ما تقوله واقِعة "قَمْعَة الجَدايِل" عن واقع الأسيرات الفلسطينيات

قَمْعَة الجَدايل
كيف يمكن أن تشكّل تسريحة شعر (تجديلة) سببًا لقمعة كبيرة، بل لعدة قمعات في يوم واحد. هذا ما حدث يوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2026 كما سأفصّل لاحقًا.
قمع الروح والجسد
يشكل السجن واحدًا من أقسى أدوات القمع والسيطرة الاحتلالية التي يُمارس المحتل داخلها ومن خلالها هيمنته، ويعكس علاقات القوة بينه وبين الواقعين تحت احتلاله، ويواصل في عتمته محاولاته قمع جسد الأسير وروحه والتنكيل به وكسر معنوياته بوصفه فردًا وجزءًا من مجموعة قومية. على الرغم من أن المواثيق الدولية وقوانين حقوق الإنسان تؤكد أن السجن يسلب الإنسان حريته المؤقتة وحقّه في التنقل والحركة، لكنه لا يسلب منه كرامته وإنسانيته، فإن السجون في الحالة الإسرائيلية لم تعكس يومًا هذا المبدأ، ولم تعمل على تطبيقه مع الأسرى الفلسطينيين، بل هدفت دومًا إلى السيطرة عليهم والتنكيل بهم.
من أصعب أشكال التنكيل النفسي والعاطفي منع لقاء الأسير بعائلته إلا من خلف زجاج، ومنع الأسرى من احتضان زوارهم من العائلة. ويحدَّد الزوار فقط من الدرجة الأولى، ولا يسمح للأسير بالخروج للعمل أو لعطل أو لمناسبات فيقضي مدة الحكم كلها داخل السجن. لكن حتى هذا الحدّ الأدنى انحدر في السجون الإسرائيلية منذ السابع من تشرين الأول 2023 إلى ما هو دونه بكثير، إذ تنتهك كرامة الأسرى وتتعرض صحتهم وحياتهم للخطر. صارت السياسات العقابية الانتقامية الممنهجة هي القاعدة، وصار العنف مرئيًا ومباشرًا وأكثر حدة وقسوة. يأتي استبدال مصلحة السجون لمصطلح "سجان" بمصطلح "محارب اعتقال (לוחם כליאה)" ليعكس رؤية المؤسسة للأسيرات -كما الأسرى- على أنهن "العدو"، وأجسادهن هي أداة من أدوات المعركة. الجسد الفلسطيني ككل هو جسد عدو ويتم التعامل معه كذلك. فلا تراعى حرمة النساء ولا خصوصيتهن.
لم تسلم الأسيرات ،وضمنهن الحوامل والطفلات، من سياسات التضييق والتنكيل، وصارت القاعدة في تعامل مصلحة السجون معهن هي التنكيل المستمر، والتعامل القاسي اللا إنساني المهين والعنيف الذي يصل حدّ التعذيب، خاصة أنه صار الحالة اليومية التي يعشنها، إذ لا تعرف الأسيرة متى ولماذا وكيف ستكون القمعة القادمة.
منذ السابع من أكتوبر 2026 ارتفع عدد الأسيرات بشكل ملحوظ، وهو يتراوح بشكل دائم بين 80-95 أسيرة، يتحرر بعضهن وتعتقل كثيرات. وفق تقرير دوري لمصلحة السجون المنشور في تموز وصل عددهن إلى 95 بينهن طفلتان، و25 معتقلة إدارية، 12 محكومة، والباقي لم يصدر حكم بعد بحقّهن. ووفق معطيات نادي الأسير الفلسطيني في أيلول كان عدد الأسيرات الكلي 88 أسيرة ومعتقلة.
تعيش المعتقلات والأسيرات في ظروف لا إنسانية مهينة؛ زنازين مكتظة عدد الأسرة فيها غير كاف؛ على سبيل المثال 3 أسرة في زنزانة تضم 12 أسيرة، لا تهوية، ونسبة رطوبة عالية، زنازين لا تدخلها أشعة الشمس نهائيًا. غالبية الأسيرات معتقلات على خلفية منشورات في مواقع التواصل الاجتماعي صنفتها أجهزة الأمن والرقابة على أنها ذات مضمون تحريضي.
تتنوع أشكال التنكيل، وتشمل العنف الجسدي المباشر والضرب والجرّ والإلقاء على الأرض ورش الغاز وتعريض الحياة للخطر. فالقمعات- اقتحام الزنازين تحدث في كل ساعات اليوم والليل وهن نيام أيضًا، تنفذها وحدات خاصة رجالية وفيها نساء. وتتسم السجانات بكونهن قامعات ومسيئات ليس أقل من الرجال كما تفيد الأسيرات.
