زِيارَات طِبّيَة لـ "فِلِسطينَ المَريضَة"

مَع تواصُل العدوان الإسرائيلي على أبناء شعبنا في كلّ محافظات الوطن، سواء نفّذته قوات الاحتلال، أو تجسّد بإرهاب ميليشيات المستوطنين وعنفهم وجرائمهم في الأراضي المحتلة، ورغم الإغلاق والحصار، والحواجز والبوابات الحديدية، وإغلاق القرى والبلدات الفلسطينية بالسواتر الترابية، والمكعَّبات الأسمنتيّة، نحنُ في منظمة "أطباء لحقوق الإنسان"، التي تَنشَط في الأراضي المحتلة منذ تسعة وثلاثين عامًا، كثّفنا العمل والجهود في البلدات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، خاصة بعد السابع من أكتوبر، والتقييدات التي تفرضها سلطات الاحتلال، وحرمانها المواطنينَ من أبسَط الحقوق الإنسانية كالحقّ في الصحة للجميع.

منذ حرب الإبادة، والعدوان المتواصِل على أبناء شعبنا في قطاع غزة رغم وقف إطلاق النار، ما زلنا نُحرَم للعالم الثالث على التوالي من الدخول إلى القطاع والوقوف مع أبناء شعبنا ومساندتهم، ودعم الجهاز الصحيّ الذي دمّرته آلة الحرب. 

زُرنا القطاع على مدار ١٧ عامًا منذ فرضِ الحصار الظالم على القطاع وإغلاق المعابر، مئات المرّات، ودعمنا الجهاز الصحي بالأجهزة، والمعدات، والأدوية، إلى جانب إجراء آلاف العمليات الجراحية وتدريب الكوادر الطبيّة، جاءت حرب الإبادة الجَماعية هذه تزيد المعاناة والقهر والعذاب بحقّ أكثر من مليونيّ مواطن.

مع اقتراب الذكرى الـ 78 لنكبة شعبنا الفلسطيني، والذكرى الـ 59 عامًا على الاحتلال، ما زالت قوات الاحتلال تواصل سياسة القتل، والقمع، والإذلال، والقهر والتّشريد، خاصة في مناطق الأغوار وعددٍ من مخيمات اللاجئين كما جرى في مخيم جنين، ومخيم طولكرم ومخيم نور شمس، حيث أجبَرَت قوات الاحتلال عشرات آلاف اللاجئين على النزوح قسرًا عن مخيماتهم تحتَ تهديد السلاح والقتل والتّشريد، وهَدَمت مئات بل آلاف البيوت. ويعيش عشرات آلاف النازحين في ظروف صعبة وقاسية وفي ظلّ فقدان الأمل بالعيش بكرامة كما تنصّ المواثيق والأعراف الدولية كالحقّ في الصحة، والمسكن، والتّعليم، والمياه، والعيش بكرامة، إذ تنتهك سلطات الاحتلال في الواقع جميع هذه الحقوق.

أصبح هؤلاء اللاجئون النازحون بلا مأوى بين عشية وضحاها، قِسمٌ منهم توجَّه للمبيت في المدارس، والنّوادي تحت المساجد، باحثين عن زوايا تؤويهم، وآخرون استضافهم أقارب لهم، ومع مرور الزمن توجَّه الآلاف منهم للبحث عن مأوى في القرى المجاورة في أوضاع اقتصادية في غاية الصعوبة.

 أُجبر هؤلاء اللاجئون تحت تهديد السلاح على المغادرة دون أدنى مقوّمات للحياة، حتى بدون ملابس، وأدوية للأمراض المزمنة، فكانت المعاناة وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، حيث تواصل قوات الاحتلال هدم المزيد من المنازل في المخيمات، وعملت جاهدة لطمس معالم المخيمات الشاهدِة على نكبة شعبنا الفلسطيني وحقّه في العودة.

نحن في منظمة أطباء تَحرّكنا على الفور للمساندة والوقوف إلى جانب النازحين قسرًا، بدأنا بحملات الإغاثة الطبية العاجلة، ووصلنا إلى مقرّات تجمّع النازحين في المدارس والنوادي والمساجد، حيث نظّمنا أكثر من خمسين حملة طبية، وكنّا في كلّ حملة نرى ونرصد كمّ المعاناة وحجمها عند هؤلاء النازحين الذين فقدوا كلّ شيء، وهُم بأمسّ الحاجة للدعم المعنوي والنفسي والصحي والمادي وتعزيز صمودهم وثباتهم، وأنّهم أصحاب حقّ وقضية، وأن نظام المحتلّ مهما كان متجبرًا ومتغطرسًا  فهو إلى زوال ولو بَعد حين.

ما زال هؤلاء النازحون قَسرًا، وبعد مرور أكثر من عام ونصف، يعانون الأمرَّين بعد فُقدان بيوتهم وطردهم منها، ولا يقتصر الأمر على المسكَن، وانعدام الخدمات الصحية بعد إغلاق عيادات وكالة الأونروا التي تعمَل جاهده للوصول للنازحين في أماكن تواجدهم، بل يمتد أيضًا لفقدان فرص العمل وانتظام الدخل الشهري، وانعدام الأمن الغذائي، وغياب الاستقرار والأمل بأفق للتغيير.

