النُّزوح ما وَراءَ المَكان...

حين تُقال كلِمة نزوح، قد تبدو للبعض مصطلحًا عابرًا في نشرات الأخبار، أو حدثًا مؤقتًا يُختصر بحركة انتقال من مكان إلى آخر. لكنّها في حقيقتها ليست انتقالًا، بل اقتلاع. اقتلاعٌ هادئ لا يُسمع صوته، لكنه يهزّ أعماق الإنسان كما تهتزّ شجرة انتُزعت من جذورها على حين غفْلَة. فالنزوح لا يَبدأ حين تغادِر المكان، بل حين تدرِك أن المكان الذي تركتَه قد لا يَعود كما كان، وأنّك أنت أيضًا لن تَعود الشّخص نفسه.

ليسَ النزوح مغادرةَ بيت فحسب، بل مغادرة نُسخة كاملة من الحياة. ففي زمَن الحرب، لا يَمنحُك الواقع رفاهيّة الوداع. تَخرج مسرعًا، تاركًا وراءَك تفاصيلك كما هي، كأنّك ستعود بعد ساعات: فنجان القهوة على الطاولة، كتابٌ مفتوح عند صفحة لم تُكملها، وسادة تَحفَظ تَعَبَك، ونافذة اعتادَت أن تَرى العالَم من خلالها. لا تَعرف حينها أنّ هذا الوداع النّاقص سيظلّ مفتوحًا في داخلك، جَرحًا بلا خاتمة، وذكرياتٍ عالِقَة بين الأمل والغياب.

كانت تجربتي مع النزوح قاسِية، لا لأنّها خَلَت من الأمان، بل لأنها خَلَت من الانتماء. كنتُ بين أقاربَ ووجوه مُحبّة، في مكان يفيض باللطف والاحتواء، مع ذلك بقي شعور الغربة ثابتًا كظلّ لا يغادرني. أدركتُ حينها أن الأمان لا يُقاس بعدد الأشخاص حولك، بل بقدرتك على أن تكونَ نفسَكَ دون حذَر، دون اعتذار، دون محاولة مستمرة لتَخفيف حضورك حتى لا تُثقِل على الآخرين.

كنت أَشعُر بأنّني ضيف طويل الإقامة، حتى وإنْ لم يَنطق أحدٌ بهذه الحقيقة. كنت أُراقب خطواتي، أُخفّض صوتي، أُرتّب وجودي بما يُناسب المكان الجديد، وأَختَصر احتياجاتي قدر الإمكان. لم يكن أَحَد يَطلب منّي ذلك، لكنّ النزوح يزرع في داخلك حساسيّة خفيّة تجاه المَساحة التي تشغَلُها في حياة الآخرين. ومع الوقت، يصبح الإنسان غريبًا حتى عن عاداته الصغيرة، وكأنّ عليه أن يتعلّم من جَديد كيف يَعيش.

التّعَب الحقيقي لَم يكُن في المكان، بل في داخلي. كان في الإحساس الدائم بأنّ شيئًا منّي مفقود، بأنّ جزءًا من روحي بقي هناك، خلفَ بابٍ أغلَقَته الحرب دون استئذان. كنت أعيش يومي الحاضر بجسدي، بينما روحي تتجوّل في الماضي، تَبحث عن تفاصيل بسيطة لم أَكُن أُدرك قيمتها: رائحة البيت صباحًا، صوتُ المفاتيح، ترتيب الأشياء الذي يُشبهني وحدي.

ليس النزوحُ فُقدان الجدران، بل فُقدان الإيقاع الذي كانت الحياةُ تَسير عليه. هو أن تستيقظ كلّ صباح وتحاول أن تتأقلَم مع يومٍ جديد، بينما قلبُك ما زال يعيش بالأمس. أن تُعيد تعريف الرّاحة، وأن تَكتشف أن الاستقرار ليس أمرًا بديهيًا كما كنّا نَظُن، بل نعمة صامتة لا نَشعر بها إلّا حين تُسحب منّا فجأة.

مع مرور الوقت، تتغيّر علاقتك بالأشياء. لم تَعُد تبحث عن الكماليّات، بل عن الإحساس البَسيط بالثّبات؛ زاوية صغيرة تَشُعر فيها أنّك لست عابرًا، سرير تَعرفه، نافذة تمنحُك لحظَةَ سلام. يدرِك النازح أن الانتماء ليس فكرة رومانسيّة، بل حاجَة وجوديّة عميقة، وأنّ الإنسان قد يتحمّل الكثير، لكنّه لا يستطيع طويلًا أن يعيش بلا جُذور.

في الليل، حين يَهدأ كلّ شيء، يبدأ الحنينُ عَمَلَه الصّامت. تعود الأماكن التي تركتَها كأنّها كائنات حيّة تزورك: الشارع القديم، صوتُ الباعة، ضحكات الجيران، ضوء المصباح في الممرّ، وحتى الضجيج الذي كنتَ تشتَكي منه يُصبح جزءًا من فردوسٍ مفقود. تَكتشف أن الإنسان لا يشتاق إلى المكان فقط، بل إلى النُّسخة القديمة من نفسه؛ تلك التي كانت تَعيش دون خوفٍ دائم من الفقد.

رغم ذلك، لا ينتَصِر النّزوح تمامًا. ففي قلب الإنسان قُدرة عجيبة على التكيّف، وقوّة تَنمو ببطء وَسَط التّعَب. يتعلّم أن يحمِل وطنَه داخله، أن يصنَع من الذكريات جسرًا يعبر به الأيام الصّعبة. يصبح الأمل فعلًا يوميًا صغيرًا، لا صَخَب فيه: ابتسامة عابرة، خُطة مؤجَّلة، أو إيمان هادئ بأنّ ما ضاع يمكن أن يُستعاد يومًا ما.

فالبيت ليس سقفًا يَحميك من المطر فقط، بل مساحَة تَعرِفُك دون شَرح، تحتَضِنُك دون شروط، وتسمَح لك أن تكون كما أنت. قد نَجِد مأوى عند الآخرين، وقد نَجِد الأمان بينهم، لكن الرّاحة الحقيقيّة لا تولَد إلّا في المكان الذي لا نَشعُر فيه أنّنا ضيوف، بل أصحابُ الحكاية.

في النّهاية، حين تَحدُث العودة، إن حَدَثت، لا يَعود الإنسان كما كان. يَعود وهو يحمل ذاكرة الفقد ومعنى النّجاة معًا. يَعود أكثر امتنانًا للتّفاصيل الصّغيرة، وأكثر وعيًا بقيمَة الاستقرار، وأكثر إدراكًا أنّ البيت ليس حجارةً وجدرانًا فقط، بل شُعور عميق بالطمأنينة والانتماء.

لأنّ النزوح، مهما طال، يَبقى مرحلة لا تستطيع أن تُلغي الحُلُم. فالإنسان خُلق ليبحثَ عن مكان يشبِه قلْبه، عن مساحة يقول فيها بلا خَوف ولا تردّد: هنا أستطيع أن أتنفّس، هنا لا أحتاج أن أُبرّر وجودي، هنا فقط… أعرف أنّني وصلتُ إلى البيت.             

هادي أحمد العدوي

لاجئ فلسطيني في مخيم برج البراجنة- بيروت، وناشط شبابي واجتماعي.                

رأيك يهمنا