العنف والقمع الفكري الاجتماعي النفسي
سُلبت من الأسيرات، كما الأسرى، كل شروط الحياة ومقوماتها، فالغرف فارغة تمامًا. الكتب والأوراق والأقلام غير مسموحة، ولا صور أفراد العائلة، ولا زيارات الأهل. تقضي الأسيرات قرابة 23 ساعة في الزنزانة ليخرجن إلى الساحة نصف ساعة أو أقل، ويتم إخراج نزيلات كل زنزانتين معًا لمنع التقاء الأسيرات كافة. تشمل "الفورة"-أي وقت الخروج للساحة- وقتَ الاستحمام أيضًا، إذ تعطى لهن إمكانية الاستحمام لو رغبن. وحين يُعاقبن كجزء من منظومة العقاب غير المتوقعة وغير المنتظمة يشمل ذلك منع الاستحمام. قد تمر ثلاثة أيام أو أكثر دون استحمام. حتى في أيام الصيف والحر الشديد. يتم فرض السيطرة على الأسيرات أيضًا في الفورة وداخل الزنازين، فلو ارتفع الصوت مثلًا في نقاش بين اثنتين، أو صفقت إحداهن أو ضحكت بصوتٍ عالٍ، تأتي القمعة والعقاب، ولا يكون فرديًا بل جماعيًا.
القمع الفكري
ينعكس في منع الكتب أو أي وسيلة للمعرفة وتقضية الوقت، وحتى الأوراق والأقلام ممنوعة، الأمر الذي يفضي إلى خمول العقل وقضاء الوقت بلا أي عمل. يضاف إلى ذلك الانقطاع الكامل عن الأخبار خارج السجن وما يحدث على مستوى محلي وعالمي. فحتى في فترة الحرب لم يبلّغن باندلاعها، بل مُنعن من الخروج للساحة في غالبية الأيام دون أي تفسير.
العنف المرئي البصري
يشكل واحدًا من أنواع العنف والقهر المعنوي النفسي ضد الأسرى، فمثلًا تتوسط الساحة -كما تفيد الأسيرات- أعلام الدولة، وقد عُلقت لوحتان كبيرتان بحجم مترين مربّعين لغزة المدمرة كتب عليها: غزة الجديدة. إضافة لذلك تُلتقط الصور للأسيرات مع خلفية علم إسرائيل، إذ تصلني الملفات الطبية لهن، حين أطلبها، تحمل صورة شخصية مع خلفية العلم.
الاستهتار بالجسد وقمعه والتحكم فيه- أشكال القمع كثيرة، فإضافة للعنف الجسدي هناك التحكم في جسد الأسيرات، مثل مدة الاستحمام ووتيرتها، والتحكم في ما يلبسن، وطبعًا قطع الثياب غير كافية نهائيًا، والتحكم في عدد المرات الممكن أن تغسل فيها الأسيرة ثيابها وتجففها، فيحدث أن تمتنع الأسيرة عن غسل ثيابها لعدم وجود غيار للتبديل، أو عدم تشغيل ماكينة التجفيف، فتضطر إما ألّا تغسل ثيابها وبالتالي تلبسها متسخة، أو تغسلها وتلبسها رطبة، وفي ذلك أيضًا ما يجعلها عرضة لأمراض جلدية وبرودة، وغيرها. ويتم التحكم في كمية غسيل الثياب والشامبو وحتى الفوط الصحية لا تتوفر بالكمية اللازمة.
في القسم كله هناك مشطا شعر فقط لكافة الأسيرات يعطيان إياهنّ وقت الاستحمام فقط.
سياسة العقاب بالعزل
تُعزل الأسيرات ويعاقبن بهذه الوسيلة الصعبة لأتفه الأسباب، وغالبًا بدون أسباب. وبينما تؤكد الاتفاقيات الدولية التي تعنى بشؤون الأسرى وعلى رأسها "قواعد نيلسون مانديلا" أن العزل أكثر من 14 يومًا يعتبر تعذيبًا، نجد الأسيرات يرسلن للعزل في الظروف المذكورة أعلاه لزنازين فارغة من كل شيء، لأكثر من 14 يومًا. في هذه الأيام تقبع الصحافية بشرى الطويل في العزل منذ قرابة 50 يومًا وهي معتقلة إداريًا وجدد اعتقالها للمرة الثالثة. يشار إلى أن العزل يأتي في زنزانة فارغة تمامًا، مما يزيد من صعوبته.
الرقابة بالكاميرات
هناك كاميرات بجانب بعض الغرف/ الزنازين تراقب حركة الأسيرات ومن بينهن القاصرات. وعلى الرغم من أن القانون يحصر الرقابة بالكاميرات في حالات وجود خطر أذى جسدي كمحاولة الانتحار وبموافقة مختص نفسي، فإن الكاميرات تم تشغيلها لأسباب أخرى، مثلًا بذريعة مراقبة طعام الأسيرات اللاتي انخفضت أوزانهن. على الرغم من أن انخفاض الوزن يميّز جميع من سمعنا شهاداتهن جراء سياسة التجويع- وهي شكل إضافي من أشكال التعذيب والقمع. يضاف لذلك سياسة الإهمال الطبي- وعدم تزويد الأسيرات بالطعام الكافي والملائم أو العلاج الصحيح والمتابعة حتى للحوامل.
