القَضيّة التي لا يَستَقيم الإقليمُ بِدونِها

خلال العقد الأخير، بدا أن الشرق الأوسط يُعيد ترتيب أولوياته على نحو غير مسبوق. صَعدت ملفات الطاقة والتكنولوجيا والتحوّل الاقتصادي إلى صدارة الأجندات الوطنية، وتقدّمت مسارات التطبيع والتهدئة الإقليمية، وتراجع حضور القضية الفلسطينية في الخطاب الرسمي العربي بوصفها قضية العرب المركزية. غير أنّ هذا التحوّل في الخطاب لا يعني أن القضية فقدت مركزيتها الفعلية؛ فالوقائع تُثبت، مرّة بعد أخرى، أن تجاهُل الجرح الفلسطيني لا يُنهي أثرَه، بل يؤجّل انفجاره ويضاعف كلفته على الإقليم بأسره.

الدولة الفلسطينية: ضرورة بنيوية لا شعار أخلاقي

إن قيام دولة فلسطينية ذات سيادة ليس مطلبًا أخلاقيًا أو رمزيًا فحسب، بل شرط بنيوي لأيّ أمن إقليمي مستقر. فالنظام الإقليمي، كأيّ نظام دولي، يقوم على منطق الدولة الوطنية: حدود معترف بها، وسيادة متبادلة، وقنوات مسؤولة للتفاوض والرّدع. وغياب الدولة الفلسطينية يُبقي في قلب الإقليم فراغًا سياسيًا وسياديًا مفتوحًا، تملؤه بالضرورة قوى ما دون الدولة ومشاريع عابرة للحدود، ويظلّ مصدرًا دائمًا لعدم اليقين الاستراتيجي. لا يمكن بناء هندسة أمنية إقليمية متماسكة فوق فراغ كهذا؛ فكلّ ترتيبات التعاون والتكامل تبقى هشّة ما دامت قابلة للانهيار عند أوّل جولة تصعيد في غزة أو القدس أو الضفة.

سلوك إسرائيلي غير منضبط

يتغذّى هذا الفراغ على سلوك إسرائيلي بات من الصعب وصفه إلّا بغير المنضبط. فالتوسّع الاستيطاني المتسارع الذي يلتهم أيّ أساس جغرافي لحلّ الدولتين، والعمليات العسكرية العابرة للحدود في أكثر من ساحة، والاستخدام المفرط للقوة دون أفق سياسي، كلّها مؤشرات على دولة تتصرّف بمنطق القوة المطلَقة لا بمنطق الجار السّاعي إلى اندماج إقليمي مستدام.

 إسرائيل التي تريد قبولًا إقليميًا تتصرّف، في الوقت نفسه، بما يقوّض شروط هذا القبول. وحين يَغيب الرادع السياسي، ويَغيب معه المسار التفاوضي، يصبح كلّ اتفاق تطبيع رهينة للسلوك الإسرائيلي نفسه، وتَجد العواصم العربية المنخرِطة في مسارات السّلام نفسها في موقع حرِج أمام شعوبها وأمام حساباتها الاستراتيجية.

 إنّ ضبط هذا السلوك لا يتحقّق بالضغط الظرفي، بل بإدخال إسرائيل في معادلة حدود نهائية معترف بها مع دولة فلسطينية قائمة؛ فالدول تنضَبط حين تُحاصَر خياراتها بالتزامات قانونية وسياسية واضحة.

إيران: توظيف القضية لاختراق النظام الإقليمي

على الضفة الأخرى، تقدِّم إيران نفسها راعيًا للقضية الفلسطينية، لكن قراءة متأنّية لسلوكها الإقليمي تكشف أن فلسطين في الاستراتيجية الإيرانية ذريعة لا غاية. فطهران لم تستثمر في بناء علاقات نِدّية مستقرة مع الدول ذات السيادة في الشرق الأوسط، بل راكمَت نفوذها عبر رعاية جماعات ما دون الدولة: من حزب الله في لبنان، إلى الحوثيين في اليمن، إلى الفصائل المسلحة في العراق. هذا النمط ليس مصادفة، بل منهج؛ فالهدف ليس تعزيز النظام الإقليمي القائم على الدول، بل اختراقه وتفكيكه من الداخل، عبر إنشاء ولاءات موازية تُنازع الدولة الوطنية سيادتها وقرارها. وباسم دعم فلسطين جرى تفريغ الدولة اللبنانية من قرارها الاستراتيجي، وإغراق اليمن في حرب مدمِّرة، وتحويل العراق إلى ساحة نفوذ متنازع عليها. النتيجة أن القضية التي تُرفع شعارًا للوحدة صارت، بالتوظيف الإيراني، أداة فرقة وانقسام في الإقليم.

