فلسطين في وَعي "جيل زد".. تَحَوُّل الأدَوات وثَباتُ البوصَلة

تأسَّس وعي الأجيال العربية السّابقة بالقضية الفلسطينية على مسلّمات صلبة، رَعَتها معارك مشترَكة، وأَرشَفها أثير إذاعي وتلفزيوني كان يَنقل الحقائق دون أدوات تزييف معقَّدة، لكن اليوم، يجِد الجيل الجديد نفسه مستهدفًا في وعيِهِ القومي، لا سيما الشارع المصري، وسَط فضاء رقمي مُباح يعجّ بالّسموم المغلّفة بالعسل.

 لم يَعد الأمر مقتصرًا على روايات مشوَّهة، بل تعدّاه إلى حرب تزييف حقيقي؛ بدءًا من فبْركة الوثائق والخرائط الرقمية (كخريطة ديسمبر 2023 الرّامية لتهويد التاريخ)، مرورًا بأفلام تَسعى للتطبيع مع الصهيونية والتطبيع الثقافي، وصولًا إلى طروحات "الدين الإبراهيمي" والامتدادات السياسية لـ"صفقة القرن" التي حاولَت نزع شرعية المسجد الأقصى. تبدو الأجيال القديمة، أَمام هذا السيل التقني والسياسي الجارف، متوجّسة من اندثار القضية؛ فهل نجحت هذه الأدوات المستحدَثَة في صهر الوعي الجيلي ودمجِ فلسطين في الهامش، أَم أنّ لدى "جيل الشاشات" أدواته الخاصة للمقاومة الرقميّة وإعادة قراءة الصراع؟

كيف غيَّرت الخوارزميات والسرد البصري شكلَ التضامن؟

لم يقف جيل الشاشات مكتوف الأيدي أمام محاولات دثرِ القضية؛ بل خرج أكثر إيمانًا من أجيال سابقة، متسلحًا بزلزال السابع من أكتوبر 2023 الذي أعاد بعث القضية في النّفوس بعد عقود من الركود، وفي مواجهة ماكينات البروباجندا الصهيونية التي حاولت تصدير روايات مفبرَكة للغرب – مثل"قطع رؤوس الرضع في مستوطنات غزة" وغيرها من الروايات – تحوَّلت منصات الشباب إلى غرف تَفنيد رقمي، مستندة إلى مقاطع نشرت ووثقت الأعمال والانتهاكات ببث حي، وقادت فئة الشباب من كلّ الجنسيات هجومًا مضادًا عبرَ مقاطع الـ (Reels)، كاشفين تاريخ اغتصاب الأرض.

لم يَقتصر الأمر على الفضاء الافتراضي؛ بل امتدّت المظاهرات إلى الشوارع، وخصوصًا في مصر، حيث تعالَت صرخات الشباب مطالِبة بفتح معبر رفح لكسر الحصار والالتحام بالمعركة، وتزامَن ذلك مع حِراك ثقافي قادَه مؤثّرون وصنّاع محتوى لفتوا أنظار العالم، كحلقة "الدحيح"، بموازاة تضامنٍ لافت من نجوم عالميين مثل أنجلينا جولي، مارك رافلو، وإيما ستون، ووجوهٍ عربية بارزة كأحمد السعدني، ومحمد هنيدي، وهند صبري، وأصالة، وحتى المشهد الموسيقي أَعاد الشباب صياغته بأغانٍ اشتباكية؛ كأغنية "البطيخ" للمغني المصري محمد عطية، والمحاكاة الساخرة "دلوعة أمريكا" للرابر السوداني أمجد النور مع باسم يوسف، والعمل الملحمي "راجعين" الذي جمع 25 فنانًا عربيًا. مع هذا الزّخم غير المَسبوق، يبرز السؤال الجوهريّ؛ هل كانت تلك الانتفاضة مجرّد "تريند" موسمي رقمي يتغذّى على اللحظة، أَم أن القضية تأصّلت كركيزة هوية صلبَة في وجدان هذا الجيل؟

التّعتيم الرقمي ومخاطر السّطحية والتّزييف

لم يتوقّف وعي هذا الجيل عند حدود "التريند" العابر، بل تحوّلت فلسطين إلى مسلّمة متجذّرة في النفوس أفشلت محاولات الاحتلال تطويعَ طفرة الذكاء الاصطناعي لصالحه، فعلى الرغم من لجوء الآلة الصهيونية – بحسب أبحاث الأكاديمي الإسرائيلي "هليل كوهين" في 2020 – إلى زرعِ عشرات الحسابات الوهمية الناطقة بالعربية لبث الفتنة وشيطَنة المقاومة، وعلى الرغم من التوظيف الممنهج لظاهرة المتحدّثين الرسميين كـ "أفيخاي أدرعي" و"كابتن أيلا" واقتباساتهم المشوَّهة للآيات والأحاديث لادعاء المظلومية؛ فقد لفظ الشباب العربي هذا الخطاب المنمَّق وحوّله إلى مادة سخرية وساحة مقاومة إلكترونية حازمة. 

