الَبيتُ حينَ لا يَعود حُجرَةُ بِسَقفٍ وجُدران

قِراءَة شَخصيّة جِدًّا في روايَة "عائِد إلى حيفا"

في رواية عائد إلى حيفا للأديب والمُناضل الفلسطيني غسان كنفاني التي تعتَبَر من أبرز الروايات في الأدب الفلسطيني المعاصر، يُحّدّثنا غسان عن سعيد وصفيّة اللذين غادرا بيتهما، إبّان النكبة خلال تهجير حيفا في نيسان 1948. يَصف غسان مشهَد التهجير كَنَهرٍ يجرفهما ويدفعهما دفعًا للخروج من حيفا، فيما تُحاول صفيّة جاهدةً ودون جدوى العودةَ لإحضار طفلهما خلدون ابن الخمسة شهور النائم في سريره في بيتهِما الواقع في حيّ الحليصة. يَخرج سعيد وصفية من حيفا، بينما يظلّ خلدون وحيدًا هناك. 

عشرون عامًا يتوقّفُ فيها اسم خلدون عن الورود في أحاديثهما، فلا يَذكُرانه ولا يتكلّمان عنه كأنّهما بتواطؤ صامت اتفَقا أن ينسَياه. يُتابع سعيد وصفية حياتهما كلاجئين في رام الله، ينجبان خالد وخالدة. يمرّ ما يقارب العشرين سنة ثمّ تحدُث نكسة العام 1967 فيَعودان إلى بيتهما في حيفا باحِثَين لا نَدري إن كان عن نفسيهما والبيت الذي كان، أَم عن خلدون ابن الخمسة شهور الذي لا يزال ينتظرهما في مَهدِه. بِوَصف ممعِنٍ في الوَجَع يَصف غسان عودتَهما عَبر ذِكرِه التفاصيلَ الصغيرة، فيقول: مع وصولهما إلى هناك يوقِف سعيد سيارته في المكان نفسه الذي اعتاد إيقاف سيارته فيه، يَصعدان الدّرَج متأمِّلَين في التّفاصيل التي يحفظانها عن ظَهر قلْب، الدّرجة المكسورة من الوسَط والجَرَس الذي تَغيّر، حبل غسيل جديد وسبع ريشات كانت في المزهريّة اختفت اثنتان منهنّ. تَفاصيل تُمسِك القلب وتَعصِره بقسوة لينزف دمعًا على حكاية كبرت وكبرنا كفلسطينيين وكأنّها الغرفة الخلفيّة المُظلِمَة لذاكرتنا الجمعيّة. بعد ذلك تردّدت ثيمة الطفل الذي تُرك وحيدًا، فيما حَمَلَت أمّه الوسادة بدلًا عنه في روايات ومسلسلات تلفزيونية مختلفة وَصَفَت نكبتنا، وبكيتُ أنا في كلّ مرة رأيتها أو قرأتها وكأنّها المرة الأولى.

ولدتُ في بداية العام 1979، أي بعدَ لقاء سعيد وصفية بخلدون بنحو اثنتي عشرة سنة، وبكيت حزنًا ساذجًا مع حكايتهما في سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة حين قرأتها أوّلَ مَرّة.. أي تقريبًا في العام 1993، زمن انتهاء الانتفاضَة الأولى وما تلاها من اتفاقيّات وعودةٍ لِمَن عاد. فترةُ الأحلام والخَيبات الكبيرة.

لم أتوقّع في ذلك الزّمان الطازج أنّني وفقط بعد ذلك بنحو ثلاثين سنة سأشعُر حقًا بما كتبه غسان حينما أتناوَل حكاية سعيد وصفية بنظرة مختلفة وربما شخصيّة جدًا.  بعد ثلاثين عامًا في أحَد نصوص روايتي سأكتب: كنت أمرّ من ذلك الحيّ كلّ صباح، أعرف كلّ شيء فيه.. حجارة السور، الحفرة في الشارع الصاعد، المسلك الضيّق، زاوية الالتفاف في نهايته، وجوه الآخرين، ورود الشُّرفات.. والشّرخ في الدرجة تَنبُتُ منه وردةٌ صفراء كلّ سنة داعية إيّاي لالتقاط صورة لها. كان كلّ شيء هناك كأنّه محفور على جدران قلبي، والغريب أنّني لم انتبه لوجوده حتى تلك اللحظة. فجأة بدأتُ أفهَم القَهر الذي شَعَره أهالي قرية صفورية حين هُجّروا من بيوتهم ليتحوّلوا إلى لاجئين غرباء، في المدينة المجاورة.  فيصيرون أبناء "حيّ التَّنّك" كما وصفهم غرور جيرانهم النصراويين.

انتقلت للسّكن في الناصرة مع بداية الألفية الثالثة. ومَع انتقالي واندماجي في المجتمع النّصراوي بدأت أسمَع من حين لآخر جُملًا غريبة حول أهل المجيدل أو صفورية الذين قَدموا إلى المدينة لاجئين. وكنت أتساءَل طوال الوقت: ما هو الشّعور الذي حَمَله رجل صفوريّ وهو يرى صفورية على مرمى حجر منه، لكنه ممنوع من العودة إليها؟ هل أحسنَ السكّان الباقون استقبال إخوتهم المهجرين؟ أم كانوا ذوي قربى ظالمين؟ وتذكّرت قصصَا متناقَلَة عن أقرباء تم تهجيرهم من بيوتهم فلجأوا إلى أقارب لهم في القرى التي لم يَطَلْها التهجير، لكن الأقارب لم يُحسنوا استقبالهم، مما حَدا بهم إلى متابعة هجيجهم إلى بلاد الشتات ليكملوا عمرهم ويموتوا هناك.

