المؤسسات النسائية في الداخل: حماية في ظلّ غياب الدولة

إلى أين تلجأ امرأة تتعرض للعنف داخل بيتها؟ ومن يقف إلى جانبها حين تُسلب حقوقها أو تُحرم من فرصتها في التعليم والعمل؟ أسئلة كهذه تكشف حجم الحاجة إلى جهات متخصصة تحتضن المرأة وتدافع عنها، وهنا يبرز دور المؤسسات النسائية التي أخذت على عاتقها مهمة الحماية والتمكين والتوعية، لتكون ملاذًا آمنًا وشريكًا فاعلًا في بناء مجتمع أكثر عدلًا وإنصافًا.
في الحقيقة، إنّ عمل الجمعيات النسوية والنسائية في الداخل، القائم على سواعد النساء، هو امتداد تاريخي لجذور العمل النسائي الفلسطيني التي تعود إلى ما قبل عام 1948، حيث كانت المرأة الفلسطينية كيانًا ثابتًا وصامدًا، وعاملًا نشطًا وفاعلًا في البيت والمجتمع. هذا الدور الذي حملته المرأة الفلسطينية على عاتقها على مرّ الزمان ما هو إلا إرث تاريخي يُعتزّ به؛ فعلى الرغم من كل التحديات الداخلية والخارجية، على المستوى العائلي والمؤسساتي، استمرت المرأة الفلسطينية في النضال في كل الميادين.
يُظهر واقع المجتمع الفلسطيني في الداخل ما بعد النكبة صورة مركّبة ومعقّدة، تتطلّب من النساء الصمود أمام واقع صعب مليء بالتحديات والعوائق. وقد أخذت المرأة دورها في العمل الجماهيري والمجتمعي من خلال مؤسسات المجتمع المدني والمبادرات الاجتماعية والتطوعية، لتصبح هذه الجمعيات عنوانًا لمكافحة العنف والإجرام تجاه النساء، ورفع الوعي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وسدّ الفجوات في الموارد البشرية والبرامج والميزانيات التي تخلّفها الحكومة الإسرائيلية بإهمالها قضايا المرأة عمومًا، والمرأة الفلسطينية خصوصًا، التي تواجه تمييزًا على أكثر من مستوى: فهي مستهدفة كونها امرأة، وعربية، وعاملة أو معطّلة عن العمل.
تقوم المؤسسات النسائية والنسوية بأدوار عديدة ومتنوعة، تتوزّع بين محور الحماية المباشرة ومحور التوعية والتمكين. ففي محور الحماية، توفّر هذه المؤسسات للنساء والفتيات والأطفال بيوتًا آمنة وملاجئ للنساء المعنَّفات، وخطوطًا ساخنة للطوارئ ولضحايا الاعتداءات الجنسية، كما هو الحال في جمعية "نساء ضد العنف" في الناصرة، وجمعية "السوار" في حيفا. إلى جانب ذلك، تقدّم دعمًا نفسيًا واجتماعيًا من خلال جلسات الإرشاد والعلاج النفسي ومجموعات الدعم للناجيات من العنف، ودعمًا قانونيًا يشمل الاستشارات المجانية ومرافقة النساء في المحاكم ومراكز الشرطة.
أما في محور التوعية والتمكين، فتنظّم هذه المؤسسات حملات وحلقات تثقيفية حول الحقوق القانونية، والعنف الأسري، والتحرش، والزواج المبكر، وتعمل جمعيات مثل "كيان – تنظيم نسوي" على تمكين النساء وتعزيز قيادتهن في مجتمعاتهن المحلية. هذا إلى جانب أدوار أخرى كثيرة من شأنها أن تُسهم في مساندة النساء وتعزيز مكانتهن.
هذه الجهود المبذولة جبّارة بلا شك، وذات أهمية عالية في خلق واقع أفضل للنساء. لكن إلى جانب هذه الأهمية، تواجه المؤسسات النسائية تحديات عديدة، أبرزها ضعف التمويل والاعتماد على المانحين والمتبرعين، وهو ما يحدّد في كثير من الأحيان كيف تُوزَّع الموارد، ومن يتلقّى الخدمات، وما إذا كانت شرائح معيّنة تُقصى بسبب شحّ الموارد والخدمات، أو بسبب صعوبة الوصول إلى النساء في مناطق جغرافية معيّنة. إضافة إلى ذلك، ما زالت المؤسسات النسائية تواجه حتى يومنا هذا نظرة مجتمعية سلبية تتّهمها بتفكيك الأسرة، وتقوية النساء وتحريضهن على الرجال، وتقويض السلطة الأبوية.
