فقرُ الأسياد: الثروات التي يبدّدها المتسلّطون دون أن يبصروها

تحمل البيوت العتيقة في المدن المحاصَرة صمتًا كثيفًا يشبه الطبقات الجيولوجية؛ يتراكم فوق الجدران حتى يتكلس في هيئة قانون غير مكتوب، تختلط فيه رعشة الخوف بالمحبة، وتَستعير السيطرة قناع الحماية. في الخليل، حيث تتحسس المدينة طريقها إلى الحياة بين الحواجز، كانت الرطوبة تزحف على جدران مشغل عائلي قديم، فتبوح بالإنهاك أكثر مما تتحدث عن الحرفة. وتكدست الأحذية الجلدية المصنوعة يدويًا كالمخطوطات المنسيّة، تنتظر معجزة تنقذها. وعلى بعد خطوات، عاش الأب أسير أسوار موروثة؛ يرى في المنع حصنًا، وفي الصمت مودة، وفي التحفظ رجولة. غارقًا في عزلته الباردة، غاب عن بصيرته أن المعجزة التي ينتظرها مَشْغَلُه المتداعي تجلس قبالته: ابنة متوهجة الذكاء، تعود بشهادات التفوق إلى بيت يتساءل بجدية موجعة عما إذا كانت سنتان جامعيتان تكفيان لتعليم ابنته.
كان يظن أنه يحرس مستقبلها من عواصف العالم، بينما كانت سلطته تُضيّق الأفق أمامهما معًا. ففي مفاوضاته اليومية مع الخوف، فَقَدَ أثمن ما تمنحه الأبوة من نشوة وجودية: بهجة اكتشاف عالم يتفتح أمام الأبناء، وامتياز مشاهدة ابنته تتجاوز الآفاق التي بلغها هو؛ وتلك كانت البداية الخفيّة لفقره. في تلك المسافة المعتمة بين المشغل الرطب وغرفة المعيشة، يتجلى العنف الرمزي في أشد صوره مراوغة؛ إذ يرتدي نبرة الحنان ليقنع المرأة بأن سقف أحلامها قد بني منخفضًا. غير أن ميرا الزعتري تشبثت ببوابة الجامعة كمن يتمسّك بفسحة ضوء توشك أن تنطفئ، وخاضت مفاوضات مضنية لإقناع والدها بأن المعرفة تمنح الحياة اتساعًا، وأن مستقبل الفتاة يستحق أن يُنحت وفق طموحاتها، بدلًا من اختزاله في مشروع مؤقت ينتهي ببيت الزوجية.
![]() |
|---|
ذلك الضغط غير المرئي، الذي تغيب آثاره عن السجلات وتبقى ندوبه غائرة في الوعي، دفعها نحو زواج غابت عنه رغبة القلب. وحين انتهت العلاقة، أحاطتها الهمسات مطالبةً إياها بخفض صوتها حفاظًا على السمعة، وكأن كرامة المرأة تختزل في تجرع الهزيمة بصمت؛ إذ تتحول الطاعة إلى فضيلة، ثم تطالب المرأة وحدها بتحمل نتائج امتثالها. عبرت ميرا تلك البرية الشاقة بين الانكسار الذي أريد لها والحرية التي راحت تنحتها حجرًا بعد حجر. وهربًا من نظرات الشفقة، اقتحمت النقيض التام لما يعده المجتمع ملائمًا للنساء: مصنعًا لتصدير الحجر في قطاع ذكوري خشن. تعلمت من الصفر تسعير الحجر والاعتمادات المصرفية والشحن البحري، وأصرت وسط التعقيدات السياسية على وسم كل شحنة بعبارة "صنع في فلسطين" بدلًا من "صنع في إسرائيل".
