الميلانخوليا وفنتازيا الانتخابات

الميلانخوليا وفنتازيا الانتخابات

يشير مصطلح "الميلانخوليا" إلى الحزن الممنوع، والانسحاب من الحزن تحت تأثير سلطة Power سياسية أو اجتماعية، لذا فالميلانخوليا اكتئاب اجتماعي، تُنتجه الحالة السياسية. لكن ماذا تريد السلطة السياسية من تشكيل سياسات تسبب الميلانخوليا بين الأفراد؟

إن طرح جوديث بتلر حول الميلانخوليا خاص بسياق القوى الاجتماعية التي تُهندس الميول الجندرية، التي تؤثر فيما بعد على الهويات الاجتماعية الناتجة عن سياسات الإخضاع، المتشكلة في التاريخ داخل النسق الثقافي.

هنا نستعير مصطلح الميلانخوليا لتعميمه على واقع الركود السياسي في الحالة الفلسطينية، في ظل الحرمان من الحقّ في الانتخاب، بل وتغييب الفكرة وتأجيل حالة حقوقية تحلّ الكثير من الأزمات التي تتفاقم بفعل غياب مجلس تشريعي.

على إثر صدور قرار الرئيس محمود عباس بتحديد 28/11/2026 موعدًا لإجراء انتخابات المجلس التشريعي، تجلّى انفصال فكرة الانتخابات الفنتازي عن الواقع؛ فقد عاشت الأطر السياسية حالة من الشدّ والجذب الذي أعتبره نوعًا ما إيجابيًا حتى لو غَلَبَ الحوار الوطني على رغبة الشارع الفلسطيني، أما وجهة الحوار فلم تكن باتجاه داخلي نحو الشعب، إنما نحو الخارج، بفعل تدخّل الأجندات الخارجية في بعض برامج الفصائل الفلسطينية، فاتّضح لنا في أكثر من محطة من محطات الحوار، أن الشارع الفلسطيني هو مجرد متفرج غير مشارك، فقط عليه أن يكون جاهزًا ومشاركًا في يوم التصويت.

هناك اصطلاح فلسفي طرحه الفيلسوف الفرنسي إدغار موران وهو “Indoctrination”؛ أي الأدلجة، وتعني تحول النظرية إلى عقيدة مطلقة غير قابلة للنقد والتفكيك، كما أنها غير قابلة للتحليل سوى من وجهة نظر واحدة، ودائمًا ما تكون الجهة صاحبة وجهة النظر هي "ذاتٌ" بطابعٍ سياسي أو اجتماعي.

تستطيع الأدلجة أن تفعّل أدواتها وتبثها في الوعي الجمعي من خلال:

  1. الاختزال والبتر: يتمثل ذلك أحيانًا في تسخيف فكرة عميقة ومتعددة الأبعاد وتسطيحها وتحويلها إلى فكرة أحادية بسيطة، وقد يشمل اختزال المعنى أو الحقيقة.

  2. العمى المنطقي والإقصاء: فالأدلجة ترى العالم من منظور إقصائي وأعمى، وتعتبر كل ما يخالف منطقها خطأ مطلقًا، كما أنها تعمل على تضليل رؤية الحقائق التي لا تناقضها.

  3. نزع الإرادة: هنا يكمن دور الأدلجة في نزع إرادة الإنسان، والسيطرة عليه وإخضاعه في عملية "التقديس المزيف" للأفكار التي تخدم القوة الأيديولوجية.

إذا ما حاولنا تشخيص الواقع السياسي الفلسطيني، فهو يعاني من معضلة الأدلجة، فليست مشكلة تأجيل الانتخابات والخلافات الفصائلية في مسألة الانتخابات هي المعضلة، إنما تأتي هذه الإشكاليات كأعراض لها، وهي أعراض تُكتشف في اختبار الانتخابات.

أشير لمصطلح اختبار الانتخابات، لأن ما حدث من إقرار لتحديد موعد الانتخابات، وما تبعه من شدّ وجذب فصائلي، في ظل تعقيدات الحياة التي يعيشها الشعب في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، والتناقض بين الرغبة والقوة، هذا كله يعكس الفجوة التي اتسعت عبر زمن من الانفصال بين العمل الفصائلي والشارع.