في الوقت نفسه، ما زالت سلطات الاحتلال تحاصر القرى والبلدات الفلسطينية بالتزامن مع إرهاب المستوطنين وعنفهم بحقّ الفلسطينيين، المتمثّل في القتل، وحرق البيوت، وحرق المزروعات وقطع الأشجار ومصادرة الأراضي وحرمان المزارعين من الوصول لأراضيهم كما حصل في عشرات القرى: قصرة، دوما، الفندقومية، بورين، مادما، بيتا، حوارة، وقرى عديدة أخرى، وقد قمنا بزيارات تضامنية لهذه القرى للوقوف إلى جانب المواطنين ودعمهم، ونظمنا حملات إغاثة طبية فيها.

نُلاحِظُ عندما نَزور هذه البلدات قطعانًا من عشرات وأحيانًا مئات المستوطنين الذين يستولون على مزيد من الأراضي، ويقيمون البؤر الاستيطانية الرعوية التي تبدأ بدونم واحد، ثم تسيطِر على جبل كامل وتحرم أصحابه من الوصول إليه للفلاحة.

عندما نتجوّل في القرى والبلدات الفلسطينية نستمع إلى رواياتٍ غايةً في الصعوبة من المواطنين حول اعتداءات المستوطنين عليهم بمساعدة جيش الاحتلال. فمثلًا يُفضّل مرضى حالتهم صعبةً البقاءَ مع مرضهم ومشاكلهم الصحيّة على أن يتوجّهوا للعلاج في المدن الكبيرة خوفًا من الاصطدام والاشتباك مع ميليشيات المستوطنين في الطرقات الرئيسة، حيث إلقاء الحجارة وتكسير السيارات والاعتداء على المواطنين يوميًا.

للأسف الشديد، كانت السلطة الفلسطينية ومازالت عاجزة عن حماية المواطنين العزل أو الدفاع عنهم، ومطلبُنا العمل على تعزيز صمود المواطنين في أراضيهم ومنازلهم، وللأسف هناك عشرات العائلات قد نزحَت عن بيوتها في مناطق الأغوار تحت التهديد المتواصل من قطعان المستوطنين وقوات الجيش.

مع استمرار الحصار المشدّد للأراضي المحتلة منذ السابع من أكتوبر ومواصلة العدوان، تتواصل اجتياحات القرى والبلدات الفلسطينية، مع وجود أكثر من ٩٠٠ حاجز على امتداد محافظات الضفة، وما زال الفلسطينيون يُمنعون من التوجه للعمل داخل "الخط الأخضر". 

نلاحِظُ عند زيارتنا القرى والبلدات الفلسطينية حجم معاناه المرضى على خلفية الأوضاع الاقتصادية الصعبة وانعدام فرص العمل، في الوقت نفسه تواصل حكومة الاحتلال قرصنة أموال المقاصة وهي العائدات الضريبية المستحقة للسلطة الفلسطينية، ينعكس هذا الأمر سلبًا على حياة المواطنين، خاصة المرضى، فمن جهةٍ أوضاعٌ اقتصادية صعبة وقلة عمل، ومن جهة أخرى وزارة الصحة التي تعتمد كثيرًا على أموال المقاصة أصبحت عاجزة عن تقديم الخدمات الصحية وصرف الأدوية للمرضى، وهناك عجز كبير في كافة أصناف الدواء ما يعني عدم حصول المرضى عليها، والمعلومات المؤكدة أن مديونية وزارة الصحة تعدّت الثلاثة مليارات شيقل لشركات التوريد والمشافي التابعة للقطاع الخاص، هذا ينعكس سلبًا على حياة المرضى، ونحمّل حكومة الاحتلال بالدرجة الأولى كافة المسؤولية عن حياة المرضى الفلسطينيين كونهم تحت الاحتلال.

نلاحِظ عندما نُسيّر العيادات الطبية المتنقلة تزايد أعداد المرضى المراجعين إذ يصل إلى المئات في كلّ حملة، ذلك على خلفية الأزمة التي تمرّ بها وزارة الصحة، وعدم قدرة المرضى على شراء الأدوية، يعود ذلك بشكل خاص لقلة العمل في ظلّ أوضاع اقتصادية صعبة، خاصة أن السلطة الوطنية تصرف فقط جزءًا من رواتب موظفيها، أحيانًا بواقع ربع راتب أو نصف راتب، نشهد هذه الأزمة للعام الخامس على التوالي. وهناك إضرابات جزئية للأطباء الذين لا يحصلون على رواتبهم كاملة، كما هو الحال عند قطاع المعلمين، حيث أصبح التعليم يومين عن بعد، وثلاثة أيام وجاهيًا، وهكذا الحال في قطاعات واسعة.

ونختِم أنّنا ما زلنا نسعى بكلّ الطرق والوسائل للدخول إلى قطاع غزة والوقوف إلى جانب أبناء شعبنا وتعزيز صمودهم بعدما فعلنا ذلك على مدار ١٧ عامًا من النشاط والعمل في القطاع الحبيب.


الصورة: لمنظمة أطباء لحقوق الإنسان.

د. صلاح الحاج يحيى

ناشط ومدافع عن حقوق الإنسان. مسؤول العيادات الطبيّة المتنقّلة في جمعية "أطباء لحقوق الإنسان". 

رأيك يهمنا