حين تصبح الجريمة خبرًا يوميًا من يرى النساء؟

بحكم عملي الصحافي في متابعة قضايا الجريمة والعنف في المجتمع الفلسطيني في الداخل، أجد نفسي أمام مفارقة تتكرّر مع كل خبر جديد: ما يُنشر في دقائق قد يستمر أثره سنوات، وما يبدو حدثًا منفصلًا في نشرة الأخبار قد يكون جزءًا من واقع يومي يُعيد تشكيل حياة أشخاص لم تظهر أسماؤهم في الخبر، ولم تُلتقط لهم صورة في مكان الجريمة.
في التغطية الصحافية، ثمة ما يفرض نفسه بسرعة؛ إطلاق نار، قتيل أو مصاب، موقع الحادثة، هوية الضحية، وبيان الشرطة، هذه التفاصيل ضرورية لتوثيق ما حدث، لكنها لا تكفي لفهم ما يفعله العنف في المجتمع، ولا سيما بين النساء اللواتي يعشن في ظلّه، فالجريمة لا تنتهي بالضرورة عند وصول الشرطة أو نقل المصاب إلى المستشفى، كما أن أثرها لا يقتصر على الشخص الذي استُهدف مباشرة.
ثمة حياة كاملة تتأثر خارج إطار الخبر؛ أُم تخشى على أبنائها، وابنة تقلق على والدها أو شقيقها، وزوجة تعيش مع الخوف من ألا يعود شريكها إلى البيت، ونساء يضطررن إلى التفكير في تفاصيل يومية باتت مرتبطة باحتمالات الخطر، لا يعني ذلك أن كل امرأة في مجتمع تنتشر فيه الجريمة تعيش التجربة ذاتها، لكن ما يحدث يطرح سؤالًا يستحق أن يكون حاضرًا في التغطية: ماذا يحدث لحياة النساء حين يصبح العنف احتمالًا دائمًا، لا حادثة استثنائية أو فردية؟
حين يصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية
تكمن إحدى أخطر نتائج انتشار الجريمة المنظمة والسلاح في أنها لا تكتفي بإيقاع الضحايا، بل توسع دائرة الخوف إلى ما وراءهم، فيتغير معنى الخروج من المنزل، وتتبدل حسابات الأهل بشأن تنقل أبنائهم، وتصبح بعض الأماكن والأوقات مصدر قلق، وقد تجد النساء أنفسهن أمام مسؤولية إضافية تتمثل في محاولة حماية أفراد الأسرة والتخفيف من مخاوفهم، في وقت لا يملكن فيه بالضرورة وسائل فعلية لتوفير الأمان.
هنا يظهر شكل من أشكال العنف لا يسهل توثيقه بالصورة أو الرقم، فلا تترك حالة الخوف كدمة مرئية، ولا تُسجل آثارها دائمًا في محاضر الشرطة، لكنها قد تحد من حرية الحركة، وتستنزف الشعور بالاستقرار، وتؤثر في قدرة المرأة على ممارسة حياتها بصورة طبيعية، وحين يصبح تجنب الخطر شرطًا لتنظيم الحياة اليومية، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بحادثة واحدة، بل بالمساحة المتاحة للنساء كي يعشن بحرية وأمان.
مع ذلك، من المهم ألا نخلط بين أثر العنف المسلح على النساء والعنف القائم على النوع الاجتماعي في جميع أشكاله، فالعنف الأسري والجنسي والاقتصادي، مثلًا، له سياقاته وآلياته الخاصة، وقد يتقاطع مع الخوف المجتمعي أو يتفاقم في ظروف انعدام الأمان، لكنه لا يُختزل في الجريمة المنظمة.
إن فهم هذه الفروق ضروري حتى لا يصبح مفهوم العنف واسعًا إلى درجة يفقد معها القدرة على تفسير ما تتعرض له النساء، أو تحديد المسؤوليات وسبل الحماية.
