القُدْسُ.. بَيْنَ سَطْوَةِ الِاحْتِلَالِ وَشَدِّ الرِّحَال

إنَّ العاصمةَ التي فقَدنا معظَمَها في نكبة 48، وهُجّرنا قسرًا عنها لتُصبح القدس العَتيقة داخل الأسوار ملجأَنا وقَلعة صمودنا، "كانَ حلمًا مِن خيالٍ فهوى". تتعرّض هذه العاصمة منذ بدء الاحتلال إلى حَمَلات متتالية للاستحواذ على مَعالمها، وتهويدها، وهي حملاتٌ تواتَرت حدّتها بشكل غَير مسبوق بعد عام 2023، ومع تَداعيات حرب أكتوبر، وصولًا إلى محاولات مَحمومَة لِجَعلها مدينةً يهوديّة بحتة، وطَمس هويّتها العربيّة الأَصيلة.
إن القدس يا سادتي قد باتَت على شَفير الهاوية؛ إذ وقبلَ أيام قليلة مِن حلول شهر رمضان المبارَك، تسلّمَت دائرة الأوقاف أوامر رسميّة بمنع إقامة أيّ استعدادات احتفالية بالشهر الفَضيل. لَم يتوقّف الأمر عند التّضييق الإداري، بل تزامَن ذلك مع إجراءات قمعيّة شَمِلَت سجْن بعض المسؤولين، ومنع شخصيّات دينية اعتبارية من المشارَكة في الصلاة أو حتى الاقترابَ من المسجد الأقصى. يأتي هذا في ظلّ إشعارٍ صريحٍ ومستفزّ، يَقضي بأنّ الطقوس الدينيّة اليهودية في ساحَة المسجد الأقصى السُّفلى ستستمِر كالعادة؛ كـ 'حقّ زمنيّ يومي' بين الساعة السادسة والنّصف والحادية عشرة والنصف صباحًا، في محاولة لفرض واقع جديد يغيّب قدسيّة المَكان وهَيبة الزّمان.
إنّنا نَشهد اليوم إحلالًا بصريًا لسيادَة يهوديّة دخيلة تَسعى لتغيير الجَغرافية الدينيّة للمدينة المقدَّسة، بهدَف إقصاء كافّة مظاهِر المجتمع الفلسطيني الدينية والثقافيّة، وطَمس مَعالم هويّته وحُضورها من الفَضاء العام، عَبر العبَث بديموغرافية المدينة وعمرانها؛ من خلال تَطويق جميع الأحياء السكنيّة بكتل استيطانية لجماعات متطرّفة سياسيًا، يتعرّضون للفلسطينيين ويتطاوَلون عليهم بمنطق الازدراء الديني الممنهَج، وبنزعَة استعلائيّة فوقيّة تُرادف في جوهرها العنصرية العرقية، ولا ترى في الفلسطيني أو غير اليهودي شريكًا في المكان. فويلٌ للمسيحي الذي يُظهر صليبه أيًا كانت مرتَبته الدينية، وويلٌ لأهل الحيّ -سيّان كانوا نَصارى أَم مسلمين- من شرّهم اليوم، يُراد لـ 'النسيج الاجتماعي الأصيل بإرثه التعددي' أن يَندثر لصالح 'أحاديّة رمزيّة'؛ حيث يُطالب المسيحي بمواراة صليبه والمسلم بطمس معالم هويته، في محاولة لتورية الحضور الفلسطيني وحبسه خلف الجدران.
لقد تكرّس الاستهداف في إستراتيجيّة لـ 'تهويد المشهَد'، عَبر دفع الرّموز الإسلاميّة والمسيحيّة إلى التّورية القسريّة، وتنمرٍ بصريٍ يتطاوَلُ حتى على أَبسط مظاهر الحياة اليومية؛ إذ مُنع السكان من وَضع قوارير الورد والرّيحان على عتبات بيوتهم، في محاوَلة لتجريد الفَضاء المقدسيّ من روحه وعبقه الأصيل، ولتبدو المدينة كـ 'متحفٍ' باردٍ ومُفرغٍ من نبض أهله.
