لا بدّ من إعادة فَهم واقع القضية الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر سنة 2023م. قَبل هذا اليوم لم يكن مواطن أمريكي في نيويورك مضطرًا لحمل العلم الفلسطيني ورفعه بوجه رجال الأَمن المدجّجين بالأسلحة معرضًا نفسه للخطر، لأن شيئًا لا أخلاقيًا يمارَس بحقّ شَعب أعزل، كلّ "مشكلته" أنّه يطالب بحقّه في الحياة، بعد احتلال وطنه سنة 1948م؛ مجازرٌ بَشِعة غاب عنها الإعلام، صَنَعت نكبة فلسطين أيامها.

 في كثير من دول العالَم نَشِطت حركة مقاطعَة تمويل إسرائيل بسبب الإبادة وفَرْضِ واقعٍ غير مَقبول إنسانيًا في قطاع غزة، إذ رفضَ الاحتلال إدخال المياه والأدوية والمستلزَمات الطبية والغذائية إلى مخيمات اللجوء المستحدَثة، التي فرضَتها الحرب على السكان، الأمر الذي اعتبرَته منظمات دولية جريمةً تهدف إلى القتل الجَماعي.

 هذا واقعٌ رفضَه نشطاء حول العالَم فتحرّكوا -كلّ وفق طريقته وأسلوبه- ليعبّروا عن تأييدهم حلّ القضية الفلسطينية، ورفعَ الظلم عن شعبها. في لندن، بتاريخ 11/11/2023م، خرجَت مسيرة مليونية هي الأكبر في تاريخ بريطانيا المعاصر، تُطالب بوضع حدّ للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وفيها رُفع أطوَل علَم فلسطيني، بَعدها انتشر العلَم في جميع مدن المملكة حتى تغيّر الواقع السياسيّ الداعم لحكومة تل أبيب إلى رافضٍ تمامًا لاستخدام العنف المفرِط بحقّ سكان قطاع غزة، وإلى اليوم نَجد انتشار العلَم الفلسطيني بشكل ملحوظ وبأحجام مختلفة، ورافعوه ليسوا عربًا هذه المرّة بل بريطانيون، وعالميّون، وأمّا في إيرلندا فالتّأييد لفلسطين أسبقَ وأكثر انتشارًا، وفي باريس، ومدريد وبروكسل، وأوسلو، وكوبنهاغن، ووارسو وغيرها من دول أوروبية تحوّلت فيها المظاهرات المؤيّدة لفلسطين إلى برامج شبه مستمرّة.

في الدول الآسيوية مثل أندونيسيا وماليزيا والهند والصين وبنغلادش والباكستان، وفي روسيا وغيرها، خَرَج الناس إلى الشوارع تأييدًا لفلسطين ضدّ إسرائيل التي أسرفَت في سَفك الدماء، لنجِد الخروج نفسه في الجامعات الأمريكية، واعتصام الطلاب لأيّام، وتَعطيل الدّراسة ومواجهةَ رجال الأمن وهراوتهم والقرارات السياسية التعسفيّة بحقّهم، القرارات التي نَزَلت عليهم من "البيت الأبيض" مباشرة، في سابقة نادرة شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الدولة الداعمة لإسرائيل بكلّ قوة: سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا، وفي ولاياتها وَجَدنا العلَم الفلسطيني يرتفع رغم محاولات الجهات الأمنية إنزالَه، ومنها ( ERO) و (ICE) ومعهم (FBI)، لاحقت كلّ هذه الأجهزة رافعي العلَم الفلسطيني في زمن الإبادة.

في أفريقيا لم يكُن التّأييد للشعب الفلسطيني بسيطًا، بل انتشر بشكل كبير جدًا وتحوّل في مرحلة ما إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل في محكمة العدل الدولية (ICJ)، وتبنّت دولة جنوب أفريقيا رَفع قضية بتاريخ 20/12/2023م ضدّ إسرائيل لوقف التجويع والقتل في قطاع غزة، وإدانة الجيش الإسرائيلي بارتكاب إبادة جماعية بحقّ شعبٍ أعزل، وللمرّة الأولى في تاريخ المحكمة تتّحد 130 دولة وأكثر في قضية تُطالب إسرائيل بالكفّ عن القتل والتّجويع ومحاصرة أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة، وجاء تجريم إسرائيل بناء على وقائع وحشية ودموّية طالَت البشر، والحجر، وكلّ شيء حيّ. واعتمدت الدول الداعمة لفلسطين في المحكمة تُهمة ممارسة إسرائيل الأبرتهايد، وأمّا شعوب هذه الدول فلَم تسكُت، بل خَرَجت إلى الشوارع تدين إسرائيل وتتّهمها بارتكاب إبادة جَماعية، خرَج طلاب المدارس، كما شاركت النساء، والأحزاب، والمستقلون، وكبار السن، ليؤكدوا على رفضهم انتهاكَ حقوق الإنسان في فلسطين.

في أستراليا خرج آلاف المتظاهرين في سيدني وملبورن تعبيرًا عن رفضهم زيارةَ الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ البلادَ في شهر شباط/فبراير سنة 2026م، وخلال المظاهرة رُفع العلمَ الفلسطيني بكثرة، مما تطوّر إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة الأسترالية، أما في كانبرا فقد اعتصَم نشطاء أمام البرلمان الفيدرالي مطالبين بوضع حدّ للتواطؤ الأسترالي في الإبادة الجماعية التي يمارسها الجيش الإسرائيلي، وفي مدينة أديلاند خرج المئات إلى الشوارع لإحياء ذكرى النكبة، وكان العلَم الفلسطيني مرفوعًا، ومحمولاً، والحناجر تَهتف وتصرخ لوقف الإبادة.

وشَهِدت أنتاركتيكا في القارة القطبية الجنوبية الأكثر قسوة وتجمدًا على الكوكب وقفات تضامنيّة مع الشعب الفلسطيني وضد إسرائيل وجرائمها، ورُفع فيها العلَم الفلسطيني فوق الجليد. بهذا تكون الكرة الأرضيّة كلّها شهِدت مظاهرات ووقفات تضامنية مع قطاع غزة البالغ مساحته قبل احتلاله الجديد 365 كيلومترًا مربعًا؛ أي ما يعادل حيًا في مصر، أو إحدى الولايات الأمريكية، لكنّ هذا التّعاطف الكوني مع الفلسطينيين نابع من رفضِ الإنسانيين انتهاكَ حقوق الإنسان من أيّ جهة كانت، ومهما أدّعت السّمو، ويبقى على العالم الذي رفع علَم فلسطين، بوجدانه الإنساني على كامل خارطته، أن يتجاوَب مع نصرة الشعب الفلسطيني، ويضع حدًا للجرائم التي تُرتكب بحقّ الأجنة في بطون أمهاتها، والأطفال، والنساء، والمرضى، واغتيال المستقبَل، وأن يُعاد إعمار قطاع غزة وإنهاء الاحتلال في فلسطين، كلّ هذا من أجل أن يتَعافى الكون من تَعَب السكّين بيد القاتل، وأن تَبقى الدّماء في أَوردة الحياة.

ناصر عطاالله

شاعر وكاتب صحفي فلسطيني. عضو الأمانة العامة للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين.

رأيك يهمنا