النّزوح في غَزّة: اقتِلاعُ الجَسَد وامتِحانُ الوُجود

قد تبدو كلمةُ "النّزوح" في ظاهرِها مصطلحًا عابرًا في نشرات الأخبار، أو رقمًا يُضاف إلى إحصائية يوميّة، لكنّ حقيقتها أبعدُ ما تكون عن الحِياد اللغوي. ليس النزوح انتقالًا من مكان إلى آخر، بل هو اقتلاعٌ من الجذور، وانفصال قسريّ للذات عن امتدادها الطبيعي. مَن يعيش خارج غزة قد يسمَع الكلمة فلا تهزّه، أمّا من جرّبها فسيعرفُ أنّ النزوح ليس مجرّد حَدَث، بل تجربة وجوديّة كاملة تُعيدُ تعريفَ الإنسان وعلاقته بالمكان والزمان والذاكرة.

قضية النزوح في فلسطين عمومًا، وفي غزة خصوصًا، ليست وليدةَ اللحظة. منذ عام 1948 ارتبطَ الوعي الفلسطيني بفكرَة الاقتلاع، لكن ما يحدُث اليوم يُعيدُ إنتاجَ المأساة بأشكالٍ متكرّرة ومكثَّفة. ليس الجديدُ في الفِكرة، بل في التّكرار؛ فأن يُجبر الإنسان على النزوح مرّة واحدة مأساة، أمّا أن يتكرّر ذلك أكثر من مرّة خلال فترة قصيرة، فهذه حالة من الانهيار البنيويّ لحياة الفَرد. في غزّة، أصبحَ النّزوح دورةً متكرّرة: تخرجُ وأنت تظنّ أنّك ستعود، تترُك خلفكَ البيت كما هو؛ الملابسُ في الخزانة، الكتبُ على الرّفوف، الصور معلّقة على الجدران، وتقول في داخلك إن الأمرَ مؤقّت. لكن العودة، إن حَدَثَت، تكون إلى فراغ؛ إلى رُكام لا يحمِل سوى صدى الذّكريات.

النّزوح أَشبهُ بخروج الرّوح، لأنّ البيت ليس جدرانًا وسقفًا فقط، بل هو الامتداد الماديّ للهويّة. يشكّل المكان جزءًا من الذّات؛ فيه تتكوّن العادات، وتُصاغ العلاقات، ويُبنى الإحساس بالأَمان. 

حين يُنتزَع الإنسان من مكانه، لا يفقَدُ مساحةً هندسيّة، بل يفقدُ نظامًا كاملًا من المَعاني. ليست العلاقةُ بين الإنسان والمكان علاقةَ سَكَن فقط، بل علاقةَ وجود؛ وعندما يُكسَر هذا الرّابط، يشعُر الإنسان أنّه أصبح معلّقًا في الفراغ، بلا نقطة ارتكاز.

على المستوى الجسديّ، النزوح استنزافُ مستمِر؛ المشيُ مسافاتٍ طويلة، البحثُ عن مأوى، الوقوفُ في طوابير للحصول على الماء أو الغذاء، النّوم في أماكن غير مهيأة، كلّها عوامل تُرهق الجسد وتُضعف المناعَة. لكن الإرهاق الحقيقي لا يكون في العضلات فقط، بل في الأعصاب. الجَسَد في حالة توتّر دائم، يستجيب للخطر المتوقَّع في كلّ لحظَة. حينَ يغيبُ الاستقرار، يتحوّل الجَسَد إلى جهاز إنذار مفتوح لا يعرفُ الراحة.

أمّا المعاناة المعنوية فهي أَعمقُ وأشدّ قسوَة. أن تنتقل من بيتٍ واسع، فيه غرفة لكلّ فرد من العائلة، إلى خيمة صغيرة لا تَحمي من برْد الشتاء ولا من حرّ الصيف، هو تحوّل يضرب الكرامة الإنسانية في الصّميم. تختفي الخصوصيّة، وتتلاشى المساحات الشخصيّة، ويصبح كلّ شيء مشتَرَكًا: النّوم، الحزن، القَلَق. التّفكير بالماضي يتحوّل إلى عبء؛ تتذكّر تفاصيل بيتك، زواياه، رائحتُه، ضوءُ الشّمس الذي كان يدخُل من النافذة، فتشعر أن حياتكَ السابقة كانت حلمًا بعيدًا. يولّد هذا التمزّق بين ما كنت عليه وما أصبحت فيه إحساسًا عميقًا بالفَقد.