غير أن نجاحها في فتح الأسواق وتحقيق الأرباح صاحبه اختناق متزايد؛ إذ كانت تشيد مجدًا لمؤسسة تتردد في الاعتراف بها شريكة متكافئة، وتحيطها بالارتياب لأنها مطلّقة، كثيرة السفر، وتتحدث لغة مهنية جسورة لم يألفها المحيطون بها. كانت كفاءتها موضع استثمار، واستقلالها موضع شك؛ فالنظام الأبوي قد يسمح للمرأة بإنتاج الثروة، لكنه يحتكر حق تحديد مكانتها وحدود حريتها. وتجد هذه التجربة إضاءتها الفلسفية في مقاربة القدرات لدى أمارتيا سن ومارثا نوسباوم، حيث ترتبط العدالة والتنمية بتوسيع الإمكانيات الفعلية للإنسان ليختار الحياة التي تليق به؛ فالمسألة تتجاوز امتلاك المهارة الاقتصادية إلى امتلاك الحرية التي تحول القدرة الكامنة إلى وجود مستقل، بدلًا من بقاء المرأة محاصرة داخل علاقات تنكر استقلالها الإنساني.
عند ذلك المنعطف، عادت ميرا إلى مشغل العائلة المتداعي لتخوض قفزتها الأهم، ويتحوّل تحررها الفردي إلى رافعة لبقاء جماعي. خلال خمس سنوات، رفعت صادرات المشغل من الصفر إلى 70% من الإنتاج، وفتحت أسواقًا في أكثر من عشرين دولة، فمضت الصناديق الخشبية التي تحمل اسم فلسطين إلى نيويورك وسيول وكرواتيا، وصولًا إلى أصقاع غرينلاند، عبر منصة إلكترونية امتدت صادراتها إلى أكثر من عشر دول. ولم تكتف بتحويل الحذاء الجلدي إلى حكاية وطنية تستلهم ألوانها من حجارة الخليل العتيقة، بل أعادت صياغة التعامل المالي باعتماد دفع 50% عند تأكيد الطلبية و50% عند الشحن؛ مما حرر العائلة من سطوة الوسطاء، وأتاح استيراد المواد الخام مباشرة، وأسهم في الحفاظ على مصنعها وسط إغلاقات الجائحة والحرب، في ظروف لم تصمد فيها سوى نسبة تقل عن 10% من المنشآت.
![]() |
|---|
غير أن الثروة الأعمق التي عادت إلى ذلك البيت تجسدت في علاقة جديدة بين أب وابنته، حل فيها الاعتراف محل الارتياب، والدهشة محل الخوف، والفخر النبيل محل السيطرة. جاءت الذروة الإنسانية حين أبصرت ميرا قلب أبيها المنكسر خلف متاريس الخوف القديم؛ ذلك الرجل الذي ظن أن إحكام القبضة ذروة الأبوة، أدرك أخيرًا فداحة خسارته بعدما أمضى سنوات محجوبًا عن نور ابنته. ومع استعادتها حريتها، تصدعت جدران عزلته، فأصبح أول من يحدث الزوار بفخر عن ابنته، ثم يهمس لها بعد كل زيارة، ودمعة خفية تترقرق في عينيه: "لقد حققت ما عجزنا حتى عن تخيله، والله لقد رفعت رأسي عاليًا". فالابنة التي حاول حصر مستقبلها داخل حدود خوفه أنقذت إرث العائلة، وحين تحررت من سلطته، حررته هو أيضًا من تصور موروث حبسه داخله.
هكذا يتكشّف مفهوم "فقر الأسياد": فقر روحي يتولد من وفرة السلطة، وينمو كلما ضاقت قدرة الإنسان على رؤية الآخرين خارج حدود امتثالهم لرغباته؛ يملك حق المنع فيحرم نفسه ثمار الإمكانات التي يجهضها، وينتزع الطاعة فيفقد متعة العلاقة الحرة.
تضيء جدلية السيد والعبد لدى هيغل هذا التناقض بعمق؛ فالسيد الذي ينتزع الطاعة بالإخضاع يحتاج إلى اعتراف الآخر به، لكن الاعتراف المنتزع من إرادة مقهورة يظل منقوصًا أجوف، لأن قيمته الإنسانية تتأسس على وجود ذات حرة. وبذلك تنقلب السيادة المطلقة إلى علاقة اعتماد خفية، يغدو فيها السيد أسيرًا لمن توهم إخضاعه، محرومًا من المحبة والثقة والاعتراف المتبادل، وقد استبدل بها امتثالًا باردًا يخفي الخوف أو تجنب العقاب.
