النّزوحُ الصّامت: حينَ نَبقى… ولا نَبقى!

لم أغادِر المكان. ما زلتُ في البيت نفسه، في الشارع نفسه، أَرى الوجوه التي اعتدتُ رؤيتَها، وأمرّ بالأماكن التي حفظتُ تفاصيلَها عن ظهرِ قلب. كلّ شيء يبدو كما هو للوهلة الأولى، لكن في الدّاخل، شيءٌ ما تغيّر. لم أَعُد أشعُر أنّني هنا كما كنت. كأنّ جزءًا منّي غادَر، دون أن يتحرّك جسدي خطوةً واحدة. لَم يَعُد النزوح، كما تعلّمنا معناه دائمًا، مجرّد انتقال قسريّ من مكان إلى آخر، لم يَعُد مرتبطًا فقط بلحظَة الرحيل، أو بصورة العائلات التي تَحمل ما استطاعَت من متاع، وتُغادِر تحت الخَوف أو القَصف. ثمَّة شكل آخر من النزوح، أقلّ ضجيجًا، لكنّه أكثر امتدادًا وأعمق أثرًا. نزوحٌ لا تراه الكاميرات، ولا تُوثّقه الأخبار، لكنّه يُعاش يوميًا... بصمت.
أَن تَبقى في مكانك، لكن تفقد الإحساس بالأمان، أن تستيقظ كلّ يوم وأنت غير قادِر على التخطيط ليومك، أو شهرِك، أو مستقبلك، لأنّ كلّ شيء قابل للانهيار في أيّ لحظة، أن تتحوّل حياتك إلى حالة ترقّب دائم، حيث لا شيء مستقرّ، ولا شيء مَضمون، هذا أيضًا نُزوح، لكنّه يحدُث من الدّاخل. في مثل هذه الحالة، لا يعود البيت بيتًا بالمَعنى الذي نَعرفه. يُصبح مجرّد مساحةٍ للإقامة، لا ملاذًا. تتغيّر علاقتنا بالجُدران التي كانت يومًا مصدرَ طمأنينة. نُصبح غرباء داخل الأماكن التي نشأْنا فيها، نتحرّك فيها بحذَر، نراقِب، نقلَق، ونحسب لكلّ خطوة حسابها. كأنّنا نَعيش في مكان مؤقّت، رغم أنّنا لم نغادرهُ يومًا.
الأصعب في هذا النوع من النزوح أنّه غير مرئي. لا أَحدَ يسألُك عنه، ولا أَحد يعترف به. لأنّك، ببساطة، "ما زلت في مكانك". لكن الحقيقة أنّ البقاء الجغرافي لا يَعني الاستقرار. يمكن للإنسان أن يكون ثابتًا في موقعه، لكنّه مهتزّ من الداخل، فاقدًا الإحساسَ بالانتماء، أو القُدرة على الاستمرار.
يتسلّل هذا النزوح الصامت إلى تفاصيل الحياة اليوميّة. في القرارات الصغيرة التي لم تَعُد سهلة كما كانت، في القلَق الذي يرافقُنا دون سبب واضح، في الشّعور الدائم بأن شيئًا ما قد يَحدُث، حتى العَلاقات تتأثّر، نصبح أكثر توترًا، أقلّ قدرة على التّواصل، وأكثر ميلًا للانغلاق. كأنّنا نحاول حمايَة ما تبقّى منّا، بأيّ شكلِ ممكن. مع الوَقت، يبدأ الإنسان بالتّأقلُم. ليس لأنه تجاوَز الحالة، بل لأنه تعلّم كيف يعيش معها. يَتعامل مع القلق كأنّه جزء طبيعي من يومه، ويُعيد ترتيب أولوياته وفق ما هو متاح، لا ما يتمنّاه. يَحمل هذا التكيّف، رغم ضرورته، في داخله خسارة صامتة. لأنّ ما نخسره هنا ليس فقط شعورًا عابرًا، بل جزءًا من قدرتنا على الحياة كما يَجب. لم يَعُد النزوح، بهذا المَعنى، حدثًا طارئًا ينتهي عند لحظة معينة، بل أصبح حالة ممتدّة. قد يبدأ بظرف خارجي، لكنّه يستمر داخل الإنسان، ويُعيد تشكيل علاقته بالمكان، والناس، ونفسه. هو انتقالٌ غير مرئيّ، من حالة إلى أخرى، من شعورٍ إلى نقيضه، دون أن يتغيّر العنوان. ربّما لهذا، نحن بحاجة إلى إعادة التّفكير في مَفهوم النزوح. ليس فقط كحركة جسديّة، بل كتجربة إنسانية معقّدة، تتداخَل فيها السياسة مع النّفس، والواقع مع الإحساس. تجربة قد لا تُقاس بعدد الكيلومترات التي قَطَعناها، بل بمدى ما فَقَدناه ونحن نظنّ أنّنا ما زلنا في أماكننا. في النهاية، قد يكون السّؤال الأَصدَق ليس: "إلى أينَ نزَحنا؟" بل: "متى بدأنا نفقِد إحساسنا بأنّنا هنا؟" وكم مرّة يمكن للإنسان أن ينزَح… دون أن يغادِر المكان؟

ملاك فريد أبو رعية
مذيعة ومقدّمة برامج في إذاعة الحرية، وصحافيّة حرّة، وطالبة دراسات عليا في الإعلام الرّقمي والاتّصال في جامعة القدس.