يَهدف هذا الفِعل الاستراتيجي لفَرض سيادةٍ بصريّة شاملة، تَغيب فيها الهويّة الثقافيّة الأصيلة لتبرُز مكانها الإشارات الدّخيلة كإعلان انتصارٍ لهوية إقصائية واحدة فَوق جغرافيا كانت، منذ العُهدة العُمريّة، واحَة للتعدّدية الإنسانية والروحية، إنهم يريدون للفلسطيني أن يُغَيِّب هويته الدينية ويُخفي ملامحه الوطنية في الشّارع العام، لتظل هويته مواراةً بين جدران مسكَنه فقط. ووسط هذا التجبّر الرمزي، تَبرز شَجاعة المرأة المقدسية التي تَخرج بحجابها كأثرٍ بصريّ صامد؛ ليتجاوَز الحجاب كونه رمزًا دينيًا ويصبح إشعارًا سياسيًا في جغرافية الوجوه، تمامًا كما هو الصليب المسيحي؛ كإعلانٍ بصريٍ صارخ عن الانتماء للأرض والتاريخ في مواجهة محاوَلات المَحو. وبهذا التمسّك، يتحدّى المقدسيون ممارسات الازدراء الروتيني والاعتداءات العنيفة، ليشكلا معًا فعل تحدٍ أصيل ضدّ سياسة الاستبدال والإقصاء الممنهجة التي تفرضها منظومة الاستحواذ والسيادة.
في شوارع القُدسِ العتيقةِ والطرق المؤدية إلى الحرم الشريف، تُفاجأ بأن أَلَقُ الشَّهرِ الفَضيلِ قد استحال غيابًا؛ إذْ غارَتْ بَهجةُ رمضانَ المعهودةُ بمختلفِ ألوانِها، فغابتِ العرائشُ الكهربائيةُ التي كانت تزدانُ بالفوانيسِ والأهلةِ والنجومِ، تلك التي كانت تُحيلُ الشوارعَ المرصوفةَ بالحجرِ إلى مرايا تعكسُ روحانيةَ المكان. وبالرغمِ من كثرةِ المصلين، فإنَّ الفضاءَ غدا ثكنةً عسكريةً تعجُّ بالجنودِ، يتفحصونَ الوجوهَ ويدقّقون النظرَ؛ فيَنتَحون بهذا جانبًا ويحقّقون مع ذاك، ويحجِزون فلانًا من الناس ويجولون في نقاشٍ مع علان، مبددين بكيدهم الإحساس الروحاني؛ ليمسي الجوُّ الاحتفاليُّ طقسًا من الوجلِ، يحثُّ فيه المصلونَ الخُطى بوجوهٍ صارمةٍ أو مكفهرةٍ للوصولِ إلى الأقصى تحت رذاذِ المطرِ الشتوي.
لقد راعني، حتى قَبل اندلاع الحرب، مَشهدُ المصلين وهم ينتظمون في صفوفهم تحت المطَر والبرد القارِس، بعد أَن مَنَعت منظومة الإقصاء نَصبَ المظلّات أو توفير وسائل التّدفئة، ليقفوا في ظلامٍ دامِس لا يَكسِر حدّته إلا النور المُنبثق من رِحاب الأَقصى المُزدحم. أَمام هذا الامتثال المُذهِل، استرجعتُ مَشهد الإمام الغزالي حين أَراد الصلاة في الأقصى وهو آنذاك كَنيسة صليبيّة؛ فمَنَعه "فرسان المعبَد"، حتى رقَّ له قلب جنديٍ آخر وسمَح له بالصلاة، وما كاد يولي ظهره حتى رفسه فارسٌ صليبي وأوقعه أرضًا وهو ساجد. وبرغم ذلك التنكيل، أصرّ الغزالي على ممارسة طقوسه، مدفوعًا بيقينه أن الأقصى 'بابٌ من أبواب السماء'؛ وهو التزامٌ يَنبُع من ضرورة فقهيّة وعُهدة تاريخية جعلت من صَلاته رباطًا وجهادًا، تمامًا كما هو حال المُرابطين اليوم في مواجهة القَمع والإحلال العنصري.
إمعانًا في بَتر عَلاقة الإنسان الفلسطيني بمقدّساته، وفي ظِلال تداعيات المواجَهَة العسكرية الإقليمية، أَقدَمَت سلطات الاحتلال على إغلاق المسجد الأقصى للمرّة السابعة منذ احتلاله عام 1967، مانعةً إقامة صلاة التراويح والاعتكاف فيه تحت ذَريعة 'الحرب على إيران' وإعلان حالة الطوارئ. إنّنا أَمام سابقة تاريخية خطيرة؛ حيث تُستخدَم الحرب غطاءً لتمرير 'تورية دينية' تَهدف لتغيير الوَضع القائم وفَرض واقع تهويديّ جديد. وفي خِضَم هذا الصمت، بَرز صوت الحقّ للشيخ عكرمة صبري مناديًا بفتح الأقصى، مؤكدًا للصحافة: "حِرمان المسلمين من الصلاة في المسجد الأقصى هو إجراء كيديّ تعسفيّ يَفتقر لأيّ غطاء قانوني أو أخلاقي"؛ مشددًا على أن السيادة على الأقصى هي حقٌ حصريّ وخالص للمسلمين وحدَهم.
