الإقصاء قمّة العنف: حين يُفرَض المصير على النساء الفلسطينيات وتُصادَر مشاعرهنّ

تحضر النساء الفلسطينيات في نشرات الأخبار وتقارير المنظّمات الدولية من بابٍ واحد تقريبًا: الجسد المُصاب. شهيداتٌ بالآلاف. حواملُ بلا رعاية. والداتٌ في الخيام تحت القصف، بلا ماءٍ ولا تخدير ولا يدٍ تمسك أيديهنّ. مرضعاتٌ لم يجدن لأطفالهنّ غير ماء الأرز. وأسيراتٌ أنجبن وأيديهنّ مكبّلة، فاستقبلن مواليدهنّ بطعم القهر والإذلال بدل فرحة الأمومة. أمّا طاولات القرار، فيغبن عنها من كلّ الأبواب.
هذا الحضور حقيقيّ وموجِع، ولا يجوز التهوين منه. لكنّ اجتماع الحضور والغياب معًا ليس صدفة، بل تعبير عن منطق واحد: المنظومة السياسية ترى النساء حين يُكسَرن، وتُشيح عنهنّ حين يُقرِّرن. الدمُ دليلٌ مقبول، أمّا الإقصاء فلا يُراق له دم.
ليس كلّ عنفٍ مرئيًا. بعضه لا يقع على الجسد، بل على النفس، وعلى المكان الذي كان ينبغي أن يكون فيه الجسد. وهذا العنف تحديدًا هو الأكثر استعصاءً على المساءلة، لأنّ دليله الوحيد غياب. الكاميرا توثّق ما حدث، لا ما مُنع من الحدوث. تلتقط الجرح، ولا تلتقط القرار الذي اتُّخذ في غيابكِ، ولا الكلمة التي لم يُسمح لكِ بقولها.
القانون الدولي لا يجهل هذا تمامًا. فإعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة (1993) لا يحصر العنف في الأذى الجسدي، بل يمدّه إلى الأذى النفسي والحرمان التعسّفي من الحرية، في الحياة العامة والخاصة على السواء.[1] وفي عام 2018 أصدرت المقرّرة الأممية الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة تقريرًا عن العنف الذي يستهدف النساء في الحياة السياسية.[2] غير أنّ هذه الأدوات تبحث عادةً عن الحدث، وما أريد تسميته هنا ليس حدثًا، بل بنية: عنفٌ يعمل بالحذف لا بالضرب.
الإقصاء إذن ليس هامش العنف، بل قمّته. أن يقرّر الآخرون مصيركِ دون الرجوع إليكِ، وأن تُرغَمي على الرضوخ للواقع وتداعياته، حتى يصير فرحكِ وحزنكِ مفروضَين عليكِ من خارجكِ. ولهذا العنف، في رأيي، وجوهٌ عديدة، أتوقّف هنا عند بعضها.
يبدأ هذا العنف من القرار الذي يُتّخذ عن النساء لا معهنّ. كتبتُ على هذه المنصّة قبل عام أنّه لم تكن على طاولة قمّة شرم الشيخ، التي عُقدت في تشرين الأول 2025 لتثبيت وقف إطلاق النار في غزة، امرأةٌ فلسطينية واحدة.[3] منذ ذلك الحين توالت خطط "اليوم التالي" وإعادة الإعمار والحوكمة، وبقي السؤال معلّقًا: مَن صاغها؟ والنتيجة ليست رمزية. خطّة إعمارٍ تُصاغ دون نساء هي خطّةٌ صاغها نصف المجتمع عن المجتمع كلّه: في الأمن والحكم والاقتصاد، كما في تفاصيل الحياة اليومية التي تحملها النساء أوّلًا كالمسافة إلى الماء، وخصوصية المأوى. والنتيجة ضررٌ ملموس، لكنّه ضررٌ لن يُسجَّل عنفًا، بل "ثغرة تقنية" أو "تحدّيًا في التنفيذ". هكذا يتحوّل الإقصاء من فعلٍ إلى خلل، ومن خللٍ إلى قَدَر.