ما الذي لا يظهر في الخبر؟
تدفعني متابعة أخبار الجريمة إلى التفكير في حدود الرواية الصحافية نفسها، فالخبر العاجل يحتاج إلى السرعة والدقة، لكن تكرار الصيغة ذاتها في تغطية الحوادث قد يجعل القارئ يتعامل مع الجريمة بوصفها واقعة أخرى في سلسلة طويلة، فيما تتحول أسماء الضحايا وأعدادهم إلى مؤشرات على حجم الظاهرة، من دون أن نقترب بالقدر الكافي من آثارها الاجتماعية والإنسانية.
ليس المطلوب أن تتخلى الصحافة عن الخبر العاجل، أو أن تستبدل الوقائع بلغة عاطفية، بل أن توسع زاوية النظر، كأن تُركز التغطية أيضًا على: ماذا تعني هذه الجريمة للنساء في محيطها؟ كيف تتأثر حياة العائلة بعد الحادثة؟ ما الذي تكشفه عن شعور الناس بالأمان، وعن إمكان الوصول إلى الحماية؟ وأين أصوات النساء في الرواية، لا بوصفهن قريبات للضحية فحسب، بل أشخاصًا لهن تجاربُ ومخاوف وحقوق تستحق أن تُسمع؟
تقتضي هذه الأسئلة أيضًا الحذر من انتهاك خصوصية النساء أو تحويل معاناتهن إلى مادة تستدرج التعاطف، فليس من الضروري أن نكشف تفاصيلهن الشخصية كي نثبت أثر العنف، وليس من الأخلاقي أن نحمل امرأة مسؤولية ما حدث لها، أو أن نربط سلامتها بقدرتها على تجنب الخطر وحدها.
الأمان ليس مسؤولية النساء وحدهن
لا يمكن فهم انتشار الجريمة في المجتمع الفلسطيني في الداخل بمعزل عن مسؤولية الدولة ومؤسساتها، وعن أسئلة إنفاذ القانون ومكافحة الجريمة المنظمة وتوفير الحماية الفعلية للسكان، فعندما يستمر العنف، لا يكفي أن يُطلب من الأفراد توخي الحذر، أو أن تُترك العائلات لمواجهة الخوف بإمكاناتها المحدودة.
فالحماية ليست نصيحة تُقدم للنساء، بل مسؤولية عامة تستلزم مواجهة الجريمة ومحاسبة مرتكبيها، وضمان قدرة الناس على العيش بأمان.
في الوقت نفسه، لا ينبغي أن يؤدي التركيز على مسؤولية الدولة إلى تجاهل أشكال العنف داخل المجتمع، أو إلى التعامل معها باعتبارها نتيجة حتمية لظروفه السياسية والاجتماعية، إنما المطلوب هو فهم العلاقة بين هذه المستويات من دون تبرير العنف أو نقل المسؤولية من مرتكبيه إلى ضحاياه.
ربما لا تستطيع التغطية الصحافية وحدها تغيير هذا الواقع، لكنها تستطيع أن تقرر ما الذي تراه وما الذي تتركه خارج الصورة، وبالنسبة إلي، فإن متابعة أخبار الجريمة تطرح سؤالًا يتجاوز كيفية نقل ما حدث إلى كيفية فهم ما يستمر بعده: من يعيش مع الخوف، ومن يدفع ثمنه، ومن تقع عليه مسؤولية إنهائه؟
حين تصبح الجريمة خبرًا يوميًا، لا ينبغي أن يصبح الخوف أمرًا عاديًا، ولا أن تختفي النساء خلف أسماء الضحايا وأرقامهم، فنجاح الصحافة لا يُقاس فقط بقدرتها على نقل الحدث بسرعة، بل أيضًا بقدرتها على كشف ما لا يظهر في صورته الأولى، وإعادة الإنسان وحقه في الأمان إلى مركز الحكاية الأساسية.




