الحَرْب الأميركيّة الإيرانيّة وعَرب الـ 48 بَينَ فِلِسطينيّتِهِم وإِسرائيليّتِهِم

وَقَفات عَلى المَفارِق
الوَقفة الأُولى... وفاتحة حول الجارّ والمجرور؟!
يُكثر المحلّلون طَرح الإجابة على سؤال افتراضيّ: مَن جرّ مَن إلى هذه الحرب المجنونة؟! يتعامَلون معها وكأنّ قرار الحرب هو ثمَرة لقاء على مأدبة "فارهة" في عِزبة ترامب؛ مار – آ – لاغو (إسبنيوليّة - من البحر حتّى البحيرة) في ولاية فلوريدا، لقاء جرّ فيه نتنياهو ترامب إليها. فهل كان بن غوريون جرّ الرئيس الأميركي؛ هاري ترومان، ورئيس الحكومة البريطانيّة؛ كليمنت أتلي العمّالي إلى حرب النكبة 1948؟!
صحيح أنّه لا يمكن قراءَة التاريخ بمَعزل عن الشخوص ودورهم؛ وفي سِياقنا ترامب ونتنياهو والخامنئي (منعًا للالتباس فأنا لا أُساوي بينهم)، أمّا ترامب والخامنئي فلنتركهُما كلّ لشعبه، وأمّا نتنياهو ونحن في الداخل الفلسطيني مِن "رَعاياه"، فستظلّ العَلامة البارِزة في سجّله التاريخيّ في القاموس الإسرائيلي؛ الفَشَل في 7 أكتوبر 2023، ومَهما أَشعَل من حلَقات في هذه الحرب لن يغيّر "انتصارُه المَوهوم" على إيران وعلى "حزب الله" من ارتباط اسمه تاريخيّا بالفشل الصارم في أكتوبر الذي يودّ مَحوَه من سجلّه، ولا يستهيننّ أحَدٌ بهذا الدافع!
لكن لا أميركا تُحكَم باللوبي اليهوديّ ولا إسرائيل كيانٌ مستقل (دولة) حليف لأميركا. أميركا وإسرائيل وحدة سياسيّة عسكريّة واحدة بغضّ النظر عن الجغرافيا؛ مشغِّل ومشغَّل في صراع تاريخيّ غربيّ شرقيّ؛ حضاري عقائدي وجيوسياسيّ واقتصاديّ وإنْ اختَلَفَت أَشكاله من حقبة إلى أخرى.
فتاريخيّا كان وما أَن يَقوى جانب حتّى يكون الآخر فريسته في عمليّة مدّ وجَزر كولونياليّة؛ من الإمبراطوريّة الفارسيّة، مرورًا باليونانيّة – الرومانيّة، ثمّ العربيّة – الإسلاميّة، فالعثمانيّة الإسلاميّة، فالأوروبيّة الاستعماريّة، ومن ثمّ الأميركو أوروبيّة أفانجاليّة – صهيونيّة بدءًا من القرن التاسع عشر.
الوَقفَة الثانية... وإعلان: "الدّولة في حَرب"
أَحَد ضحايا هذه الحروب "الأزليّة" في شَكْلها الحَديث كان وما زال شَعب فلسطين، ومهما اتّخذت هذه الحلقة الشرق أوسطيّة مِن أشكال، أو تبدّلت أطرافها، أو تبدّلت ساحاتها، أو تبدّلت أسبابها ومسبّباتها، تظلّ القضيّة الفلسطينيّة في اللّب؛ مرجعيّةً وحضورًا.
بعد الـ 7 أكتوبر 23 وحين طالت الحرب وامتدّت، أَعلنت الحكومة الإسرائيليّة اعتمادًا على قانون أساس الحكومة: "إنّ إسرائيل في حالة حرب"، فكان يجب أن نَسأل نحن العرب الفلسطينيّين عامّة وحملة الجنسيّة الإسرائيليّة خاصّة: لماذا؟! وهل مِن أبعاد لذلك الإعلان علينا فعلًا وقولًا، خصوصًا وإنّ إسرائيل لم تفْعلها في حروبها المتتالية اللهمّ إلّا في حرب أكتوبر 1973م؟!