هنا يتشكل فقر الأسياد بوصفه خسارة في صميم الوجود الإنساني. ومع بقاء الضرر الواقع على الخاضعين للسيطرة أساس المساءلة الأخلاقية، تكشف خسارة المتسلط كيف تمتد سموم الهيمنة إلى كل من يعيش داخل بنيتها. يعيش الأب المتسلط غريبًا في بيته، بعدما علّم أبناءه أن النجاح أكثر أمانًا بعيدًا عن عينيه. ويحكم الزوج المحتكر للقرار على نفسه بوحدة موحشة داخل قلعته، حارمًا روحه من شريكة تثري حياته بمعرفتها واستقلالها. وتخسر الأم التي تقابل أسئلة ابنتها بالسخرية، وخياراتها بالاستخفاف، وأخطاءها بالإذلال، فرصة أن تغدو شريكة في عالمها حين تنضج. بل تنقلب السيطرة باسم الحماية إلى معول يهدم الأمان؛ فالأب الذي يفتش هاتف ابنته غاضبًا، والأم التي تعاقبها على الاختلاف، يحطمان جسر الثقة، فتدفن الابنة تجارب الاستغلال في صدرها وتواجه المخاطر وحدها، ليطمئن الوالدان إلى صمت صنعته سلطتهما، قبل أن يكتشفا، عند انكشاف المأساة، أنهما آخر من علم، وأول من احترق بنار الخسارة.
يتحول هذا العمى أسريًا ومجتمعيًا إلى استنزاف للموارد؛ فحرمان الزوجة من التعليم باسم الاستقرار يجرد البيت من خبرة تساعد على مواجهة تحديات الحياة، كحماية الأطفال في عالم رقمي معقد. وتكتشف السلطة في خريف العمر أنها أضعفت بيديها العلاقات التي تمنحها الرعاية القائمة على المحبة. ويتفاقم هذا الإفقار في فلسطين، حيث تستنزف القدرات البشرية تحت وطأة الاحتلال والحصار وتآكل الموارد، فيغدو تعطيل إمكانيات النساء خسارة مضاعفة لمجتمع يحتاج إلى كامل طاقاته الخلاقة ليحافظ على جذوة الحياة. يمتد السؤال إلى علاقات النساء ببعضهن؛ فحين تعيد امرأة إنتاج الوصاية أو الإقصاء بحقّ أخرى، فإنها تضعف التضامن القادر على تحرير الجميع، مما يجعل فهم "فقر الأسياد" زاوية كاشفة لما يخسره المجتمع حين يصبح التحكم بالآخرين أعلى قيمة من تمكينهم.
إن من يمنع الآخرين من النمو يجفف ينابيع المعرفة والخيال، ويخسر المستقبل نفسه. فكم مشغلًا رطبًا ظل ينتظر عبثًا من ينقذه؟ وكم صندوقًا خشبيًا حرم من رحلته عبر البحار إلى غرينلاند؟ وكم امرأة انقضت سنواتها الغضة وهي تفاوض الحراس على حقها في المحاولة، لأن أحدهم اعتقد أن القفل أكثر ضمانًا من المفتاح؟
ذلك هو فقر الأسياد في جوهره العاري: أن تمتلك سلطة إغلاق الأبواب، وتفقد القدرة على تخيل العوالم الفسيحة التي كانت ستنفتح خلفها؛ أن تحرس حدودك الموروثة حتى تغدو سجنك، وتحصي كل مساء ما تملك، بينما تهدر كل يوم ما كان يمكن أن تكونه مع الآخرين.
![]() |
|---|
لقد أدرك والد ميرا بعد سنوات طوال أن الأبوة تبلغ نضجها حين تحتفي بما يتجاوزها، وأن الثقة تمنح ثراء تعجز كل سلطات الأرض عن صناعته؛ فأشد أنواع الفقر قسوة أن يرحل الإنسان عن هذا العالم محاطًا بإمكانات الحياة المتفجرة دون أن يبصرها، لأنه أمضى عمره يتعلم كيف يملك الآخرين، بدلًا من أن يتعلم كيف يراهم.

فداء البرغوثي
مستشارة وباحثة في سياسات النوع الاجتماعي والتنمية. تحمل درجة الماجستير في النوع الاجتماعي والقانون والتنمية من جامعة بيرزيت.






