدّعي امتلاك تفسير كامل للعالَم..
لكن ما نَعيشه اليوم يبدو أكثر تعقيدًا، فبَدَل رواية واحدة أصبح لدينا عددٌ هائل من الروايات المتنافسة، وكلّ واحدة منها تنتقي مِن الواقع ما يدعمها وتَستبِعد ما يزعجها.
في هذا العالم لم تَعُد الحقيقة المرجِعَ الأعلى، أصبحت الهويّة والانتماء والموقف السياسي عوامل أكثر تأثيرًا في تشكيل القناعات من الوقائع نفسها، لذلك لا يَسأَل كثيرون هَل ما حدث صحيح؟ بل يسألون سؤالًا آخر: مَع مَن يقف هذا الحدث؟ ولصالح أيّ رواية يُستخدم؟
تكشف قصة سام هذه المُعضلة بوضوح، فمقتل طفل رضيع يبدو من الناحية الإنسانية حقيقة يُفترض أن تكون قادرة على تجاوز الانقسامات السياسية، لكنّ ما يَحدث غالبًا هو العكس، فسرعان ما يُعاد إدخال الحدَث في شبكة من المواقف والانحيازات، وبهذا يتحوّل الطفل إلى تفصيل داخل رواية أكبر، بدل أن تصبح الرواية كلّها موضع مساءَلة أمام حقيقةِ موته.
ولعلّ فلسطين تقدِّم أحَد أكثر الأمثلة وضوحًا على أزمة ما بعد الحقيقة، فربّما لم توثَّق الأحداث في أيّ صراع معاصر كما وُثّقت في السّنوات الأخيرة، تتدفق الصور ومقاطع الفيديو والشّهادات بشكل مستمر وتَصل إلى ملايين الأشخاص خلال لحظات، مع ذلك لا يبدو أنّ وفرة الأدلة تَقود بالضرورة إلى وُضوح أكبر..
على العكس: أحيانًا يبدو أنّ كثرة المعلومات نفسها أصبحَت جزءًا من المشكلة، فكلّ صورة تَجِد من يصدّقها ومن يشكّك فيها، وكلّ شهادة تَجد من يتعاطَف معها ومن يبحث عن طريقة لإبطالها، وهكذا لا تَختفي الحقيقة لكنّها تدخُل في منافسة غير متكافئة مع الروايات الجاهزة والانحيازات المسبقة..
ساهمَت المنصّات الرقمية في تعميق هذا الواقع، فهذه المنصّات لا تكافئ الحقيقة بقدر ما تكافئ ما يُثير الانفعال، المحتوى الذي يثير الغضب أو الخوف أو الشعور بالانتماء يَنتشر أسرَع من المحتوى الذي َيدعو إلى التفكير والتأمل.
مع الوقت، يَجِد الإنسان نفسه محاطًا بأصوات تشبه قناعاته وتؤكّدها، فيزداد يقينًا بروايته الخاصّة حتى لو كانت الوقائع تشير إلى شيء مختلف.
لكن ربّما لا تكَمن خطورة ما بعد الحقيقة في تشويه الواقع فحسب، بل في إضعاف استجابتنا الأخلاقية له، فعندما يصبح الألم موضوعًا للنقاش والضحية موضِعًا للشكّ، والمأساة مادة للتّبرير، لا تضيع الحقيقة وحدها، بل تضيع معها قدرة العالَم على التعاطف..
لم يكُن سام بحاجة إلى تحليل سياسيّ معقَّد كي يستحق الحياة، ولم يكن بحاجة إلى رواية تدافِع عنه كي يصبح موته مأساة، مع ذلك يصرّ الإعلام الإسرائيلي على صُنع معركة على المَعنى والحقيقة. لا تَكشف قصة سام مأساة فردية فحسب، بل تكشف أيضًا كيف تَعمل صناعة السرديّات في زمن ما بعد الحقيقة، فالمسألة لا تتعلّق بإخفاء الوقائع بقدر ما تتعلّق بإعادة ترتيبها، واختيار أيها يَبرز وأيها يُهمَّش، وأيّها يقدَّم بوصفه الحقيقة الكاملة.. وهنا تبرز قوة الإعلام، ليس فقط في نقل الأحداث، بل في تشكيل الطريقة التي يفهمها الناس من خلالها.
لا يَقتصر الصراع في الحالة الفلسطينية على الأرض، بل يمتد إلى مَعنى ما يحدث أصلًا.
فبينما تتراكم الصوَر والشهادات والوثائق تستمرّ محاولات إعادة تأطير الوقائع داخل روايات تبريريّة أو دفاعيّة أو بديلة، وقد طَورت المؤسسة الإعلامية الإسرائيلية على مدار عقود قدرةً كبيرةً على إدارة الصراع السرديّ ليس عبر إنكار كلّ شيء بالضرورة، بل عبر إنتاج تفسيرات موازية، وتحويل الانتباه إلى أسئلة أخرى، بحيث تصبح الحقيقة واحدة من روايات عديدة بدل أن تكون نقطة الانطلاق للنقاش.
وربما هنا تَكمن المفارَقة الكبرى لعصر ما بعد الحقيقة، فكلّما ازدادت قُدرتنا على رؤية الواقع ازدادت قُدرتنا أيضًا على الهروب منه، لم تَعد المعركة تدور حول الوصول إلى الحقيقة، بل حول الحِفاظ على مكانتها في عالم تتنافَس فيه الروايات على قدم المساواة، وعندما يصبح بوسع أيّ سردية أن تنافس الوقائع نفسها لا يعود السؤال: ما الذي حدث؟ بل: أيّ رواية ستنجح في إقناع العالَم بما حدث ...
(استعمال الصورة بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال ملاحظات ل [email protected]).




