كانت العاصفة الثلجيّة أوّل ما استقبَلني في أوتاوا، سَحَرتني الأشجارُ الواقفة بتمرّد على امتداد الطريق الطويل الذي استغرَق أكثر من 7 ساعات، أُحدّق في الفضاء الأبيض؛ كلّ شيء مشبَع بالأبيض، وما أن تتوقّف المركَبة حتى أَشعُر بالصّقيع يتسلّل لأنفاسي، لكنّه لم يطفئ تلك النيران المشتعِلَة منذ عامين وأكثر، كانت نارًا تلَظّى كأنّها تزداد كلّما ازداد الوقت الممتَد أَمامي. 

كان كلّ شيء ساكنًا حتى مجيء تلك الشرارات البيضاء كأنّها قُطنٌ يتسلّل من بحر السماء فوقنا، يزداد شيئًا فشيئًا، أُحدّق فيها كأنّما أُحدّق في المجهول، لم أكن أعرِفها، لم تكن هنالك أُلفة كبيرة بيني وبين تلك القطَرات القطنيّة التي تلتصِق بالطريق الأسفلتي لتحيله إلى بِساط أبيض، المشهَد جميل لم يألَفه قلبي! لم أشعُر بالجَمال، شَعرتُ بالغُربة كأنّني بعيدةٌ عشرات آلاف الأميال عن مدينتي المحترِقة، كأنّما رذاذَ بيتي المحترق يأتيني على شكلِ رذاذ أبيضَ، لكنّي لم أَشمّ فيه رائحة بيتي، كنت كأني أُخرى تجاهِد لتحافظ على سكينتها وهدوئها دون جدوى، الطريقُ يمتدّ وينحَني ويتلوّى، في ما تقف الأشجار بصلابَة وشموخ رغم أنّ البياض قد غطّاها حتى القِمَم، كنت أتسأل:

  • هل تَشعُر الأشجار بالبَرد! 

شَعرتُ بالغَرابة لسؤالي وحاولتُ ألّا أُطيل ثقَل الأسئلة التي بَدَأت تتساقَط في رأسي بينَما قلبي مشتعِل والروح ضائعة، فسألت رفيقي في السّفر:

  • أوليفر، هل تعتقد أنّ الأشجار الآن تشعُر بالبَرد؟!

ابتَسَمَ وهو يحدّق في الأشجار كأنّما يَراها للمرّة الأُولى مُجيبًا: 

  • .. ربما، ربما لا!

قلتُ وأنا أشعُر برغبة عارمة في احتضانها.. أُريد أن أنفُض الثلج عنها! لقد فعلتُ ذلك حين تساقَط الثلج بكثافة للمرّة الأولى في البيت الذي عشتُ فيه عامًا وعدة أشهر في الميدلتاون في أمريكا، لقد كنتُ مستيقظَة طيلة الليل، كانت الهُدنة التي طالَما انتظرناها، تداولت كلّ الأخبار أنّ هنالك توقفًا للحرب في غزة، ولم أَنَم ليلتها حرفيًا، لقد ذَهَب أَحَدُهم لحيّ الجنينة برفح حيث قَضَيتُ ثُلث سنوات عمري، ذهب رغم استمرار خطورة الأوضاع هناك وأرسَل فيديو لبيتي.. لم أَغفُ ليلَة تساقُط الثّلج، كان الأُفق أبيض كأنّها الثامنة صباحًا وليست الرابعة فجرًا.. رأيتُ أَريكتي المفضَّلة قد أصبحَت رمادًا أسود، بينما مكتبتي محطَّمة الأطراف وقد طارَ أحد حيطانها، ودفاتري مُلقاة في كلّ مكان، كان المكان كأنّما هرسته دبابة من مدخَل البيت، فلا سور ولا حيطان، بينما دَرجات السلّم الأمامي قد هَرَسَت الدبابة نِصفَها، وفَقَأت وجهَ البيت لتشعر بما واجَهه وحيدًا! السّواد يحدّق في كلّ زوايا البيت المتطايِر الأجزاء، فيما باتت الحيطان المتبقّية بوجهٍ أسودَ حالكٍ يَجعل قلبَك يئنّ من هَول ما عاشته الجُدران وحيدة إلّا من الغرباء المحتلّين! 

