فِلِسطين... مِرآةُ العَرَب الأَخيرَة

ماذا تَعني فلسطين للعرب اليوم؟! سؤالٌ يبدو كأنّه عن فلسطين، لكنّه في الحقيقة سُؤال عن العرب أنفسهم. فالقضية التي شكّلت، طِوال عُقود، أَحَد أَعمدة الوَعي السياسي العربي، وحرّكت الوعيَ بالأمن القومي العربي، لم تَعُد مجرّد ملفّ سياسي أو نزاع جغرافي، بل تحوّلت إلى مرآة تَعكس تحوّلات المنطقة وتناقضاتها وأَزَماتها العَميقة
لذلك فإن محاوَلَة فهْم مكانة فلسطين اليوم لا تَبدأ من القدس أو غزة أو الضفة الغربية فقط، بل من العواصم العربية التي تغيّرت أولويّاتها، وتغيّرت تَحالفاتها، ومن المجتمَعات التي أَعادَت تَعريف مَخاوفها وأحلامها، ومن إقليم يُعيدُ صياغَة نفسه على وقْع حروب وتَحالفات ومصالح جديدة، ومِن عقل جمعيّ عربي طَرَأت عليه تغيّرات وقَناعات جديدة، كوّنها له الإعلام العربي، الذي تغيّر في التّعاطي مع فلسطين واستسلَم للواقعيّة السياسية وكوّن قناعة أنّنا فَشِلنا بما سبَق، وأنّ إسرائيل قوّة مهيمنة في الشرق الأوسط!!
بدأَ التّعاطي من هذا المَنطق، على الرغم من أنه على امتداد القرن العشرين، كانت فلسطين أكثرَ من قضية وطنية لشعب يَسعى إلى التحرّر. لقد تحوّلت إلى فكرة مؤسّسة للوعي العربي الحديث. مِن خلالها جَرى تَعريف العدوّ والصديق، وصياغة الخِطابات القوميّة، وتبرير مشاريع سياسيّة كُبرى، وقياس صدقيّة الأَنظمة والنُخب. كانت فلسطين بمثابة القضيّة المركزية التي تَمنح المنطقة شُعورًا بوجود مصير مشترَك يتجاوَز حدود الدول التي رسَمَتها خرائط الاستعمار.
لكنّ الزمن لم يتوقّف عند تلك اللحظة، فالعالَم العربي الذي حَمَل فلسطين بوصفها عنوانًا لوحدته دَخل منذ عقود في مسارات مختلفة من الحروب الأهليّة، والانقسامات الطائفية، وصُعود الهويّات المحلية، والانهيارات الاقتصادية، وتراجُع المشاريع الأيديولوجية الكبرى، كلّها عوامل دَفَعت الدّول والمجتمَعات إلى إعادَة ترتيب أولويّاتها، لَم تَعُد فلسطين القضية الوحيدة التي تَشغَل المواطن العربي، ولا التّحدي الأكبر الذي يواجِه الأنظمة. ظَهَرت قضايا جديدة أكثر إلحاحًا: الأَمن، والاستقرار، والاقتصاد، والهجرة، والبقاء ذاته.
في هذا السّياق، تحدّث كثيرون عن تراجُع مكانة فلسطين في الوعي العربي. غير أنّ هذا التّشخيص يبدو متسرعًا نوعًا ما، فما تراجَعَ في الواقع ليس حضور فلسطين، بل شكلُ حضورها، لقد انتهى زمَن الإِجماع الخطابيّ الذي تصدّرته القضية، لكنّ ذلك لا يعني أنها فَقَدت قُدرتها على التّأثير. فكلّما اندلعت حرب أو تصاعدَت مواجَهة، عادَت فلسطين لتحتلّ مركز النقاش العام، وتكشف أنّ المسافة بين السياسة الرسمية والوجدان الشعبي لا تزال واسعة. حتى في كرة القدم، فلسطين حاضرة في وجدان اللاعبين العرب.
لقد أَثبَتت السنوات الأخيرة أنّ فلسطين لم تَعُد فقط قضيّة تَضامن، بل أصبَحَت أَداة قياس في الوعي السياسي والأخلاقي، فالمَواقف منها باتَت تكشف طبيعة الفاعلين أكثر ممّا تكشف طبيعة القضية نفسها، إنها تَختبر صدقيّة الخطابات المتعلّقة بحقوق الإنسان، وتَضع النظام الدولي أَمام تناقُضاته، وتُعيد مساءَلة القيم التي يدّعي الدفاع عنها، من هذه الزاوية، لم تَعُد فلسطين شأنًا فلسطينيًا خالصًا، بل تحوّلت إلى اختبار عالميّ لمعنى العدالة في عصر المَصالح، لذلك رأينا الكثير من أَحرار العالَم مِن الإسبان والغربيين واليابانيين ودول في أمريكا اللاتينية لديهم مواقف مُشرّفة من القضية الفلسطينية.
في المقابل، تَكشف فلسطين أيضًا أزمَة العالَم العربي نفسه، فحين نَنظر إلى القضية اليوم، لا نَرى فقط شعبًا تحت الاحتلال، بل نَرى إقليمًا عاجزًا عن إنتاج رؤية مشتَرَكة تجاه واحدة من أكثر قضاياه تاريخيةً وحساسيّة. لقد أصبح الانقسام العربي جزءًا من المشهد الفلسطيني، كما أَصبحت التّحالفات الإقليمية الجديدة عاملًا مؤثرًا في مستقبل القضية. لم تَعُد فلسطين تؤثّر في الإقليم كما كانت تَفعل سابقًا فحسب، بل أَصبح الإقليم يُعيد تشكيل فلسطين وِفق توازناته وصراعاته وحساباته الخاصة.