في عام 2025 وحده، قُتلت 23 امرأة عربية، بحسب معطيات مبادرات صندوق إبراهيم. وفي ظل الواقع الأمني، وانفلات العنف والجريمة، وانعدام الأمن الشخصي، والتقليص في ميزانيات المجتمع العربي، يبقى السؤال الأكبر برأيي ليس: ما دور المؤسسات النسائية والنسوية؟ بل: ما واجب الحكومة الغائبة عمدًا، التي تُلقي عبء مواجهة الأزمات على عاتق المجتمع المدني؟
فممّا لا شك فيه أن مؤسسات المجتمع المدني غير قادرة وحدها على سدّ احتياجات المجتمع العربي، لا سيما النساء، ومواجهة أزمات المجتمع وقضاياه، في ظل سياسات قامعة تُقصي المجتمع من الميزانيات والبرامج، وتمارس سياسات هدم البنى التحتية فيه، وتحارب المؤسسات النسوية السياسية وتمارس تجاهها سياسة كمّ الأفواه، وتضيّق على عملها.
إنّي أرى أن المؤسسات النسائية حلقة وصل بين المرأة المحتاجة إلى الحماية وبين المجتمع والدولة، وأن نجاحها مسؤولية مشتركة لا تقع على عاتقها وحدها. لكن واقع الحال يؤكد أننا أمام مؤسسات حكومية لا تُعنى بشؤون المجتمع العربي، بل تحاربه في الموارد والميزانيات، وتضرب شعور الناس بالأمل، وتفتّت النسيج المجتمعي؛ فكم بالحريّ شؤون النساء التي تُهمَّش وتُقصى من أجندات العمل الحكومي بشكل متعمّد.
تؤكد قراءة هذا الواقع أهمية التشبيك والعمل المشترك بين جميع المؤسسات التي تُعنى بالقضايا المجتمعية وشؤون المرأة، وتعزيز الحراكات الشعبية والنسائية في جميع الميادين، وتنظيم صفوف النساء والمجتمع. فعندما تتضافر الجهود، يصبح للتأثير قوة أكبر، وللصوت النسائي أثر وصدى. إضافة إلى ذلك، أرى أهمية وقيمة عالية جدًا لدور الجمعيات النسائية ومؤسسات المجتمع المدني في تطوير برامج تثقيف جندري تستهدف الشباب والشابات، وخصوصًا الذكور. فالظواهر المجتمعية التي نشهدها في السنوات الأخيرة، ومع دخول وسائل التواصل الاجتماعي إلى حياتنا، تؤكد ضرورة التثقيف الجندري والتعمّق في الهوية الإنسانية والذاتية لكلٍّ من الجنسين.
إنّ الجريمة والعنف، وقتل النساء، وانتشار الأسلحة، وتبنّي معايير الرجولة السامّة لدى الشباب، كلها تؤكد أهمية نشر الوعي والتثقيف التربوي والنفسي حول الجندر والهوية الشخصية لدى الذكور، ابتداءً من المرحلة الابتدائية؛ فنشر الوعي في الأجيال الصغيرة من شأنه أن يسهم في تغيير مسارات التفكير. ويشير الوضع الحالي إلى نقص وشحّ في البرامج التربوية التي تتناول موضوع الجندر، وإن وُجدت فقد تكون موجّهة غالبًا للفتيات، مما يزيد الفجوة والشرخ بين الجنسين. فواقعنا اليوم يُظهر بوضوح الفجوات الفكرية والممارسات الحياتية بين الذكور والإناث، مما يؤكد أن برامج التثقيف والتوعية للشباب والشابات، والتدعيم وتثقيف الأهل في مجالات الوالدية والحضور الواعي والتأمّلي مع الأبناء، من شأنها أن تسهم في الحدّ من الظواهر الاجتماعية المريرة التي يعيشها مجتمعنا اليوم.