مشيتُ على الثلج الكثيف، يومها لَم أشعُر بالبرودة، كنت أَغرس أقدامي في الثلج من حَول البيت لأطفئ النيران المشتَعِلة في قلبي وروحي، هذا البيت الذي عَمِلتُ عمري بأكمَلِه ليكون بيت أحلامي وأولادي، مشيتُ حتى لمحتُ تلك الشجرة التي لم أعرف اسمها إلى الآن، كانت ممتلئة بالأزهار في الربيع لكنّها الآن مثقَلَة بالثلج، يا إلهي لم أُطِق المشهَد، بدأتُ بهزّ فروعها ليتساقَط الثلج صارخًا وكأنّها تعرف أني غَريبَةَ بِلاد. 

كنتُ أتألّم: بعيدةً عن بيتي في وقت حاجتِه لي! ماذا لو احتضنتُه حضنًا أخيرًا وهو جَميل الطلّة كعادته! ماذا لو كنتُ هناك، ربّما تمكنتُ من إنقاذه، ربّما ربَّتُ على كتفه، ربما لم يكُن ليعاني وحيدًا.. هل خنتُه بسفَري قبلَ الحرب؟ وكيف لي أن أعرِف أنّ الحرب ستغدو إبادة قادمة لتحرِق حياتنا وأحلامنا ومستقبلنا، وتقلبها رأسًا على عقب!

يأتيني صوت أوليفر حاسمًا بعد تفكير طويل بينما يقود المركَبة:

- لا أعتقد أن الأشجار تشعُر بالبَرد، فلو جئتِ في فصلٍ آخر ستجديها، إنّ الأشجار تنجو بطريقة ما!

قلتُ هامسة باللغة العربية:

  •  لكني لم أَنجُ! ليتَني شجرة لأنجو من الثلج وأَنجو من الإبادة وأَنجو من الضّياع!

عادَت الأسئلة لتُثقل روحي بينما أَشعُر أنّ للأشجار أيدي تمدّها نحوي، كأنّما تخبرني أسرارًا لم يعرفها الآخرون! ماذا لو اقتُلعت الأشجار من أرضها التي ولِدت عليها، هل ستعيش في مكان آخرَ وتنجو؟ كنت دومًا أؤمن أنّ الأشجار تشعر بنا وتَسمع أسرارنا وتفهمُنا حتى لو لَم نحدّثها، لكني كنتُ أتساءَل: لمن تَحكي الأشجار أسرارها؟ هل للأشجار أسرار؟ لا أظنُّها تَحكيها للثلج، لم أشعُر أنهما رفيقان! إنّها تُطيل صبرَها وتسمَح له بالمكوث على أوراقها، لكنّه لم يكُن لينجو من أشعّة الشمس، فتَعود الحياة للأشجار وتحمل لنا الكثير من الحياة!

في بلدي قَطَعوا كلّ الأشجار، قَتَلوها وسَحَقوها تمامًا كما سَحقوا البيوت والأطفال، دمّروا كلّ شيء حتى ذكرياتنا التي نحمِلَها. نتشبّث بأيّ ذكرى تذكّرنا بالحياة السابقة التي كنّا نحياها في غزة، لقد حَملتُ معي من مصر إلى أمريكا ثمّ إلى كندا ملابسي القديمة، حقيقةً لم أَعُد أرتديها، لقد تغيّر لونها ولم تعُد صالحة لكني لم أستطع أن أتخلّى عنها في بلاد غريبة، كانت تلك الرائحة لمدينتي التي أردتُ الاحتفاظ بها. أمّا المفكّرة الصغيرة التي لَم أدوّن فيها إلا بعض الأرقام فقد حمَلتُها للبلاد البعيدة، كنتُ اشتريتُها من رفح، ياااه يا رفح! كانت هنالك مدينة جميلة مفعَمَة بالحبّ والوَرد تسمّى رفح، كانت مدينتي التي ولِدت فيها وعِشت فيها أيام طفولتي وشبابي وأنجبتُ أطفالي فيها، والآن الجميع يردّد أنهم دمَّروها، وجعلوها رمالًا ناعمة، حتى الرّكام أزالوه ويرسمون خطَطهم ليجعلوها منتجعًا، كأنّنا لم نكن يومًا هناك. قبر أمي وأبي فيها! 