قَوانين الحروب المَعروفة كذلك باسم: "القانون الإنساني الدولي" لها تبعات على الحرب القائمة اليوم خصوصًا على ضوء الإعلان أعلاه. يعطي هذا الإعلان إسرائيلَ الإمكانيّة لاتّخاذ خطوات "غير تقليديّة"، من أهمّها داخليًّا تحديد حريّة التّعبير عن الرّأي. لستُ هنا في صَدد دراسة أكاديميّة فهذه متروكة للمختصّين، مع هذا لا ضَير إن اقتبسْنا ما يقوله بعض الأكاديميّين الإسرائيليّين، وفي المقدّمة منهم بروفيسور كوبي ميخائيل (منقول عن جلوبوس)، الذي يعتقد أن: "للإعلان هذا أبعاد جمّة، من نواحٍ ذهنيّة وتنفيذيّة (عمليّاتيّة). من ناحية ذهنيّة فإعلان الحرب هو تَعريف الأمّة كلّها على أنّ حياة المواطنين في طَريقها إلى التغيّر، وأنّ عليهم تحمّل حِمل كَبير. والسلطة التنفيذيّة تَأخُذ بواسطة هذا الإعلان الصلاحية (المشروعيّة) السياسيّة والأخلاقيّة أن تدير حربًا باسم الشعب وتَفعيل القوّات العسكريّة حسب رؤيتها".
الوَقفَة الثالثة... والإعلان وموقع عرب الـ 48
من نافل القول: إنّ العرب الفلسطينيّين في الـ 48، كانوا وما زالوا حالة خاصّة في المَشهد، فَهُم من ضحايا هذا الصراع الغربيّ الشرقيّ في حلقته الشرق أوسطيّة القديمة - الجديدة؛ حياتيّا ومعيشيّا وروحيّا ووطنيّا انتمائيّا في تناقض شبه انتحاريّ بين فلسطينيّتهم وإسرائيليّتهم.
من نافل القول أيضًا: إنّ "التغيّر والحمل الكبيرين" المطروحين أعلاه سيحطّان على الأقليّة العربيّة أثقَل ألف مرّة ممّا يحطّان على اليهود في الدولة، وفي مجالات وسياقات أخرى، وهذا ما شهِدناه ونشهَده في "خَبط العَشواء" الذي تَقوم به النيابة العامّة والشرطة مِن اعتقالات وتَقديم لوائح اتّهام (المئات) ضدّ العرب على مجرّد التّعبير عن الرأي حول الموقف من هذه الحرب ومجرياتها، مؤوّلين ذلك إلى التماهي و/أو التماثل مع منظّمة إرهابيّة أو دولة عدوّ، حتّى لو كان التعبير مجرّد تَعبير عن أَلَم من إسقاطاتها على أبناء شعبهم الفلسطيني.
وعلى المستوى الاقتصادي يكفي مثالًا لا حصرًا؛ فرض ضريبة الأملاك على ما تبقّى في يد العرب من أراض قليلة احتياطيّا لأبنائهم لإقامة بيوتهم، ضريبة كان نجح العرب في إلغائها في تسعينيّات القرن الماضي، وها الكنيست تعيدها مشاركة في حِمل الـ "الدولة في حالة حرب" وعليهم أن يتحمّلوا جزءًا من الحمل، علمًا أن وزارة الماليّة كانت عادت وجمّدتها بإخراجها مؤقّتا من قانون التسويات 2026 لدواع ائتلافيّة انتظارًا لفرصة سانحة، وهذا غيض من فيض!