وأقصى أشكال هذا القرار أن يبلغ داخل الجسد نفسه. منذ الأسابيع الأولى للحرب، لجأت نساءٌ في غزة إلى حبوبٍ تؤخّر الدورة الشهرية، لا لضرورةٍ طبية، بل لأنّ الحصار حرمهنّ من الفوط الصحية والماء والخصوصية في ملاجئ مكتظّة، رغم ما تحمله هذه الحبوب من آثار جانبية.[4] حتى إيقاع الجسد صار يُقرَّر من خارجه. في آذار 2025 خلصت لجنة التحقيق الأممية إلى أنّ التدمير الممنهج لمرافق الصحة الجنسية والإنجابية في غزة يرقى إلى فئتين من أفعال الإبادة الجماعية.[5]
ومن الإقصاء ما لا يحتاج أن يقع أصلًا. في الداخل الفلسطيني، منذ تشرين الأول 2023، صار منشورٌ واحد كفيلًا بجرّ صاحبته إلى تحقيق أو فصلٍ من العمل أو اعتقال. وللثمن هنا وجهٌ جندريّ مضاعف، فالمرأة لا تُعاقَب وحدها. يُستدعى معها بيتها وسمعتها، وعائلتها التي ستنصحها بالصمت خوفًا عليها.
أنجح أشكال العنف السياسي هو ذاك الذي لا يحتاج إلى تنفيذ. يكفي أن يكون الثمن معروفًا حتى تُمحى المنشورات قبل كتابتها، وتُلغى الوقفات قبل الدعوة إليها، وتنسحب الناشطات من العمل العام قبل أن يُطلب منهنّ ذلك. لن يرصد أيّ إحصاءٍ النساء اللواتي انسحبن بصمت، ولا الأصوات التي خفتت قبل أن تُسمَع. هذا الغياب لا يظهر في أيّ جدول، ولهذا تحديدًا علينا أن نسمّيه.
وثمّة عنفٌ أكثر خفاءً، هو عنف التصنيف. منذ بداية الحرب جمعتُ أكثر من ألفي شهادة لنساء فلسطينيات. ما استوقفني فيها ليس حجم الألم فحسب، بل عمق التحليل السياسي: نساءٌ يُشرّحن الحصار، ويقرأن موازين القوّة، ويقترحن بدائل للأمن والحكم. مع ذلك، حين تُنقل هذه الشهادات إلى العالم، تُصنَّف غالبًا "قصصًا إنسانية" لا "مواقف سياسية". حين تتكلّم المرأة عن حياتها تُسمّى شاهدة، وحين يتكلّم الرجل عن الحياة نفسها يُسمّى محلّلًا. وبحسب المشروع العالمي لرصد الإعلام لعام 2025، لا تتجاوز النساء في الشرق الأوسط 19% ممّن يُرَون أو يُسمَعون أو يُكتَب عنهم في الأخبار، ولا يزال الاعتراف بهنّ خبيراتٍ دون الربع عالميًا، بعد ثلاثة عقود من الرصد.[6] ليس هذا التصنيف تفصيلًا لغويًا، بل آليّة تُبقي النساء في خانة الحماية وتُخرجهنّ من خانة القرار.
أمّا أكثر وجوهه حميميّة، وربما أشدّها قسوة، فهو مصادرة الفرح والحزن معًا. في القدس والضفة، وحتى في الداخل الفلسطيني، تكرّرت مشاهد جنودٍ وأفراد شرطة يقتحمون أعراسًا، فيُطفئون الموسيقى ويُفرّقون المدعوّين ويعتقلون من يشاؤون. والرسالة إلى الفلسطينيين واضحة: حتى الفرح ليس ملككم، بل إذنٌ مشروطٌ ومؤقّت، يُمنح ويُسحب. وحين يتحرّر أسيرٌ أو أسيرة بعد سنوات، تُمنع العائلة من الاحتفال ويُحدَّد عدد المستقبِلين، في إنكارٍ صريح لحقّهم في أبسط المشاعر الإنسانية.