توقفتُ طويلًا في أحد المحال في أوتاوا أَمام رفّ يحمل بوتًا جلديًا طويلًا، أُحدّق فيه وأَتوهُ في ذكرياتي الخاصة، لقد كان لديّ البوت ذاته باللون الأحمر، لم أكن أتجاوَز عشر سنوات، أرتديه وأخرج وأصدقائي في يوم ماطر لنبحث عن بركة ماء صنعتها الأمطار الغزيرة، وما أكثرها في مخيم الشابورة برفح! لنقفز وَسَطها فيما السماء تُمطر بغزارة وضحكاتنا تتجاوز الحارَة التي نعيش فيها، إلى مدن أخرى، لم أكُن أعرف أنّ ضحكتي البريئة وفرحتي بالبوت الأحمر مع صديقاتي سأراهما ماثلين أمامي بعد سنوات طويلة في مدينة على بُعد مئات آلاف الكيلومترات، كما لم أُدرك أنّهما كانا ما تبقى لي من حارتي ومدينتي وذكرياتي!

كيف تنجو الأشجار بينما تجعلُها الثلوج بلا أوراق خضراء، تكتِم أنفاسها، تجعلُها كشبَح أبيض متيبّس يُخيف الطيور ولا يَترك لها مجالًا للتنفّس؟ هل تتمنّى الأشجار لو أنها تستطيع المشي، تمامًا كما أشعُر الآن لو أنّ لي جناحين لأطير لبلدي وأُلقى نظرة على ما تبقى مني هناك؟! 

شَعرتُ بثقل كبير على صدري كلّما سمعتُ همسًا ظَنَنتُه همسًا من آلاف الأشجار التي رافقتني في رحلة القَلَق من بلد إلى بلد ومن مدينة لمدينة أخرى، وصلتُ الصالة الحدودية، كنت مهمومة قلقَة أشعُر بالضياع، كيف سأبدأ من جديد بعد أن فقدتُ الكثير على مدى عامين ونصف عام، ولم يَعُد هنالك شيء يستحق أن أبنيه بعيدًا عن ذاتي التي أعرفها، لكنّي نفضتُ عن رأسي كلّ همومي وأحزاني وشعرتُ بالأشجار تتبَعني رغم أنّها أصبحت خلفي، إنّها تمشي بلا أقدام، تنتقل بلا حدود، تَسمع همسي بينما لم أكُن أتحدّث لأَحَد

باغَتَني السّؤال على بساطَته، لماذا أنتِ هنا؟! شعرتُ بالغربة التي تمزّق روحي، بينما جَسَدي عالقٌ على الأرض، عيناي تحدّقان بالضابط المهذَّب الذي انتظر طويلًا ليسمع إجابتي: 

قلتُ متلعثِمَة: حقًا لا أعرف لماذا تدمّر المدن التي نحبّها، وتُسحق البيوت التي بنيناها بعرَق جبيننا، ولماذا يُقتل الصغار بلا ذنب، ولماذا يُترك الناجون الآن للموت بطُرق مختلفة، حقًا لا أعرف بما أجيبك لكن أحلامًا قد سُحقت مع البيوت، والضحكة المجلجلة التي طالما تميزتُ بها ضاعَت مني بين البلاد الواسعة، وروحي لا تزال هائمةً تبحث عن ملاذ أخير من نفسي وكوابيسي!

نيسان/ أبريل 2026

مونتريال، أوتاوا 


ملاحظة: "وقوفًا كالأشجار"، تعبير وَرَد في أغنية "إِن عشتَ فعِش حرًا" للفنان السوري سميح شقير، من كلماته وألحانه.

هداية صالح شمعون

كاتبة وإعلامية فلسطينية من غزة - رفح.

رأيك يهمنا