من المفارَقات اللافتة أنّ القضية استعادَت جزءًا من حَيَويّتها خارج الأطر التّقليدية، فالأجيال العربية الجديدة، التي لَم تَعِش مرحلة المدّ القوميّ ولَم تتشكّل سياسيًا على خطابات الصّراع الكلاسيكيّة، أَعادَت اكتشاف فلسطين من بوابة مختلفة. بالنسبة لكثير من الشباب، لم تَعُد القضية مرتبطَة بالشعارات الكبرى، بل بأسئِلة الحرية، والكرامة، والعدالة، والحقوق. لهذا السبب اكتسبت فلسطين حضورًا جديدًا في الفضاء الرقميّ العالمي، وأصبحت جزءًا من نقاشات تتجاوز حدود المنطقة حول الاستعمار والعنصرية والقانون الدولي.
غيرَ أنّ السّؤال الأَهم ربما لا يتعلّق بما تَعنيه فلسطين للعرب، بل بما تكشفه فلسطين عنهم، فهي تَكشِف حجم التحوّل الذي أصاب فكرة التّضامن العربي، وتَكشف حدود الدولة الوطنية حين تَنغلق على مصالحها الضيقة، كما تكشِف في الوقت نفسه استمرار وُجود ذاكرة جَماعية لم تَنجح كلّ التحوّلات في محوها، فالقضية التي فَقَدَت مركزيّتها السياسيّة في بعض العَواصم ما زالت تحتفظ بمركزّيتها الرمزية والأخلاقية لدى قِطاعات واسعة من المجتَمَعات.
لذلك فإنّ الحديث عن فلسطين اليوم هو حَديث عن المستقبَل بِقَدر ما هو حديث عن الماضي. إنّها ليست مجرّد بقايا قضيّة تاريخية تنتظر حلًا مؤجلًا، بل نافذة لفهم الاتجاه الذي تَسير إليه المنطقة، فإذا كانَت العُقود الماضية قد شَهِدت انتقال العرب من مرحلة الأحلام الكبرى إلى مرحَلة إِدارة الأَزمات، فإنّ فلسطين تظلّ السّؤال الذي يطارِد الجميع: هَل يُمكن بناء استقرار دائم مِن دون عدالة؟ وهل تَستطيع المَصالح وحدها أَن تحلّ محلّ الذاكرة والهوية والقِيَم؟
ربّما لَم تَعُد فلسطين اليوم "القضيّة المركزيّة" بالمَعنى الذي عَرَفَه القرن الماضي، لكنّها ما زالت القَضيّة الكاشفة. ومِن هُنا تَنبُع أهميّتها المتجدّدة. فهي لا تُخبرنا فَقَط بما يَحدث للفلسطينيين، بل بما يحدُث للعرب أنفسهم. وفي زَمَن تتغيّر فيه الخرائط السياسية بسرعة، قد تكون فلسطين آخرَ المرايا الكبرى التي يَستطيع العرَب أن يروا فيها صورَتَهم الحقيقيّة، بما فيها من انكسارات، وبما تَحمله أيضًا من إمكانات لم تُستنفَد.
أمّا بالنّسبة لسورية اليوم، أين هي من القضية الفلسطينية؟ فسورية ناضلَت من أجل فلسطين، وتعرّضت لاحتلال أراضيها ولا تزال إسرائيل تقضم منها، بعد أن استهدفت كلّ قدراتها العسكرية، مستغلّة التّوقيت خلال سُقوط الأسد وانتشار قُوى المعارَضة.
فلسطين هي خطّ الدفاع الأول عن سورية وتماسُكها ووحدَة أراضيها، وفيها يعيش 600 ألف فلسطيني سوري لهم حقّ العودة، يتطلّعون لاهتمام سوري بهم وبقضيّتهم.
جرى الكثير من خَلْط الأوراق في أَذهان السّوريين لتغييب القضية عن أولويّاتهم، لكنّها لا تزال أولويّة كثيرين من ذوي النّظرة الاستراتيجية، وكذلك في وجدان الشارع السوري هي ماثِلَة حيّة لا تموت، فهي مرآة لعذابات السوريين وتهجيرهم وما عانوه خلال أربعة عشر عامًا.
صار التّهديدُ اليوم أكبرَ بعد أن سيطرَت إسرائيل على المنطقة العازِلة، ومناطقَ بريفيّ دمشق والقنيطرة مساحتها 800كم مربع، علاوة على التّمركُز على قمّة حرمون بجبل الشيخ (على ارتفاع 2814 متراً).
يُضاف إلى التهديدات سعي إسرائيل لمنع خطّ التجارة الممتد من تركيا عبر سورية والأردن إلى الدمّام في المملكة العربية السعودية، بغرض تهميش سورية وحرمانها من فوائده، مقابل تعزيز الخطّ الهندي عبر الخليج إلى إسرائيل، وهذه مسألة إستراتيجية، في وقت تَسعى فيه السلطة السورية للانكفاء للداخل خشية تكرار الاعتداءات، مِثل ضرب مبنى الأركان على سبيل المثال، علمًا أن هذه التهديدات تتزامَن مع الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران الذي كان العربُ ودول الخليج أكبر المتضرّرين منه.
لهذا تحتاج سورية والدول العربية تضامنًا عربيًا جادًا لحفظ الأمن القومي العربي، وعدم الغفلَة عن فلسطين، فإسرائيل لم تغفَل عن أي دولة من دول المنطقة تحريضًا وتقسيمًا وتَحالفات، وآخرها الاعتراف بإقليم صومال لاند لترسيخ الانقسام، ففلسطين هي الخطّ الأول أمامَ العرب، ومرآة تماسكهم، والشاهد على دفاعهم على الأقل.