في العيسوية، صيف 2019، أيقظت أمٌّ طفلها محمد ربيع عليان، الذي لم يتجاوز الرابعة، باكرًا، وألبسته ثيابه، ثم ودّعته ذاهبًا مع والده إلى مركز الشرطة الإسرائيلية، وفي يديه الصغيرتين كيسٌ من الحلوى ولعبة، للتحقيق معه بتهمة رشق مركبةٍ بالحجارة أثناء اقتحام البلدة.[7] اضطُرّت الأمّ إلى تحويل زوّادة الروضة من لفتة حنانٍ ورعاية إلى زادٍ يرافق صغيرها إلى مركز الشرطة، علّه يخفّف عنه شيئًا من قسوته ووطأة الصدمة. لم يُترك لها حتى خيار الرفض. وبدل أن تقاوم فكرة التحقيق مع طفلٍ في الرابعة، كان عليها أن ترضخ للّامعقول، وأن تُعِدّه له. حتى الأمومة أُرغمت على أن تتّسع للقهر.
على الطرف الآخر من الحياة، انتظرت فاطمة أبو خماش في دير البلح، صيف 2026، تسعة أيّام عند حافّة "الخطّ الأصفر"، تنظر من بعيد إلى المكان الذي استُشهد فيه ابنها محمد، ولا يُسمح لأحدٍ بالوصول إليه. طرقت أبواب الصليب الأحمر والمنظّمات الدولية، فكان الجواب واحدًا: الجيش لا يسمح. وحين ضاق بها الانتظار، رفعت رايةً بيضاء ومشت نحو الخطّ، والمسيّرة فوق رأسها تأمرها بالعودة. لم تعد بابنها، بل بكيسٍ أسود فيه ما تبقّى منه.[8]
وحتى حين تُسلَّم الجثامين، تُفرض شروطٌ على عدد المشيّعين وموعد الدفن، بل على شكل الحزن نفسه. في أيار 2022، بعد يومين من استشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة برصاص الجيش الإسرائيلي في جنين، وهي ترتدي خوذةً وسترةً كُتب عليها "صحافة"،[9] طالبت السلطات الإسرائيلية عائلتها بألّا يُرفع علم ولا يُردَّد هتاف، وبأن يُنقل الجثمان بسيارة لا على الأكتاف. وحين رفض المشيّعون، انهالت الشرطة بالهراوات على حاملي النعش عند خروجه من المستشفى الفرنسي في القدس حتى كاد يسقط أرضًا، ومُنع شقيقها من مرافقتها، ونُزع العلم عن تابوتها.[10] الصوت الذي حمل حكايات الفلسطينيين إلى العالم ربع قرن، لم يُسمح له حتى بجنازةٍ تشبهه.
تعترف إسرائيل نفسها باحتجاز نحو 1700 جثمان في الثلاجات و"مقابر الأرقام"، لا تُعرف هويات قرابة نصفها، فضلًا عن آلافٍ ما زالوا عالقين تحت الركام.[11] وخلف كلّ واحدٍ منها أمّهاتٌ وآباء، أخواتٌ وإخوة، ينتظرون قبرًا يزورونه.
لا يُسمح لك أن تعبّر عن مشاعرك، لا حيًّا ولا ميتًا. والطقوس، من الزغرودة إلى بيت العزاء، هي المساحة التي أدارتها النساء طويلًا وحفظن فيها الذاكرة الجماعية. ومن يملك الإذن بالفرح والحداد، يملك الزمن نفسه.
لا أدعو إلى التوقّف عن توثيق الضحايا، فالتوثيق شكلٌ من أشكال المقاومة. أدعو إلى توسيع ما نَعُدّه دليلًا، بحيث ترصد مؤسّساتنا النسوية الغياب كما ترصد الإصابة: مَن غابت عن طاولة القرار؟ مَن انسحبت تحت الضغط؟ مَن تكلّمت فصُنِّف كلامها "قصّة"؟ ومَن حُرمت من زفّةٍ أو وداع؟
أدعو إلى أن نطرح على كلّ خطّة، وكلّ هيئة، وكلّ اتفاق، قبل مناقشة مضمونه، سؤالًا بسيطًا: مَن كتبه، ومَن كان يجب أن يكون في الغرفة؟ وأن يكون الجواب شرطًا للشرعية، لا ملاحظةً في الهامش. ورؤية النساء لا تعني إقصاء الرجال من الحكاية، فالإقصاء لا يُعالَج بإقصاءٍ مضادّ.