في ردّ هجومي بليغ، طوّع الشباب تقنيات الـ (AI) لإنتاج رسوم كرتونية تُحاكي أمريكا كالأم الحامية للابنة المدلَّلة "إسرائيل"، ووظفوا الوجوه والأصوات الافتراضية لصناع القرار لتفكيك مخطّطات التّهجير والتوسّع الجغرافي، مما نقل الرواية العربية للرأي العام العالَمي بكفاءة.

 تجلّت ذروة هذه المقاومة الرقميّة عند الاصطدام بمقصّ الرقابة وخوارزميات التعتيم؛ فلم يقف الشاب العربي عاجزًا، بل ابتكَر لغة مضادة، تارة عَبر خلط الأحرف العربية بالإنجليزية كـ (فلسtين)، وتارة بالتجريد من النقاط، وصولًا إلى العبقرية المصرية التي استدعت شفرة "السغة لمون" الشعبية القديمة[1] لتطويعها في فضاءات التواصل الاجتماعي. أثبت هذا الحصار اللغوي المضاد أن السّيادة الرقمية الموجَّهة عجزت عن تدجين عقول أجيال ترى في فلسطين قضيتها الوجودية الأولى.

لم تقف هذه المقاومة الجيلية عند حدود الفضاء الافتراضي، بل تُرجمت على الأرض عبر سلاح المقاطَعة الاقتصادية الشاملة للشركات والمنتَجات الداعمة للمحتل، وفيها كان الشارع المصري – بشبابه ونُخَبه – من أكثر دول العالم شراسة وجدية؛ حيث تحولت المقاطَعة من مجرّد موقف سياسي مؤقّت إلى ثقافة استهلاك يومية صلبة أعادت صياغة وعي السوق والإنتاج المحلي، ولا تزال موجودة حتى يومنا.

في النهاية، يمكننا القول إن العرب وفلسطين لا يزالون يدًا واحدة في السّراء والضّراء، وستظلّ فلسطين نابضة في وجدان الشعوب العربية، بمعزل عن الحسابات والمسارات الدبلوماسية التي تفرضها السياسة الدولية لضمان مصالح عابرة، فقد بدّدت الأيام مخاوفَ الأجيال القديمة، وتأكّد للقاصي والداني أن جيل الشباب الحالي لا يقل وعيًا ولا انتماءً عن سابقيه؛ إنما تبدّلت أدواته وتطوّرت لتواكب ثورة العصر التكنولوجية، ولقد نجحت حرب الإبادة في خلق مرآة كاشِفة للعالم، تعرّت فيها ازدواجية المعايير الدولية، وانكشف خلفها مستوى الزيف والبروباجندا المصنوعة لتزعزع مسلماتنا التاريخية.

وانقلب السّحر على السّاحر؛ فتحوّلت أدوات الحصار والرقابة والتزييف إلى أسلحة مقاوِمة، قادها الشباب بوعي بصريّ واقتصادي شرس – تجلّى في معارك المقاطَعة والتشفير اللغوي – لتنتقل شعلة التضامن إلى أحرار العالم أجمع.

 وبناءً على هذا الزخم الجيلي المتجدّد، فإن فلسطين اليوم لم تَعد مجرّد حدث عالق في التاريخ، بل هي الفكرة الإنسانية العابرة للحدود، والمرآة التي تكشف تحولات المنطقة، والبوصلة الأبدية التي تُعيد ضبطَ الوعي العربي كلّما حركته رياح التغيير، لتؤكد أن أوراق الطّلاق الرسمي لم ولن تُكتب، طالما أنّ خوارزميّات الشارع والوعي الرقميّ تهتف باسمها.


[1] - "لغة شوارع" مصرية قديمة استخدمها المصريون للتواصل بينهم حتى لا يفهم الغرباء كلامهم، حيث يتم استبدال أول حرف من الكلمة بحرف (السين)، ثم تُكتب كلمة أخرى تبدأ بالحرف الذي قمت بحذفه.

هايدي حمدي

صحافية استقصائية لأكثر من 10 سنوات في العديد من الصحف والمواقع الإخبارية المصرية والعربية.

رأيك يهمنا