الصّراع على شَكل النّظام الإقليميّ: الضَرْب بـ "مِطْرَقَة" الاقتِصَاد

تَمرّ المنطقة أحيانًا بفترات طويلة يَبدو فيها التّوازن الإقليمي هشًا لكنه مستقرّ نسبيًا. ثُم تأتي فترات قصيرة تتسارَع فيها الأحداث إلى درَجة تجعَل الشرق الأوسط يبدو وكأنّه يَدخل مَرحلة مختلفة تمامًا، ولا تَكون الحُروب فيها مجرّد مواجَهات عسكريّة بين جيوش، بل تتحوّل إلى مؤشّرات على تَغير أعمَق في بنية الاقتصاد والسياسة والجغرافيا معًا. التّصعيد الجاري بين الولايات المتحدة وإسرائيل مِن جهة، وإيران من جهة أخرى، قد يكون أَحَد هذه الفترات المفصليّة
لا تتعلق المسألة فقط بالرّدع العسكري أو بحسابات القوّة التَقليدية، بل بالصّراع على شَكل النّظام الإقليمي نفسُه: مَن يَملك القُدرة على التّأثير في شَرايين الاقتصاد العالميّ، ومَن يستطيع تَحويل الجغرافيا إلى أَداة ضغط استراتيجية.
فالشرق الأوسط لَيس مجرّد ساحة نزاع سياسي. تَقَع هذه المنطقة في قَلب شبَكَة الطاقَة العالمية، وتتحكّم في مَمَرات بَحرية تُعدّ الأكثر أهمية لحركة التجارة الدوليّة. لا يحدّد النفط والغاز اللذان يخرجان من الخليج فقط اقتصاد المنطقة، بل يؤثّران في أَسعار الطاقة وسَلاسِل الإِمداد في أوروبا وآسيا والعالم.
لهذا السبب، تصبِح المَضائِق البحريّة – مثل مَضيق هرمز وباب المندب – أكثَرَ من مجرّد مَواقع جغرافية. إنّها مَفاصل في الاقتصاد العالمي. وأيّ اضطراب فيها لا يَرفَع فقَط منسوب التوتّر العسكري، بل يَنعكس مباشرَة على أسعار التّأمين البَحري وكُلفة الشّحن وأسواق الطاقة.
في هذا السّياق، يُمكن فَهم التّصريحات الإيرانية الأخيرة حَول دَورها في تنظيم المُرور عَبر مَضيق هرمز. لا تَعكس مِثل هذه التصريحات فقط موقفًا سياسيًا في لَحظة توتّر، بل تعبّر عَن إدراك واضح لقيمة الجَغرافيا الاقتصادية في مُعادَلة القوّة. فالدولة التي تَستَطيع التّأثير في نقطة اختناق عالميّة لا تَضغَط فقط على خُصومها المباشرِين، بل على شَبَكة التجارة الدوليّة بأكمَلها.
فجُزء كبير من صادرات النفط المتّجهة إلى آسيا يمرّ عَبر هذا المَضيق، كما تَعتَمد عدّة دول أوروبية بدرجات متفاوتة على الطاقة القادِمة من الخليج. لهذا فإن أيّ تَهديد لحركة الملاحة في هرمز لا يَقتَصر أَثَره على الدول المنتِجة أو المستهلِكة للطاقة، بل يمتَد إلى أسواق التأمين البَحري وكلفة النقل وسَلاسِل الإمداد العالمية. وتشير تقارير اقتصادية دوليّة إلى أن اقتصادات آسيوية كُبرى مثل الصين والهند واليابان تَعتمد بدرجة كبيرة على النفط الذي يمرّ عَبر هذا الممرّ البحري الحيوي.
مَعَ التّهديدات التي صَدَرت مؤخرًا باستهداف مصالح اقتصادية ومصرفيّة أمريكية وإسرائيلية في المنطقة، وهو ما نقلته وكالات أنباء دولية، يتضح أن طهران تَسعى إلى تَوسيع تَعريف ساحة الصراع. الحرب هُنا لا تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل تَمتد إلى البنية المالية واللوجستية التي يَقوم عليها الاقتصاد العالميّ. ففي اقتصاد الحَرب لا تكون الجيوش وحدَها أدوات لصراع، بل تُصبح شبَكات التّمويل والنقل والطاقة أيضًا جزءًا من ميدان المعركة.