انتهى زمنُ الأعذار؛ فالقدسُ تواجهُ اليوم واقعًا دخيلًا يَسعى لتهويدها، والمسجدُ الأقصى بات رهينةً لـ 'سيادة بصريّة' ومنظومة استحواذٍ غاشمة. لقد تبلور اليوم إدراكٌ مرير بأنّ قرار الاحتلال التعسفيّ بإغلاق المسجد ليس مجرد إجراءٍ أمنيٍ طارئ، بل هو جزءٌ من عدوانٍ ممنهَج يستهدف تقويض دور الأوقاف الإسلامية في القدس، وسعيًا حثيثًا لسَحب صلاحياتها التاريخية.
في هذا السّياق، يبرز استهداف الدَّور الأردني الهاشمي في المسجد الأقصى كمحاولة لكَسر الوصاية الأصيلة؛ وهو ما يواجهه الموقف الأردني الثابت بالتمسّك بأن الأقصى —بكامل مساحته البالغة 144 ألف مترٍ مربع— هو مقدسٌ إسلاميٌ خالص لا يَقبل القِسمَة ولا الشّراكة، رافضًا أي محاولة للانتقاص من هذه السيادة التاريخية والدينية.
اليوم، تتصاعَد نداءات 'شَدّ الرّحال' والزّحف نحو القِبلة الأولى والاعتكاف في رِحابها، رفضًا لتحويل المَكان إلى رهينة للتقلّبات العسكريّة، وتكريسًا لليقين بأنّ الوجود الفلسطيني الحيّ هو الصّخرَة الصماء التي تتكسّر عليها أَوهام الاستحواذ والسيادة الدّخيلة.
إنَّ أولئك الذين أُوصِدَت الأبوابُ في وجوههم قد استحال لَديهم 'باب السّاهرة' إلى مِحرابٍ بَديل، حيث يحتشِدون لأداء صلاة التّراويح عند أقرَب نقطة ممكِنة من المسجد الأقصى، وبرَغم آلات القَمع، تظلّ الأعداد في تزايدٍ مطّرد؛ تأكيدًا على أنّ 'التغوّل الزماني' لن يُفلح في قَطع صلة أهل الحقّ بصخرة مِعراجهم. وهنا يَطرح السؤال نَفسَه تلقائيًا: حالما يُستردُّ الحرَم، هل تَستعيد أزقة القدس هويّتها المسلوبة؟ ليبرُز معه السّؤال الوجودي الأكبر: ما هو مصير أشقائنا في غزة بعد هذه الإبادة الوحشيّة؟ فالقدس وغزة وكلّ فلسطين تواجِه اليوم الخَطَر الأعظّم؛ منظومة الإفناء التي تَسعى لاقتلاع شعبنا قربانًا وتحقيقًا للرؤية الصهيونية 'أرض بلا شعب لشعب بلا أرض' إنَّ صاحب الحقّ لا يموت، ويَبقى يقين المرابِطين هو الصخرة التي تتحطّم عليها أوهام المَحو والتّهجير، فـ (إنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا.)
بالرغمِ مِن جميعِ التحدّياتِ والمكائدِ، ما زالَ في القدسِ قلبٌ ينبضُ. ينتظمُ المصلّونَ أمامَ أسوارِ المدينةِ المحاصَرة، وعلى بُعدِ خطواتٍ من أبوابِ الحرمِ الموصَدةِ؛ خاشعينَ ممتثلينَ في مشهدٍ تاريخيٍ أيقونيٍ يخرقُ عتمةَ المَحْوِ والإقصاء. وبرغمِ تبدّلِ ملامحِ المدينة ومحاولاتِ كتابةِ تاريخِها بلغةٍ دخيلة، يبقى ذاك المرابطُ وتلك المحجبةُ بوقوفِهم الصامدِ عندَ عتباتِها هم 'الشاهدَ الحيَّ'؛ متحدينَ الامتثالَ لـ الأحاديةِ الإقصائيةِ. فبالرغمِ من جميعِ التحدياتِ والعقباتِ والمكائدِ، لن يحولَ شيءٌ بيننا وبينَ المسجدِ الأقصى... وقُبّةِ المِعراج.

د. علي قليبو
أستاذ جامِعي، وباحث أنثروبولوجي، وكاتب وفنان تشكيلي مقدسي. له مؤلفات عديدة حَول الهويّة الفلسطينية وجذورها في الحضارة الكنعانية، نَذكُر منها "أرض الأجداد.. من الأزَل إلى الأَبد" و"القدس في القلب" و"المَعالم المِعمارية في القدس المملوكية"، إلى جانب مساهمات أكاديمية في دوريات وصحف باللغة الإنجليزية.