تجويع الحوامل
عانت الأسيرات الحوامل الثلاث من نقص الوزن بدل زيادته، وقُدّمت لهن وجبات طعام غير صحية بل ومقززة في الكثير من الأحيان، حيث امتنعن عن الأكل بسبب وضعية الطعام. لم يحميهن كونهن حوامل من هذه السياسة إلا بعد التدخل والتوجه للمحكمة وتزويدها بتقرير أخصائية تغذية وطبيبة نسائية إذ تم تحسين القائمة بعض الشيء. الإجراء الوحيد الذي استُثنين منه هو "القمعات"، إذ يتم نقلهن أثناءها للعيادة كي لا يتعرضن للغاز. لكنهن في المقابل لم يحظين بعناية خاصة حين تعرضن كغيرهن من الأسيرات لمرض جلدي يعتقدن، وكما دلت فحوصات عدد من الأسيرات المحررات، أنه "سكابياس"، بينما يُظهر الملف الطبي وما سُجل فيه أنه مجرد "حكة"، "طفح جلدي"، ويطلب منهن الحفاظ على نظافتهن، إذ تتجاهل طبيبة السجن أن الأمر منوط بإدارة السجن نفسه التي تتحكم بالثياب والغسيل والحمام.
الطفلات معزولات عن كل شيء
نظرًا إلى أن القانون الإسرائيلي يمنع سجن قاصرين مع بالغين لـ "حمايتهم"، إلا في حالات خاصة وبموافقة قاض، نتج وضع وجدت فيه كلا الطفلتين القاصرتين في سجن الدامون نفسيهما معزولتين عن باقي الأسيرات في زنزانة مدة 23 ساعة، وحين تخرجان للفورة تخرجان لساحة داخلية ولا تلتقيان بالبالغات. تحول هذا الأمر في المحصلة إلى عقاب لهن خاصة أن الزنزانة فارغة من كل شيء. ومن أصعب ما قلنه لوصف وضعهن: "ما عاد عنّا شو نحكي وحدة للتانية، حكينا كل الحكي، خلص الحكي، فش ايش نعمل"، يفسر هذا الأمر صعوبة وضعهن وأثره النفسي والاجتماعي والعاطفي والعقلي، إذ لا محفزات فكرية- لا كتب ولا ورقة ولا قلم، ولا لقاء مع الأسيرات البالغات. الأمر الذي قد يكون له أثر سلبي يتمثل بعدم تحفيزهن على القيام بأي فعالية أو نشاط، وبالتالي الدخول في حالة خمول وإحباط وحزن. يخدم هذا الأمر سياسات الاحتلال في السيطرة ليس فقط على الجسد المعتقل، بل محاولة السيطرة على فكره وروحه.
قمعة الجدايل
كيف يمكن أن تشكّل تسريحة شعر- تجديلة سببًا لقمعة كبيرة، بل لعدة قمعات في يوم واحد؟ هذا ما حدث في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الحالي (2026) حين تنبه مسؤولو السجن إلى قيام عدد من الأسيرات بتجديل شعرهن، فطالبوهن بفك الجدايل فورًا، وتم قمعهن برش الغاز وعزل عدد منهن وشدّ شعور أخريات.
يثار هنا السؤال: ما المستفز في الأمر؟ كيف يمكن أن تكون الجديلة سببًا للقمع؟ هل لأن المعتقلات أظهرن نوعًا من الاهتمام بمظهرهن وهو الأمر الذي من الممكن أن يعكس كونهن "فرحات" نوعًا ما، أو أن "شكلهن وشعرهن يهمهن رغم كونهن مسجونات"؟ وإن كان كذلك فما المستفز في الأمر؟ هل يناقض هذا سياسات القمع الممنهج ويقول لممثل المؤسسة -في هذه الحالة المدير والسجانين- بأن هؤلاء النساء رغم قمعهن المستمر، ورغم كونهن في السجن، إلا أن أرواحهن ما زالت حرة؟ هل هذا هو الأمر! احتمال كبير أن تكون الإجابة نعم، إذ تعمل المنظومة على أن تتحكم بعقول وأجساد المعتقلات، بفرحهن وحزنهن، وتريد لهن أن يشعرن بالقلق والخوف الدائم وألا يفرحن، وإن حدث ذلك فيعاقبن.
يبدو أن مظاهر فرح الأسيرات واهتمامهن بأنفسهن شكّلت علامة على فشل المنظومة في التحكم الكامل فيهن على الرغم من المحاولات والرقابة الدائمة، وعلامة على أن المنظومة فشلت رغم كل جبروتها وقوتها. ورغم الظلم والقهر والتنكيل والتعذيب، تبقى أرواح الأسيرات تطمح للحرية وتصبو إليها.