والسؤال لكلّ من يملك القرار: هل ستواصلون رؤية النساء الفلسطينيات فقط حين ينزفن؟
إن لم يكن للإقصاء دمٌ يُراق، فعلينا أن نتعلّم رؤيته من دونه. فالسياسة التي لا ترى النساء إلّا مكسورات، هي ذاتها التي تكسرهنّ.
المراجع:
[1] الجمعية العامة للأمم المتحدة، إعلان بشأن القضاء على العنف ضد المرأة، القرار 48/104، 20 كانون الأول/ ديسمبر 1993.
[2] المقرّرة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة وأسبابه وعواقبه، تقرير حول العنف ضد النساء في السياسة، A/73/301، 2018.
[3] د. نداء شغري، «الإِبادَة لها وَجه نِسائي: نِساء غَزّة جَديرات بِقِيادَة التّحَرُّر»، سين48، 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.
https://scene48.org/articles/belkhat-alareed/alabad-lha-ogh-nsayy-nsaaa-ghz-gdyrat-bkyad-althrr
[4] «No privacy, no water: Gaza women use period-delaying pills amid Israel war»، الجزيرة الإنجليزية، 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
https://www.aljazeera.com/news/2023/10/31/no-privacy-no-water-gaza-women-use-period-delaying-pills-amid-war
[5] لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل، More than a human can bear: Israel’s systematic use of sexual, reproductive and other forms of gender-based violence since 7 October 2023، A/HRC/58/CRP.6، آذار/ مارس 2025.
[6] «Women remain barely visible in news media»، Arab News، 2025 (عن نتائج المشروع العالمي لرصد الإعلام GMMP 2025).
https://www.arabnews.com/node/2617015/amp
[7] «ربيع الفلسطيني.. براءة انتزعتها إسرائيل من مراتع الصبا لمخافر الاحتلال»، العين الإخبارية، تموز/ يوليو 2019.
https://al-ain.com/article/israel-children-jerusalem
وانظر أيضًا: «القدس في أسبوع: اعتقال أطفال عمر 4 سنين لأوّل مرّة في العيسوية»، التلفزيون الأردني، 5 آب/ أغسطس 2019 (فيديو).
https://www.youtube.com/watch?v=W-r_tRNEbH4
[8] Tareq S. Hajjaj, «She walked toward Israeli gunfire to bring her son’s body home. Her story is one of thousands»، Mondoweiss، 16 تموز/ يوليو 2026.
https://mondoweiss.net/2026/07/she-walked-toward-israeli-gunfire-to-bring-her-sons-body-home-her-story-is-one-of-thousands/
[9] مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR)، «Abu Akleh shooting: fatal shot came from Israeli forces, says OHCHR»، أخبار الأمم المتحدة – جنيف، 24 حزيران/ يونيو 2022.
https://www.ungeneva.org/ar/news-media/news/2022/06/abu-akleh-shooting-fatal-shot-came-israeli-forces-says-ohchr
[10] «Shireen Abu Akleh laid to rest in Jerusalem after brutal Israel police attack on Palestinian mourners»، The New Arab، 13 أيار/ مايو 2022.
https://english.alaraby.co.uk/news/shireen-abu-akleh-laid-rest-amid-brutal-israeli-attack
[11] «بلغت 1700.. لماذا تحتجز إسرائيل جثامين الشهداء؟»، الجزيرة نت، 27 آب/ أغسطس 2026.
https://www.aljazeera.net/politics/2026/8/27/جثامين-الشهداء-إسرائيل-احتجاز-فلسطين

د. نداء شغري
محلّلة سياسيّة وباحثة أكاديمية في السياسَة الدوليّة، باحثة-ناشطة متعدّدة اللغات متخصصة في المقاربات النسويّة للسلام والنزاع والتعبئة السياسيّة. تحمل درجة الدكتوراه في السياسة الدولية وماجستير في الصحافة والإعلام.