يصف غسان مشهدًا موجعًا وممعنًا في القسوة وجلدِ الذات. فكما هو متوقّع، لا يَجِد سعيد وصفية خلدون صغيرًا منتظرًا عودتهما في المَهد كما تَرَكاه، بل يجِدان أنّ صغيرهما الذي تَرَكاه قد كَبُر وأصبح شابًا، يلبس زيّ الجنود، ويخدم في جيش الاحتلال ذاته الذي تسبّب في مأساتهم. فيتساءَل على لسان الطفل القاسي الذي تحوّل اسمه في الغياب إلى دوف، ويقول: "كم مَضى من الوقت قبلَ أن تتذكّر أنّ خلدون الطفل ما زال في سريره في الحليصة؟".

وأَتساءَل أنا: كَم مضى من الوقت قبلَ أن ننتبِه كمجتمع أنّ خلدوننا الشخصيّ عاد إلى مكانه الأوّل وحيدًا؟ مَن تلقَّفَه حين لم ننتبِه أن ذَيل ثوبنا فارغٌ من يَدِه، وأنّنا في رحلة البقاء لم ننتَبِه لغيابه ظنًا منّا أنّه صار قادرًا على الرّكض والّلحاق بنا حتى لو لم نلتفت لتخلّفه عن الرَّكب؟

أتأمّل في حالنا اليوم وأُفكر: هل نحن جميعنا خلدون الذي تركَه سعيد وصفية وحيدًا في سريره ليكبر الكثيرون منّا بهوية غير واضحة الملامح، وخيانةَ نداء الدّم فينا، مما قد يفسّر الكثير من مظاهر العنف والجريمة التي تنتَشِر بيننا؟ دون إغفال الدَّور الواضح للبولوني الذي احتلّ البيت والذاكرة والحكاية كما في حالة خلدون الذي صار دوف في حكاية غسان.

يقول غسان على لسان صفية: أنا واثقة أنّ خلدون سيختار والديه الحقيقيّين. لا يُمكن أن يتنكّر لنداء اللحم والدّم"، لكنّ خلدون الذي كبُر في بعدهما متنكرًا لبقايا حليبٍ على شفَتيه فصار دوف، يُجيب أمّه البولونية بسهمٍ يصيب قلب صفية فلا يَخرج منه: أنا لا أَعرف أُمّا غيرك"، ويوجه كلامه لصفية المكلومة قائلًا: كيف يستطيع الأب والأم أن يتركا ابنهما ويهربان؟ 

هل يعاتبهما؟ أَم يصبُّ زيتَ تركِه على نار ذنوبهما؟

كَصَفية التي دفَعَها مَوج الهجيج بعيدًا عن خلدون، أعتقد أنّنا كنّا جميعًا ولا نزال  كفلسطينيين باقين في هذه البقعة السّاخنة من البلاد، نركض خلفَ نجاتنا الشخصية إن كان بالصّمت الخائف كي لا يتمّ إلحاقُنا بمَن هُجّر، أو بالانفصال عن الحكاية الجمعيّة واللجوء إلى حكايات نجاح فرديّ تمامًا لنتحوّل إلى عائلات وبلدات كاملة (البلد الأعلى نسبة أطباء في العالم مثلًا) تَسعى بشكل محموم إلى الإنجازات العلميّة أو الماديّة كنوعٍ من الدفاع المستَميت عن البقاء.

يقول غسان على لسان سعيد: لقد بَدَأَت الجريمة قبل عشرين عامًا ولا بدّ من دَفعِ الثمن. بدأَت يومَ تركناه هنا.

فتجيب صفية:

-لكنّنا لم نتركه. أنتَ تعرف.

-بلى، كان علينا ألّا نترك شيئًا. خلدون والمنزل وحيفا. أَلَم ينْتَبْكِ ذلك الشّعور الرهيب الذي انتابني؟ كنت أشعُر أنني أَعرفها وأنّها تُنكرني.

ويدقّ جَرَس الحكاية في رأسي كلّ صباح، أنا أَعرفُها وهي تُنكرني.

لا بدّ من دَفع الثمن..

أتأمّل في حالنا نحن الباقون هنا في بلداتنا العامرة أو النازحون إليها من بلداتنا المهدَّمة وأفكّر أن علينا جميعًا أن ننتبه قبل فوات الأوان، أنّ لنا شكلًا مختلفًا وهمومًا تخصّنا دون غيرنا من الفلسطينيين، لكن رغم خصوصية وضعنا وواقعنا المركّب وربما بسببه يتوجّب علينا الانتباه ليس فقط للنجاة الشخصية، وإنّما للعمل على الحفاظ على الهوية الجمعية، ليس فقط بندوة هنا أو كتاب هناك وإنّما بعمل دؤوب يبدأ من بيت كلّ منّا وينطلق إلى دوائر أكبر. وليس انتظار أن تأتينا نجاةٌ من الخارج، أو الذوبان في مجتمع لم تَعُد ملامحُه تُشبهنا. 

ناديا نعامنة

كاتبة ومهتمة بالأدب. مؤسسة ومشرفة على نادي القراء الناصرة منذ العام 2016. حاصلة على اللقب الثاني وتعمل في مجال العلاج الوظيفي منذ العام 2005.

رأيك يهمنا