تتجلّى الرجولة السامّة اليوم بأوضح صورها في التفاف شريحة من الشباب حول عالم الجريمة طمعًا في المال السريع والسهل. فحين تُختزل الرجولة في القوة والسيطرة وفرض الهيبة، ويُقاس نجاح الشاب بما يملكه من سيارة فارهة وسلاح ومال، يصبح الانضمام إلى عصابات الإجرام في نظر بعضهم طريقًا مختصرًا لإثبات الذات، بدل طريق التعليم والعمل الطويل والشاق. تغذّي وسائل التواصل الاجتماعي هذه الصورة، إذ تُمجّد مقاطعُ استعراض السلاح والبذخ نموذجَ "الزعيم" الذي لا يُردّ له طلب، فيما تدفع البطالة والفقر وانسداد الأفق وغياب الأطر الشبابية مزيدًا من الشباب نحو هذا الطريق. والنساء هنّ من يدفعن الثمن مضاعفًا: أمهات يفقدن أبناءهن، وزوجات وأخوات يعشن في الخوف، ونساء يُقتلن في دوامة العنف ذاتها. لذلك فإن مواجهة الجريمة لا تكتمل بالمعالجة الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى عمل تربوي عميق يُعيد تعريف الرجولة على أساس المسؤولية والاحترام، لا على أساس العنف والسيطرة.
لا يقتصر التثقيف الجندري على الذكور وحدهم؛ فالفتيات أيضًا يتشرّبن منذ الصغر صورًا نمطية عن ذواتهن. فـ"حياة الأميرات" التي تتبنّاها كثير من الفتيات والنساء، بدءًا من التنشئة في البيت، مرورًا بأفلام الرسوم المتحركة والألعاب، ووصولًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثّراتها، تُعيد إنتاج صورة المرأة الجميلة الهشّة التي تنتظر من يُنقذها، وتُعلي قيمة المظهر والاستهلاك على حساب الاستقلالية والطموح والمعرفة. هذا النموذج، المستورد في جزء كبير منه من الثقافة الغربية الاستهلاكية، وإن بدا بريئًا، فإنه يلتقي مع الفكر الذكوري التقليدي في نقطة جوهرية: تسليع المرأة واختزالها في جسدها ومظهرها ودورها في إرضاء الآخرين. هكذا تجد المرأة نفسها محاصرة بين قيود ذكورية محلية وأخرى تأتيها مغلّفة بالحرية والحداثة، فتتبنّى أحيانًا بنفسها الأفكار التي تُقيّدها. من هنا تبرز أهمية دور المؤسسات النسائية في تطوير برامج تربوية نقدية، تُمكّن الفتيات من قراءة الرسائل المجتمعية بوعي، وبناء صورة ذاتية تقوم على القدرة والكرامة لا على الشكل والاستهلاك.
لا يمكن الحديث عن حماية النساء وتمكينهن بمعزل عن السياسة وصنع القرار. فبعد انتخابات الكنيست 2026، يتكرّر المشهد ذاته: تمثيل نسائي هزيل في القوائم العربية، في المقاعد الأخيرة غير المضمونة أحياناً. تُدفع النساء إلى هوامش القوائم أو إلى أماكن رمزية، رغم أن الأحزاب نفسها ترفع شعارات المساواة. والمفارقة أن هذا الإقصاء يأتي في وقت يتعرّض فيه التمثيل العربي برمّته للاستهداف العنصري، فكيف نطالب بالمساواة أمام الدولة ونحن لا نطبّقها داخل بيتنا السياسي؟
إنّ ضعف تمثيل النساء ليس صدفة، بل نتاج بنية حزبية تقودها نخب ذكورية، وثقافة مجتمعية ما زالت ترى في السياسة ميدانًا للرجال. هنا يتأكّد دور المجتمع المدني والمؤسسات النسوية، لا في التثقيف ورفع الوعي فحسب، بل في الضغط على الأحزاب لانتزاع حق النساء في مشاركة متساوية، عبر المطالبة بنظام التناوب بين الرجال والنساء في القوائم، أو تخصيص أماكن مضمونة للنساء في المواقع المتقدمة، إلى جانب إعداد قيادات نسائية شابة ومرافقتها ودعمها. فالنساء لا يحتجن إلى من يتحدث باسمهن، بل إلى مكان على الطاولة التي تُتّخذ عليها القرارات المتعلقة بحياتهن.

دعاء ذياب أبو الهيجاء
ناشطة نسوية وتربوية. مستشارة ومرشدة تربوية ووالدية؛ حاصلة على اللقب الأول في التربية والدراسات النسوية، واللقب الثاني في الدراسات النسوية والجندرية ولقب ثانٍ آخر في الاستشارة وإرشاد الأهل.