من دون أيّ شك، تعاني منظمة التحرير من محاولات تهدف لإفراغها من محتواها الوطني، وإضعاف دورها السياسي، وبتر العلاقة بينها وبين الشعب في الداخل والشتات، عدا عن فرض أجندات خارجية تهيمن على القرار الفصائلي، وتحول دون توافقها في قرار موحّد على اعتبار أن مصلحة الشعب ومصيره هو جوهر أيديولوجية كلّ منها وإن اختلفت في البرامج السياسية.

الأدلجة والميلانخوليا

إن استخدام أدوات الأدلجة كواحدة من سياسات الإخضاع النفسي، والاستلاب الاقتصادي، يخلق حالة من الانفصال بين الحقيقة والأيديولوجيا، لأن كل ما يدور في فلك السياسة هو ما يخدم مصالح الاحتلال الإسرائيلي، فاستخدام الأدلجة كوسيلة إخضاع، يلعب بدوره في تشكّل الميلانخوليا، والعيش على نحو اكتئابي في الحياة اليومية، بل وصل ذلك إلى "فردنة" القضايا الاجتماعية، لكي يشعر الفرد بالعزلة عن محيطه، والعمل على استلاب كل مقدراته التي تعينه على العيش بشكل طبيعي، وهو ما يخلّ بالشعور بالأمان النفسي والاجتماعي والاقتصادي، والشكّ في أيّ تغيير حتى لو كان مستحقًا، مثل الاستحقاق الانتخابي، الذي كان من المفترض أن يجري بشكل دوري مهما كانت الظروف السياسية. لكن الميلانخوليا هنا تقوم بدورها في تسييد الإحباط والشك في الحقيقة، والتخطيط للحياة على أسس مجهولة، والخوف من التخطيط أحيانًا، فيصبح الإذعان والخضوع فعلًا تلقائيًا ومتداولًا، ويستسهل الأفراد تبنيه بدلًا من محاولة تغيير الواقع، أو محاولة كشف الحقيقة، فتنقطع الشهية نحو الحقيقة، وتحلّ الأدلجة محلها بعد أن عملت بكل جهدها على اغتيالها، وإخفاء جثمانها، كي ينسى الأفراد أن هنالك حقيقة قد تكون مَدعاة لتحررهم من الأدلجة.

الأدلجة والحل

لا بدّ من التفكير في الأدلجة كظاهرة اضطرابية، يمكن التعافي منها ولو جزئيًا، ذلك بخلق مساحات جديدة ورؤيا جديدة، فبحسب إدغار موران، يأتي الحوار بين النقائض كأهم خطوة يمكن أن تأخذنا إلى مساحات الإدراك والتأمل، الذي قد يؤدي بالتناقضات لأن تعترف بعضها ببعض، ففي اللحظة التي يحصل فيها هذا الاعتراف، تظهر الحقيقة من خلق شقّ خفي تختبئ خلفه، وقد تجد التناقضات أن لديها ثغرات مشتركة، وحاجات مشتركة، وبهذا الأسلوب يتحقق ما نسميه "استعادة الحقيقة".

من جهة أخرى، يجب مقاومة السير الأحادي الاتجاه للأدلجة، من خلال تبني التناغم المتبادل في حقيقة أن المجتمع هو امتداد للفرد، وأن الفرد امتداد للمجتمع، وهو ما يعبّر عن ظاهرة الإنتاج المتبادل بينهما، فكل منهما ينتج الآخر.

أما من خلال التربية وإنتاج المعرفة، فيطرح موران حلولًا مهمة للخلاص من الأدلجة، من خلال تصحيح الأفكار المغلوطة، إذ يجب كشف الخديعة الكبرى التي تتغذى عليها الأدلجة، ألا وهي أنها تقدم نفسها على أنها الحقيقة المطلقة، وما دونها وهْم، فالمعرفة التي تقدمها الأدلجة مبنية على الأوهام وليس الحقائق.

ولأن الأدلجة تعمل على فصل المعارف عن بعضها، كي تحافظ على سيادتها، وكي لا تدعم المعارف بعضها بعضًا، يكون الدمج بين المعارف المختلفة الخطة الذكية لتلافي هذا الفصل، وهو ما ينعكس على السياقات المختلفة التي انفصلت، فتصبح السياقات بنيوية في إعادة تشكّلها.

تانيا كرجة

تانيا كرجة

باحثة وصحافية فلسطينية، تميل للفلسفة والنقد الماركسي الجَدَلي، وتؤمن بأن الخلاص لا يأتي بالفكر النقدي فقط، بل بممارسته حتى يتحقق التحرّر.

رأيك يهمنا