ويكفي تأمّل الخريطة لإدراك حجم المفارقة: فالدول العربية التي دعمت الفلسطينيين فعليًا فعلت ذلك عبر الدبلوماسية والإعمار والمنظمات الدولية؛ أي عبر أدوات الدولة، بينما اختارت طهران أن يكون الطريق للقدس عبر اختراق العواصم العربية. وحين تتقدّم مبادرات التهدئة بين العواصم العربية وإيران، تظلّ أذرعها المسلحة خارج أيّ التزام، جاهزة لنسف أيّ تقارب متى اقتضت حسابات المشروع الإيراني ذلك. فالعلاقة مع الدول عند طهران تكتيك قابل للمراجعة، أمّا الاستثمار في الجماعات المسلّحة فهو الثابت الاستراتيجي.

دائرة مغلقة يتغذّى طرفاها على بعضهما

والمفارقة أنّ السلوكين، الإسرائيلي والإيراني، يتغذّيان على بعضهما في دائرة مغلقة. فكلّ جولة عنف إسرائيلي ضدّ الفلسطينيين تَمنح طهران مادة دعائية لشرعنة أذرُعها ومشروعها العابر للحدود، وكلّ تمدّد إيراني عبر الوكلاء يمنح إسرائيل ذريعة لمزيد من الأمنَنة والتصعيد وتأجيل الاستحقاق السياسي الفلسطيني. الخاسر في الحالتين هو مشروع الدولة الوطنية العربية، والمُستفيد هو منطق الفوضى الذي يَزدهر في غياب التسوية.

الدولة الفلسطينية مدخل كسرِ الدائرة

من هنا تحديدًا تأتي مركزيّة الدولة الفلسطينية بوصفها مدخلًا لكسر هذه الدائرة. فقيام الدولة يسحب من إيران ذريعتها الأثمن، ويجرّد خطاب المقاوَمة بالوَكالة من مضمونه، ويُعيد الاعتبار لمنطق الدولة في مواجهة منطق الميليشيا. وهو في الوقت ذاته يضَع السلوك الإسرائيلي داخل إطار من الحدود والالتزامات، ويحوّل علاقات إسرائيل بالإقليم من تطبيع فوقي هشّ إلى سلام قابل للحياة تُسنده الشعوب لا الحكومات وحدها. عندها فقط يُمكن للترتيبات الأمنية والاقتصادية الإقليمية أن تُبنى على أرض صلبة.

ليس في هذا الطّرح مثالية مفرِطة؛ فالمواقف العربية الرسمية ما زالت تربط أيّ اندماج إسرائيلي كامل في المنطقة باستحقاق الدولة الفلسطينية، وهو ربطٌ تمليه المصلحة قبل المبدأ. فالدول التي تَبني رؤى تنمويّة طموحة تدرِك أنّ رساميلها ومشاريعها الكبرى تحتاج إقليمًا منخفض التوتّر، وأنّ جولة حرب واحدة كفيلة بتبديد سنوات من التّخطيط. ليست مركزية فلسطين اليوم مركزية عاطفية كما كانت في خطاب الماضي، بل مركزية مصلحية: لا استقرار بلا تسوية، ولا تسوية بلا دولة.

إنّ تغير الأولويات الإقليمية حقيقة لا يمكن إنكارها، لكنّه لا يلغي حقيقة أعَمق: أن الطريق إلى شرق أوسط مستقرّ ومزدهر يمرّ عبر قيام الدولة الفلسطينية. فالقضية الفلسطينية لم تكن يومًا مجرّد ملفّ تفاوضي بين طرفين، بل هي المرآة التي تنعكس عليها اختلالات الإقليم كلّه؛ ومن دون تسويتها ستبقى إسرائيل بلا ضابط، وإيران بلا ذريعة أفضل، والاستقرار الإقليمي مؤجّلًا إلى إشعار آخر.

د. عبدالله بندر العتيبي

أستاذ مساعد في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر. حاصل على دكتوراه في العلوم السياسية من الجامعة الوطنية الأسترالية (ANU). يركّز في أبحاثه على السياسة الخارجية والسرديات الوطنية، وبخاصة الخليجية منها، وتأثيرهما على سلوك الدولة وصنع القرار فيها. صدر له حديثًا كتاب السرديات المتغيرة والأدوار المتطورة للسياسة الخارجية القطرية عن دار بالمغريف ماكميلان في كانون الثاني/ يناير 2026.

 

رأيك يهمنا