الوَقفَة الرابعة... والإسقاطات على المشهد الفلسطيني
يَأخُذ كثيرون، وعينيّا من فلسطينيّين؛ من الداخل والـ 67 والشّتات والاغتراب، على حركة "حماس" أنّ إطلاقها هجوم الـ 7 من أكتوبر كان مغامَرة غَير محسوبَة النتائج أَشعَلَت الإقليم، فبغضّ النّظر ورغم الأهوال التي تحمّلها أهل غزّة والتداعيّات في الضفّة الغربيّة، وانطلاقًا؛ أعتقد أنّه لا يمكن أن تنتهي هذه الجولة من الحرب ومهما كان شكل نهاياتها إلّا عن صياغة حالة جديدة استراتيجيّة في كلّ ما يتعلّق بالصراع العربي الصهيونيّ وفي صلبه القضيّة الفلسطينيّة وعلى الغالب نحو الأفضل فلسطينيّا.
الوعي السائد لدى الإسرائيليّين كان وما زال؛ أنّهم لا يمكن أن يُقبلوا في هذا الشرق "الذي لا يفهم إلّا لغة القوّة والقمع"، هذا الوعي ترسّخ بعد السابع من أكتوبر أكثر. ومن الناحية الأخرى، فإنّ الوعيّ السائد لدى العرب؛ فلسطينييّن وغيرهم أنّ لا مكان لإسرائيل في هذا الشرق وبقاؤها آنيّ إلى يوم نهوض الأمّة "حين يرضى الله عنها"!
رسّخت هذه الحرب أكثر هذا الوعي السائد لدى طرفيّ الصراع لكّنها هزّته حتّى الأعماق، سيُسقِط على إسرائيل عاجلًا أم آجلًا، وبالتالي سيُسقِط إيجابًا على القضيّة الفلسطينيّة؛ أُمّ القضايا في الشرق. فلا يمكِن أن تنتَهي هذه الحرب وبغضّ النظر عن شكل نهاياتها إلّا عن حالة جديدة استراتيجيّة في كلّ ما يتعلّق بالصراع العربي الصهيونيّ وعلى الغالب نحو الأفضل فلسطينيّا.
لن يَحيد هذا عن عرب الـ 48، وبشَأنهم أدّعي أنّه وبعد أن أَكَلوا من "الزّلط" الكثير، أنّهم بحاجة لتغيير خطابهم السياسيّ وبالتالي الوطنيّ- القوميّ، عليهم أن يَرفعوا من خطابهم السياسيّ من: "دولتين لشعبين ودولة واحدة وباقي الأطروحات المتداولة"، إلى مستوى: حقّ تقرير المصير الوطني- القومي، بمعنى: حقّ الشعب الفلسطينيّ بتقرير المصير ليس مقتصرًا على أبناء شعبهم في الـ 1967 والشتات، وإنّما يشمل كذلك الـ 48 وفي أماكن التّواجد لا ارتحال ولا انتقال، هذا التحوّل هو نتيجة وضرورة.
إن لم يتأتَّ كلّ هذا "ثمرة" لهذه الحرب المجنونة فنحن بصدَد حرب "الـ 80 سنة" القادمة إلى أن يَقضيَ الله أمرًا كان مفعولًا!

سعيد نفّاع
محام وكاتب وسياسي.
مواليد الأول من نيسان 1953م في قرية بيت جن في حضن الجرمق أعلى جبال بلادنا، لأب فلسطينيّ، وأمّ سوريّة لجأت إلى فلسطين طفلة بعد أن ارتقى والدها في الثورة العربيّة السوريّة الكبرى عام 1925م. محامٍ خرّيج جامعة تل أبيب 1983م، ورئيس مجلس محلّي بلدته 93-1992، ونائب برلمان 13-2007، والأمين العام ل-"الاتحاد القطري للأدباء الفلسطينيّين- الكرمل" منذ العام 2014م ورئيس تحرير مجلّة الاتحاد "شذى الكرمل"، أمين عام "الحركة الوطنيّة للتواصل" والمحرر التنفيذي لفصليّتها "التواصل".
الأمين العام للاتّحاد العام للأدباء الفلسطينيّين- الكرمل48 (الاتّحاد الموحّد من اتّحادي؛ الكرمل وال-48 سابقًا)، منذ الوحدة 09 شباط 2019م
أسير سياسيّ محرّر!