مِن هذا المَنظور، يُمكن فَهم استهداف مؤسَّسات مرتبطة بالبنية العسكرية والمالية الإيرانية، مثل بنك سباه، وهو بنك حكومي تُشير تقارير إعلامية دولية إلى ارتباطه بالمَنظومة الأجهزة العسكرية الإيرانية المالية، وقد وَرَد ذِكر استهداف منشآت مرتبطة به.
في المقابِل، تَسعى إسرائيل، بدَعم واضح من الولايات المتحدة، إلى مَنع تشكُّل مُعادلة إقليمية يُصبح فيها تَعطيل الاقتصاد العالمي وسيلةَ ضغط فعّالة بِيد خصومها. لهذا يبدو أن جزءًا مهمًا من الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية يتمثّل في الحفاظ على حرية الملاحة في الممرّات البحرية الحيوية ومَنع تحوّلها إلى أوراق ابتزاز جيوسياسي.
كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على مدى سنوات طويلة، مِن أَبرَز الدّاعين إلى اتّخاذ مَوقِف أكثر تشددًا تِجاه البرنامج النووي الإيراني، معتبرًا أنه يمثّل تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل. أمّا الولايات المتحدة فترى نَفسها الضامن الرئيس لتدفّق التجارة والطاقة عبر الممرّات البحرية العالمية. وأيّ عَجز عن حماية مضيق هرمز أو غيره من الممرّات الحيوية سيؤثر في صدقيّتها الاستراتيجية، ليس في الشرق الأوسط فقط بل على مستوى النظام الدولي بأكمَله.
في خضمّ هذه التحوّلات يَبقى الاستقرار الإقليمي عنصرًا أساسيًا في أيّ معادلة جديدة للنّفوذ في الشرق الأوسط، ما يعني أنّ القضية الفلسطينية تظلّ حاضِرة في خلفيّة المَشهد الإقليمي، إذ يُظهر التاريخ السياسي للمنطقة أنّ موجات التوتّر وعدم الاستقرار غالبًا ما تتقاطَع مع هذا الصراع، وأن أيّ محاوَلة لإعادة تشكيل موازين القوى دون معالَجة جُذوره تَبقى معرّضة لعودة الأَزمات.
إذا استمرّ التّصعيد الحالي، يُمكن تصوّر ثلاثة مسارات محتمَلة في المَدى القريب. المسار الأول هو بَقاء المواجَهة ضمن نمط التصعيد المَحدود، حيث تستمر الضرّبات المتبادَلة والرسائل العسكرية دون انزلاق إلى حرب شامِلة. يَسمح هذا السيناريو للأطراف بإظهار القوّة دون تحمل كلفة اقتصادية عالميّة كبيرة.
يَتمثّل المَسار الثاني في اتّساع دائرة الضغط الاقتصادي غير المباشِر. فمَضيق باب المَندب، الذي يشكّل المَدخَل الجنوبي للبَحر الأحمر وطَريق التجارة نَحو قناة السويس، قد يتحوّل بدَوره إلى نقطة ضغط في حال تَصاعد التوتّرات الإقليمية. وتشير تَقارير إعلامية دولية إلى أن الحوثيين في اليمن استخدَموا صواريخ وطائرات مسيّرة لاستهداف أو تَهديد سفن في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ما يَطرح احتمال أن يتحوّل المَضيق إلى ورقة ضغط في الصراع الأوسع.
أما المَسار الثالث، وهو الأقل احتمالًا لكنّه يبقى ممكنًا، فيتمثّل في حُدوث مواجهة أوسع تؤدي إلى اضطراب كبير في حركة التجارة والطاقة في المنطقة، سواء عَبر استهداف منشآت طاقة أو وقوع مواجهة بحريّة مباشرة. مثل هذا التّصعيد قد لا يقَتصر تأثيره على المنطقة وحدَها، بل قد يسرّع أيضًا التحوّلات الجارية في الاقتصاد العالمي نحو مَسارات طاقة ونَقل بديلة.
في النهاية، يَبدو أنّ الشرق الأوسط يَقف أَمام لَحظة تَكْشِف فيها الحَرب عن التّداخل العميق بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة. ففي عالَم يَعتمد على شَبكات الطاقة والتجارة العابرة للقارات، لم تَعد القوّة تُقاس فقط بعَدد الجيوش أو الصواريخ، بل بالقدرة على التّأثير في الشرايين التي يَقوم عليها الاقتصاد العالمي.

فيروز شحرور
كاتبة فلسطينية في قضايا التنمية والسياسات العامة والأدب. تعمل في القطاع العام الفلسطيني في مجال التعاون الدولي وإدارة برامج التنمية. صدر لها كتابان. تحمل درجة الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة.