ماديًا، النزوح تكلفة لا يستطيع كثيرون تحمّلها. الانتقال يحتاج إلى مواصلات، وإلى إيجار إن وُجد، وإلى شِراء مستلزَمات جديدة بعدَ فقدان القديمة. يحدُث ذلك في وقتٍ ينعدِم فيه الدّخل بسبب الحرب، وتَغيب فيه مصادر الرّزق. وفي ظلّ هذه الظّروف، يظهَرُ استغلالُ تجّار الحرب الذين يرفعون الأسعار ويحوّلون الحاجة إلى فُرصَة ربح. هُنا لا يكون النّزوح مجرّد مأساة فرديّة، بل يُصبح أزمة اقتصادية مضاعَفة تَضغط على الفئات الأكثرَ هَشاشَة.

اجتماعيًا، يُعيد النّزوح تشكيل العَلاقات، لكنّه يفعَل ذلك بطريقَة مؤلِمة. حين تَعيش أكثرَ من عائلة في مكان واحد، تتضاعَف الضُّغوط، وتزداد التوتّرات. المساحات الضيّقة لا تَحتمل اختلاف الطّباع، ومع تراكُم القَلَق والخَوف، تصبح الاحتكاكات اليوميّة أكثر حدّة. في الوقت نفسه، ينشَأ نوع من التّضامن القسريّ؛ يتشارَكُ الناس الألم، فيتكوّن بينهم رابط قائم على المعاناة المشتَرَكة. لكن هذا التّضامن لا يُلغي حقيقة أنّ النزوح يهدّد البنية الاجتماعية التقليديّة، ويخلِقُ واقعًا جديدًا غير مستقرّ.

إذا نَظَرنا إلى النّزوح من زاويةٍ فلسفيّة أَعمَق، نَجِد أنّه يكشف هشاشَة مفهوم "الاستقرار" الذي نظّنه ثابتًا. يبني الإنسان حياتَه على افتراض أنّ المكان دائم، وأنّ البيت ملاذٌ لا يتغيّر. ينسفُ النزوح هذا الافتراض، ويَضَع الإنسانَ أمامَ سؤالٍ وجوديّ: ماذا يَبقى حين يَضيع المكان؟ هل تبقى الهوية؟ هل تبقى الذّاكرة؟ أَم أنّ الإنسان يُعيد تشكيلَ ذاته في كلّ مرّة يُقتلع فيها؟

ربما تكون الإجابة أنّ الإنسان يحمِل مكانَه داخِلَه بقدرِ ما يحملُه خارجه. الذّكريات لا تُمحى بتدمير الجدران، لكنّها تتحوّل إلى عبء ثَقيل حين لا تجدُ إطارًا ماديًا يحتضنُها. يختبرُ النزوحُ قدرةَ الإنسان على إعادة البناء النفسيّ قبلَ الماديّ. إنّه امتحان للصّبر، وللقُدرة على خلقِ معنىً وسَطَ الفوضى.

في غزة، النزوح لَم يَعُد استثناءً، بل أصبحَ حالة متكرّرة تُعيد تشكيل الوعيِ الجمعيّ. يتعلّم الأطفال الذين يكبُرون في ظلّ هذا الواقع مبكرًا أنّ البيت قد لا يكون دائمًا، وأنّ الاستقرار قد يكون مؤقتًا. هذا يترُك أثرًا طويل الأمد على نظرَتهم للعالَم، وعلى شعورهم بالأَمان.

في النهاية، ليس النزوح مجرّد انتقالٍ قَسريّ، بل تجربة وجوديّة تمسّ الجَسَد والنّفس والاقتصاد والمجتمع. هو لحظةُ انكسارٍ تكشِف ضعفَ الإنسان أمامَ القوّة، لكنّها في الوقت ذاته تكشفُ قدرَتَه على الاستمرار. 

وبين الرّكام والخيام، يبقى السّؤال معلقًا: هل يمكن للإنسان أن يعوّض المكان؟ ربّما لا يعوّضه بالكامل، لكنّه يتعلّم أن يحمِل وطنه في داخله، حتى لو تغيّرت الجغرافيا من حوله.

أشرف نافذ المجايدة

باحث وكاتب فلسطيني من غزة، حاصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة الأزهر. يتركّز اهتمامه بالتحليل السياسي والاجتماعي، وقضايا الصراع العربي الإسرائيلي، والإعلام والدعاية السياسية.

رأيك يهمنا